الأربعاء 10 ذو القعدة 1441ﻫ 1-7-2020م
الرئيسية | في رحاب الشريعة | الـمادة القـــانــونــيـــة بيــــن مسئوليــــة كاتبهـــا وثـقـــل حملـهـــا

الـمادة القـــانــونــيـــة بيــــن مسئوليــــة كاتبهـــا وثـقـــل حملـهـــا

الشيخ محمد مكركب أبران /

هل كل كاتب ومُمْلٍ وناشر وآمر فيما يُعرف بالتقنين، أو التشريع (مجازا) لأن المشرع أصلا هو الخالق الذي له الخلق والأمر، هل أنهم مُقَدِّرون مسؤولية الكلمة؟ هل نعلم أن من يسن طريقة خاطئة مخالفة للعلم والشرع والصواب يحمل وزرها ووزر من يعمل بها؟.

فما من مسلم في العالم إلا قد سمع حديث النبي عليه الصلاة والسلام، أو كان يجب عليه أن يسمعه ويفهمه، عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: [إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما يلقي لها بالا، يرفع له بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم ] (أحمد:8411) وبالإضافة إلى نص الحديث، فإن خطورة الكلمة وعظم مسؤوليتها ظاهرةٌ بالعقل والواقع وقبل هذا وذاك بآيات القرآن، فرب كلمة طيبة كشجرة طيبة تبني مجتمعا آمنا، ورب كلمة خبيثة كشجرة خبيثة تُشْعِلُ حَرْبا أو تهدم حضارة.
الأساس الأول: الذي تبنى عليه المادة القانونية، هو: المطابقة للعلم والشرع. ومن العلم علم الاقتصاد والاجتماع وعلم التربية، وغير ذلك من العلوم، فلا يصح علما ولا شرعا، ولا أخلاقا، أن توضع مادة قانونية تخالف منطق العلم، ولا حكم الشرع، ولو رضي بها كل الناس. ولا يُصَحَّحُ القانون بالتصويت عليه إنما يصحح بالعلم والشرع والاستدلال بالحجج العلمية والبراهين المنطقية، إلا فيما كان خاص بشؤون الدنيا، وفي هذه الحال يبقى منطق العلم والخبرة والتجربة والبرهان العلمي هو الحكم. قال الله تعالى:﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية:18) وقال تبارك وتعالى:﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.﴾ (العنكبوت:51)
الأساس الثاني: المطابقة للأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. وهي وظيفة الحسبة، وترجع إلى الجهاز التنفيذي في الدولة، لأن الغاية من وضع القانون هو من أجل العمل بالآية الكريمة. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:104) فيوضع القانون للجواب عن السؤال: كيف ندعو النّاس إلى الخير؟ وما يجمع كلّ الخير هو الدعوة إلى الدين. وإذا كان الهدف الذي من أجله تؤلف المادة القانونية هو تنظيم سلوكا اجتماعيا إنسانيا، ليستقيم الناس على المنهج الصحيح في الحياة المدنية المجتمعية، بلا ظلم ولا اعتداء ولا ضياع حقوق، فإن رجل القانون في الإسلام لا ينسى ولا يغيب عن باله بأن الاستقامة التي نريد ضبط قواعدها بالقانون هي الاستقامة الإيمانية التي تحقق العبودية لله تعالى، وهذا ما يجعل القانوني المسلم يبني كل المواد القانونية على أمر الله تعالى، لا يبتعد عنه قدر أنملة. قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (هود:112).
وفي مقدمة ابن خلدون، الكتاب الأول، الباب الثالث، الفصل(43):{إنّ الْمُلْكَ لا يتمّ عِزُّهُ إلّا بالشّريعة، والقيام للَّه بطاعته، والتّصرّف تحت أمره ونهيه، ولا قوام للشّريعة إلّا بِالْمَلِكِ، ولا عزّ للملك إلّا بالرّجال، ولا قوام للرّجال إلّا بالمال، ولا سبيل إلى المال إلّا بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلّا بالعدل} (م:303).
