الخميس 11 ذو القعدة 1441ﻫ 2-7-2020م
الرئيسية | قضايا و آراء | الـــدرس الــــذي لا يُــنــســى! (1)

الـــدرس الــــذي لا يُــنــســى! (1)

د. موسى عبد اللاوي /

قد لا تظهر طبيعة الحياة بين النّاس على حقيقتها، ولا تُعْرَفُ ماهيتها إلاّ عند النوازل والخطوب، والابتلاءات والكروب، بذلك تُنزَعُ الأقنعة، وتُزالُ المساحيق اللاصقة، وتتضح الصورة غير مُقَنَّعَة.. وينتهي بذلك دور التمثيل والممثلين..! فترى مَن كان معك صادقا، ومَن كان يُعاملك متصنعاً، وهو يترصدك ملاحِقاً..!
لتدرك عندها أنّ هناك مَن كان من أصحاب العهود والوفاء، وكم هم أولئك –أيضا- منسجي العلاقات بذكاء، ومحترفي الصداقات بغدر ودهاء!!.
والنّاس معادن كمعادن الذهب والفضة.. وقس على ذلك كما فيهم الذهب الخالص النقي، والفضة الخالصة الناصعة البياض، ففيهم -كذلك – النحاس والحديد والزنك والقصدير وما دون ذلك!.
لكن ذلك يُرى بعين البصيرة، ويُعلَمُ بالفراسة.. وإذا ما قدر الله أن تعرضتَ للبلاء، أو واجهتك كروب أو بأساء ظهرت لك معادن النّاس مكشوفة من غير عناء، وتبين مَن كان معك في الباطن والظاهر، ومَن هو ضدك وكان يتربص بك الدوائر!!
يقول شيخي وأستاذي العلامة الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله -: «امتحان الحياة ليس كلاماً يُكْتب أو أقوالاً تُوَجَّه، إنّها الآلام التي قد تقتحم النفس وتفتح إليها طريقاً من الرعب والجرح».
لذلك فمكابدة المحن في الدنيا تجربة مُغايرة للحديث عنها أو مطالعة قصص رواتها، أو حتى سماع آنين مَن ألم به شيء منها..
وأنا في هذه الحياة أخطو خطاي –حسبما رسمته لي الأقدار – متخذا الأسباب كما أمرنا الله عز وجل: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }(التوبة: 105).
ولكن في الحياة نوازل قد لا تخطر على البال، كما فيها طوارئ تدعو للتفكر والاعتبار، بما فيها من عجائب الأقدار! كم من محنة مرت عليّ وهي حادة ضارية، ولكنها لم تكن بهذا الوقع الذي دهتني به هذه المرة، حيث فاجأتني لشدة وقعها، مع علمي بالنوازل ومداهماتها..! كما قال الشاعر:
عرفت الليالي قبل ما نزلت بيا*** فلما دهتني لم تزدني بها علما!
لكنّ هذه –وإن كنتُ على علم بأن الدهر ليس مستقرا على حال، كما أن الأزمان قد تفاجئ المرء في أي لحظة بما لم يكن يخطر على البال إلاّ أنّ محنتي الأخيرة هذه قد أعطتني درسا أبلغ من كل بيان! وهي لي موعظة جلية جليلة أمام عيني في كلّ أوان، ولقد أثرت في نفسي تأثيرا باديا كالبرهان!.
ومع أنني كنت أهز خشبات المنابر بالخطب، وكراسي التدريس بالفوائد والحِكَم التي تبرق كبريق الفضة والذهب! لكن ما جرى لي في محنتي عجز لساني عن التعبير عنه، كما هو ذهني لم يكد يستوعب حجم المكيدة المحبوكة بإحكام، وأن أفكاري حارت في شكل ومضمون المؤامرة التي نُسجت خيوطها في الظلام! من قِبَلِ هواة التلذذ بآلام الأنام!.
بينما كنتُ بصدق عزيمتي، وقوة إرادتي، وحُسْن مقصدي.. كنت انتقل كالنحلة الموحى لها، بما أودع الله فيها من غريزة السعي في الخير، وهي تكابد عناء الطير، وتتحمل مشاق السير، لتجمع الرحيق من الأزهار، فتقدّمه -عسلا شافيا- بقدرة الواحد القهار!
