الأربعاء 10 ذو القعدة 1441ﻫ 1-7-2020م
الرئيسية | في رحاب الشريعة | لغة مهندس الدستور وأثرها في فكره

لغة مهندس الدستور وأثرها في فكره

الشيخ نــور الدين رزيق /

اثر اللغة في الفكر والتفكير:
يقول الإمبراطور الروماني شارلمان أنه «إذا كنت تتحدث بلغة أخرى فإنك تملك روحا ثانية».
قال علماؤنا:إنَّ اللغة توقيفيَّة في عهد آدم عليه السلام؛ أي: إنَّ الله علَّمها الإنسان، ويمثِّل هذه النظريَّة ابن فارس المتوفي عام 395 هـ؛ إذ يقول: «إنَّ لغة العرب توقيف، ودليل ذلك قولُه عز وجل: ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ [البقرة: 31 – 33].
إن تعليم الله سبحانه وتعالى لآدم الأسماء كان يعني فتح عوالم أمامه، فإطلاق الأسماء على الأشياء يأتي من علاقة اللغة بالفكر، حيث إن اللغة أولا ثم الفكر ثم يقوم الفكر بتوليد اللغة.
التكلم باللغة الأم دليل على الاعتزاز بالتاريخ والشعور بالانتماء، والذين يلوون ألسنتهم بلغات أجنبية لدراستهم بالخارج أوحتى في جامعات بلادهم، أوشعورهم أن لغتهم الأم لم تعد حضارية، أولئك يفقدون هويتهم وذاتهم ويفقدون أيضًا قدواتهم من عظماء الأمّة.
يصف السبب عالم الاجتماع ابن خلدون بقوله: “إن المغلوب مولع أبدًا بتقليد الغالب في شعاره وزيه ونحلته وفي سائر أحواله”. (النِحلة: المذهب والعقيدة)
فإن المليار ونصف المليار مسلم لا بد لهم من معرفة هذه اللغة التي اختارها الله لكتابه وجعل خاتم الأنبياء وخاتمة الرسالات بلسان عربيٍ مبين.
لقد كان للقرآن الكريم وسنّة النبي صلى الله عليه وسلم أثر كبير على مخزون اللغة العربية، واختار الله العربية لكلامه،
والقرآن الكريم هودستور الأمة ومستودع قوتها فلا قوة للأمة بدونه، وبالتالي بدون اللغة التي نزل بها.
يشير عالم الاجتماع “ورف” في نظريته “النسبية اللغوية” إلى أن اللغة تحدد التفكير، فشخص يتحدث عدة لغات سيكون تفكيره أكبر وأشمل، ويشير ورف إلى أن اللغة التي تتحدث به أمّة تحدد فهمها للعالم.
-الأمم بلغتها:
كانت الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس شعارها “لوكان على إنجلترا أن تختار بين الهند وشكسبير لاختارت شكسبير”
وقامت فرنسا بحملة لحماية الفرنسية، وأعدت قانوناً يحرم اللجوء «إلى ألفاظ أوعبارات أجنبية في حال وجود لفظ أوعبارة مماثلة في الفرنسية تؤدي المعنى نفسه». ويفرض استعمال الفرنسية في الوثائق والمستندات، والإعلانات المكتوبة والمسموعة، والإعلانات المعروضة على الجمهور في الأمكنة العامة، وفي عقود العمل والأنظمة الداخلية للشركات الأجنبية العاملة في فرنسا، وأقر مجلس الوزراء مشروعه، وناقش العقوبات والغرامات التي يمكن فرضها على من يستعمل كلمة أجنبية لها مرادف من الفرنسية. وفي الثالث عشر من إبريل عام 1994 نوقش في مجلس الشيوخ، ثم أقرته الجمعية الوطنية، وأيدته الأحزاب الفرنسية، وتبارى زعماؤها في التأييد، فقال أحدهم:»ما يعنيه مشروع القانون هوهويتنا الوطنية الواجب تنزيهها عن الشوائب والمثالب». وقال آخر:»اللغة هي إشهار (إعلان) هوية وطنية، والدفاع عنها مسؤولية دولة».
كل امة تدافع عن هُويتها والمتمثل في لسانها ،فأين المسلمون من هذا؟
واين قانون تعميم استعمال اللغة العربية الصادر 1990؟!، قبل أن يوقع عليه الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد في 1991، والذي ظل مجمدًا إلى غاية 1996، حيث رفع عنه التجميد مع إدخال بعض التعديلات عليه،ومع اعتلاء الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة سدة الحكم أجهض القانون الذي لم يجد طريقه إلى التجسيد ميدانيًا طيلة 20 سنة ، اثر هذا على الأجيال القادمة بالغ ولعنتها على صاحبه دائمة.
يقول العلامة محمد البشيرالابراهيمي عليه رحمة الله «اللغة العربية هي لغة الإسلام الرسمية، ومن ثم فهي لغة المسلمين الدينية الرسمية ولهذه الأمة الجزائرية، حقان أكيدان: كل منهما يقتضي وجوب تعلمها، فكيف إذا اجتمعا، حق من حيث أنها لغة دين الأمة بالحكم أن الأمة مسلمة، وحق إنها لغة جنسها بحكم أن الأمة عربية الجنس، ودين معًا. ومن هنا نشأ ما نراه من حرص متأصل في هذه الأمة على تعلم العربية»
رحم الله الاستاذ الرئيس رائد الاصلاح العلامة عبد الحميد بن باديس على هذه الشهادة القوية والصريحة :» لولا العربُ ما نتشر الإسلام، ولولا العربية ما فهم القرآن، ولولا هذان لانقطعت سِلسلةُ المدنية، فالعربُ والعربيةُ شُكرُهُما فَرضٌ على الانسانية».[ آثار ابن باديس الجزء الثالث متفرقات ج6/361].
نقول في الاخير ان دغدغت العواطف لا تقدم ولا تأخر جاء في الاثر»المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين « ،اللسان دال على الحال، واثره على الفكر والتفكير واضح ومدلل بما شهد به علماء اللسانيات.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مـواطــنـــة العـــابــديــــن وهوية الـمسلمين في منهاج الكتاب الـمبين

الشيخ محمد مكركب أبران / ثلاثة مصطلحات في هذا المقال يتحدد على إثر فهمها هدف …