وفي المقدمة أيضا من كتاب طاهر بن الحسين. لابنه عبد الله، لما ولاه المأمون الرقة، ومصر وما بينهما: {وآثر الفقه وأهله والدّين وحملته وكتاب الله عزّ وجلّ والعاملين به. فإنّ أفضل ما يتزيّن به المرء الفقه في الدّين والطّلب له والحثّ عليه والمعرفة بما يتقرّب به إلى الله عزّ وجلّ فإنّه الدّليل على الخير كلّه والقائد إليه والآمر والنّاهي عن المعاصي والموبقات كلّها ومع توفيق الله عزّ وجلّ يزداد المرء معرفة وإجلالا له ودركا للدّرجات العلى في المعاد مع ما في ظهوره للنّاس من التّوقير لأمرك والهيبة لسلطانك والأنسة بك والثّقة بعدلك وعليك بالاقتصاد في الأمور كلّها فليس شيء أبين نفعا ولا أخصّ أمنا ولا أجمع فضلا منه. والقصد داعية إلى الرّشد والرّشد دليل على التّوفيق والتّوفيق قائد إلى السّعادة وقوام الدّين والسّنن الهادية بالاقتصاد وكذا في دنياك كلّها} (المقدمة: ص: 322). فيوضع القانون للعمل بهذه المبادئ.
الأساس الثالث: أنه لا اجتهاد ولا تبديل في المسائل المنصوص عليها في القرآن والحديث. ومنه فإن رجل القانون في الدولة المسلمة كمصر والجزائر وتركيا مثلا وكل البلدان الإسلامية، ينص تلقائيا على أن مصدر القوانين هو الشريعة الإسلامية، وأن الدين عند الله الإسلام، وأن الحكم بما أنزل الله تعالى.
الأساس الرابع: أن يوكل أمر كتابة القوانين إلى العلماء المجتهدين، ويسجلون أسماءهم على النسخة القانونية، ليعرف من كتب هذا القانون أو ذاك ليتحمل الشهادة والمسئولية، أمام الله وأمام من قَنَّنَ لهم. وهذا أمر هام وأساس في كتابة القوانين. ثم إنه حتى من الناحية الأدبية الفنية في منهجية العلوم الأكاديمية أن كل ما يكتب من كتاب أو رسالة، أو مهما كان أن يعرف له أمور: اسم الكاتب المؤلف، واسم المؤسسة (الناشر) واسم المكان، والتاريخ، وحجم المؤلف، فكيف يقرأ الناس وثيقة لا يُعْرَفُ من ألفها؟
الأساس الخامس: اعتماد مبدأ التأصيل. فالقانون ليس تأليفا مزاجيا انطباعيا إنما هو يخص التشريع الذي هو قوام القرارات المصيرية للأمة، لذلك فإن تأليف القانون يحتاج إلى تأصيل وتحقيق، وتدقيق وإحكام في المباني والمعاني. خاصة الدستور الذي يمتاز بخصائص شرعية من حيث المحتوى، وأدبية من حيث النظم والسياق والوضوح. 1 ـ أن تكون المواد محكمة أي واضحة المدلول للعام والخاص لا يتطرق إليه التأويل أو الشبهة. 2 ـ أن تخص كل مادة مسالة واحدة، بلا تفريع ولا تحفظ، بل ويخصص للاستثناء من المادة، مادة أخرى لبيان المقصد. 3 ـ أن يكون كل فصل خاص بوضعية مستغنيا عن الإحالة لغيره تجنبا للتأويل. وعلى واضع وكاتب ومملي المواد القانونية أن يكون عالما بما يكتب، وأن يكون على شعور تام بالمسؤولية يوم يقف بين يدي الله ويحاسب عما كتب. قال الله تعالى:﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور:63) وفي الحديث القدسي عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: [يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا، فليحمد الله ومن وجد غير ذلك، فلا يلومنّ إلاّ نفسه] قال سعيد: كان أبو إدريس الخولاني، إذا حدث بهذا الحديث، جثا على ركبتيه. خوفا وخشوعا لله. (مسلم:2577)

عن المحرر

شاهد أيضاً

مـواطــنـــة العـــابــديــــن وهوية الـمسلمين في منهاج الكتاب الـمبين

الشيخ محمد مكركب أبران / ثلاثة مصطلحات في هذا المقال يتحدد على إثر فهمها هدف …