وعلى هذا المنوال كانت خطواتي بين بيوت الله تعالى من مسجد.. إلى آخر ملبيا نداء «حي على الصلاة» راجيا المولى أن يجعلني من أهل الفلاح، وفي الوقت ذاته لا آلو جهداً في تقديم ما يفيد الأمة، مدرسا وواعظاً، ومذكّراً وناصحاً، مراقباً وقائماً، ناظرا على جميع الحركات والجماعات والهيئات، وإن اختلفت توجهاتها، وتنوعت مشاربها، وتعددت رؤاها وأراؤها، لكنني كنت أنظر إليها على أنها في الأخير، ملتقاها الجزائر ولا ضير، ونور منهجها الإسلام، أي أنها تصب -في النهاية – في مسلك واحد يجمعها الوطن، ويضبطها الإسلام وفق محكمات الشرع ومقتضيات العصر، مع احترام نظم وقوانين وطننا الغالي، قوانين الجمهورية، لأن الجزائر حررها الجميع ويبنيها الجميع بالتعاون والتواصل بين الجميع، بعيدا عن سياسة الخدع والمكر والدسائس وإبعاد الطاقات الفاعلة المثقفة.
نظرت إلى نفسي متأملاً متمعّناً في عجائب الأقدار، ومتفكراً فيما يأتي مع تقلب الليل والنهار! وما يكيده للأبرياء الأشرارُ، فهللت وسبحت وحوقلت وحمدت الله قائلا مبتهلاً»
أعددتُ لكل هول لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكل نعمة الحمد لله، ولكل رخاء الشكر لله، ولكل ذنب استغفر الله، ولكل همٍّ وغمٍّ ما شاء الله، ولكل قضاء وقدر، توكلتُ على الله، ولكل ضيق حسبي الله، ولكل أعجوبةٍ سبحان الله، ولكل طاعة ومعصية لا حول ولا قوة إلا بالله، ولكل مصيبة إنا لله وإنا إليه راجعون، ولكل بلاء وشدة استعذت بالله؟!
وقد وجدت لهذه الدعوات المباركة أثرا طيبا زادني يقينا واطمئنانا.. فأشفقت على نفسي لما عهدته من طول لطف الله، فقلت الحمد لله على كل حال..!
وبعد الصدمة الأولى، والدهشة الكبرى التفت إلى حالتي أتعظ بها، فكان أول ما قفز إلى ذهني، وامتلك مشاعري، هذا الضعف الذي ليس سوى الصفة الملازمة للإنسان، مهما امتلك من عوامل القوة والصحة والتمكين! أوَ لستُ أرى قول الله تعالى: «وخُلق الإنسان ضعيفا» (النساء:28). ينطبق عليّ تماماً؟ فجرّني هذا إلى الاعتبار بنفسي كما أمرني ربي {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (الذاريات: -20 21) بلى قد أبصرتُ قدرة الله ، وضعفي هو مشاهد رأي العين! ولقد عايشتهما(أي قدرة الله وضعفي) وأيقنت، صدق السُّنة الماضية في الخلق، فلم يسعني إلا أن أردد مع أولي الألباب « {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }(آل عمران:191).
كنتُ أعرف كل هذا لطول مدارستي للقرآن والسنة، ولكثرة متابعتي لمجريات الواقع بحكم عملي، لكنني اليوم برمتي داخل مدرسة سيدنا يوسف عليه السلام التي تحوّل الكلام إلى واقع، والنظرية إلى تطبيق!
فما أصدق الخالق -عز وجل -: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} (فصلت:53).
كنتُ –وأنا المُمْتَحَن- أعرف كل هذا، وأجعله محوراً لدروسي، لكنني اليوم تلميذ صغير أتعلم اليقين، لأنني تجاوزتُ المعلومة والتبيين، إلى التحقيق والتعيين..!!
أجل! وها هي سياط المحن تلقنني الحقائق تلقينا، وتنثر في نفسي آيات ودروساً، وثمرات تربوية رفيعة المستوى، كبيرة الوقع، فسكنت نفسي لأنني لم أعد أعبأ كثيراً بألم المحن وشدائد الدهر، بل أرى يد الله تعالى تعمل، وكلها حكمة وخير وفلاح..
وما عسى المحن أن تفعل بقلب معلَّق بربِّه يعلم أنه سبحانه وتعالى:
ما شاءهُ كان، وإلا لم يكنْ *** إذا قضى أمراً يقولُ: كُنْ يَكُنْ
فانتبهتُ من غفلتي، وعرَفتُ أنها فرصة سانحة للتخفف من الذنوب، والتقرُّب من المعبود علام الغيوب، فعفَّرتُ جبيني في بستان السنة النبوية الوارِف:
(ما يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وولده حتى يخرج من الدنيا وليس عليه ذنب) رواه الترمذي.
يتبع…

عن المحرر

شاهد أيضاً

العلمانيـــــة: النسخة العربية المشوهة

عبد القادر قلاتي / عندما يتعلّق الأمر بالإسلام كمنظومة عقائدية واجتماعية وسياسية ناظمة لحياة المجتمعات …