الخميس 11 ذو القعدة 1441ﻫ 2-7-2020م
الرئيسية | مساهمات | حريتـــك تنتهـــي عنــد حـــدود الله !!

حريتـــك تنتهـــي عنــد حـــدود الله !!

أ. حمادي عاصم علاء الدين /

لطالما كان مفهوم الحرية ومفهوم الأمن يمثلان ثنائية متداخلة يصعب تحديد المسافة بين حدّيْها، ويعتبر التناسب بينهما عكسيا عند أغلب المفكرين الغربيين، حيث اعتبروا أن كل زيادة لمقدار الحرية في أي مجتمع يقابلها حتما نقص في مقدار الأمن، فتعصّب بعضهم للحرية المطلقة مهما كانت مآلاتها، وتعصب البعض الآخر للأمن مهما كلف ذلك من تقييد للحريات وشرعنة للاستبداد، ولكلّ مدرسة حجّتها في ذلك، حيث لو تعمقنا في مبررات المدرستيْن نجد أن (أنصار الحرية المطلقة) يمثلون صوت (الأنا) في المجتمع ويدعون للاستقلالية الفردية وتحقيق الذات والهوية بمعزل عن الوصاية بكل أنواعها ومحاربة القولبة…الخ ،بينما نجد (أنصار الأمن) يمثلون صوت (النحن) -أي صوت الجماعة- فينادون بأن تقييد الحرية مبرر لأنها خطر على وحدة المجتمع فهي الكيان الذي تذوب فيه كل الفرديات، وهي الكيان الذي يوفر لك الحماية والأمان فلابد لك من التضحية والرضوخ في سبيل الجماعة …وكلا الطرحين يبدو براقا للوهلة الأولى، ولكن مهما ظهر لنا تباين الطرفين لكنهما اتفقا على أن الحرية حق مكتسب لكل إنسان..
فنحن هنا أمام سؤالين جوهريين :
هل الحرية حق مكتسب أم هي صفة ملازمة للإنسان؟
هل علينا الاختيار بين الحرية والأمن؟
وسنفصل بين الحدّين عبر نظرة الإسلام لكليهما ونجيب عن السؤاليْن في هذه السطور… أما كون الحرية حقا مكتسب فهذا عكس ما جاء به الإسلام، فقد قال الله تعالى: {وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا} (الإسراء: 70)
فمنظور الإسلام في حرية الإنسان واضح وجليّ، حيث يراها صفة ملازمة للإنسان منذ ولادته، بل ويعتبر فقدها عارضا ينبغي إزالته، وحثّ على ذلك في توجيهاته و تشريعاته حين عدّ تحريرالرقاب من أعظم القربات ففي سورة البلد جاءت آية (فَكُّ رَقَبَةٍ١٣) (البلد) أولى من الصدقة والإطعام و جاءت صيغة (تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ) سورة المجادلة ، في ثلاث مناسبات على أساس أنها أولى أوجه الكفارات.
فمن واجبنا –كمسلمين- أن نعطيَ حكمنا في هذا الموضوع كون الإسلام أبدى وضوحا بالغا في الفصل بين هذه الثنائية، كيف لا وهي الرسالة التي بعثها الله لتقيم شؤون العالمين برهم وفاجرهم…
أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ١٤ سورة الملك
إن نظرة الإسلام الوسطية الشاملة كانت كفيلة بجعل العقل المسلم في راحة من ضغط التجاذب بين هذه الثنائيات التنافرية، فبين الحرية والأمن هناك عاملان يتدخلان بتدرّج دقيق، يهذبان الحرية والأمن ولا يخلان بأيّ منهما، أما العامل الأول فهو (الأخلاق) وأما العامل الثاني فـ (القانون)، ومهمة الأخلاق والقانون تكمن في الموازنة بحفظ الأمن دون استبداد وتهذيب الحرية دون انحلال، فالأخلاق تأتي عبر توجيهات قبلية في القرآن والسنة توضح لك الحدود التي تقف عندها في معاملاتك وتحدد لك المساحة المتاحة، وأما القانون فهو إجراء بعدي واضح في القرآن والسنة يأتي ليردع كل من يتجاوز الحدود الأخلاقية المسطرة سلفا، فيكون كبحا صارما يمنع تفشي ظاهرة التعدي على الحدود مستقبلا. مثل حدّ الزنا وحدّ القذف والسرقة..
فمقولة (حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين) تلك التي يتشدق بها الغرب وتلوكها بعض ألسنة بني قومنا -دون فهم ولا تبصر- تعتبر مبهمة حقا، كون محدد ومعيار حرية الآخرين يعدّ مجهولا في نص المقولة، هنالك يصير احتكام بداية حرية الآخر لاجتهاد الإنسان نفسه، فالقويّ يحدد حريته ويؤوّلها وفقا لقدراته، وهذا حتما يفضي إلى ظلم وسلب لحرية الضعفاء وتهديد لأمنهم، فمنطلق مثل هذا -ذو الخلفية المادية- يعطي نظرة جزئية لحدود الحرية وبعده غير أخلاقي بالمرة، بيد أنّ الإسلام يجعل (حريتك تنتهي عند حدود الله) بكل واقعية وشمولية، لأن الذي خلقك أعلم منك بما يصلح لحالك مهما بلغت عبقريتك، فذلك التوازن الذي يحفظ حريات الجميع مع حفظ أمنهم لا يتأتى إلا من قبل خالقهم الذي قدر كل شيء تقديرا، ومن هنا جاء التهذيب الرباني لهذه الثنائية بالشريعة ومقاصدها، فحفظ النفس يجعل الحرام (أكل لحم الخنزير) حلالا -بصفة مؤقتة- حفاظا على أمن حياتك، ويهذب (حريّة الجسد) بالزواج حفاظا على (أمن نسبك)، فتوازن رهيب متفرع كهذا يجعل مساحة التعدي عليه معدومة، بسبب ذلك السُلّم البديع من الأولويات والموازنات المتماهي بمرونة مع واقعك المعاش ونوازله، كل هذا يصيّر قول الله تعالى واضحا وعمليا حين قال : (وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُ) سورة الطلاق لأن نظرتك للحرية والأمن ستكون جزئية حتما مهما اتصفت بالذكاء، فيمكننا إلقاء نظرة عن المآلات لمّا انفرد الإنسان بالحكم على هذه الثنائيات الحساسة بمعزل عن حكم الله عزّ وجلّ، لقد تولّدت لنا تيّارات منافية للفطرة البشرية بل وأقرب للصفات الحيوانية، فما مظاهر الشذوذ الجنسي إلا نتاج نظرية الحرية المطلقة ونجد مقابله الاستبداد الفرعوني يبرر النظرية الأمنيّة المطلقة هنا يأتي دين المحجة البيضاء حكما وسطا يوازن بين النظريتين فيحفظ الحرية ويهذبها ويحفظ الأمن ويكرسه فتتفجر طاقات المجتمع وفعاليته وابتكاراته وتصب في بوتقة واحدة فيسود بذلك العدل بين كل أطياف المجتمع ويتجلى في ذهننا حينها قوله تعالى : وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ سورة البقرة فمن يبدي ريبة في هذا القول قياسا بواقع أمتنا المرير وهوانها، فإننا نجيبه دون تردد..
أن هذا الواقع ما هو إلا انعكاس لاغترارنا بمذاهب الغرب في نظرتهم لهذه الثنائيات فنحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. ولا غالب إلا الله.

عن المحرر

شاهد أيضاً

آن لهذا الفارس أن يترجّل.

بقلم/ د. خولة فتحي الشقاقي تودع فلسطين والقدس والأمة الإسلامية من مشرقها إلى مغربها رجلا …