الأربعاء 10 ذو القعدة 1441ﻫ 1-7-2020م
الرئيسية | الحدث | الجزائر بين طموح الدستور التوافقي ومصير الأزمة الليبية

الجزائر بين طموح الدستور التوافقي ومصير الأزمة الليبية

د.ليندة طرودي /

 

تعيش الجزائر هذه الأيام أحداثاً مختلفة سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي، وكل ما يحدث مُرتبط ببعضه البعض من ناحية الخروج بحلول تُحافظ على الاستقرار داخل الدولة، أو داخل الجمهورية الجديدة التي وضع لها الرئيس خارطة طريق يقول البعض أنّ ملامحها قد اتضّحت: فهل يُمكن اعتبار ذلك تفاؤل مفرط خاصة في ضوء اللا_استقرار بدولة ليبيا، فهل يمكن النهوض بالأمن الداخلي بعيداً عن التخبّطات الخارجية؟
قبل الولوج إلى ما يجرِ داخل ليبيا، ينبغي التطرق للنقاشات الحاصلة بين مختلف الفئات بالجزائر، فطرح مسودة الدستور كشف عن العديد من التناقضات، إذ أنّ مختلف هواة السياسة تحدّثوا في الأمر دون وضع بدائل واضحة، ما أظهر ضياع الكثير وتشتتهم، خاصة في ضوء الدستور التوافقي المُرتقب هذا الأخير يعني في الأدبيات الديمقراطية منح حرية أكبر للمعارضة، هذه الأخيرة لم تلعب دوراً واضحاً في نقد سياسات النظام القائم وسابقيه، أي أنّنا كثيرا ما نطرح الشكّ بشأن شفافية المُعارضة في الجزائر لأنّها امتداد للنظام مهما تظاهرت بالعكس، وعليه وجب الخوض جيداً في ماهية مُصطلح التوافق.
لضمان الانتقال الديمقراطي الصحيّ للأنظمة ينبغي تحقيق الإجماع السياسي بخصوص التعديل الدستوري، هذا الأخير غائب بالجملة والتفصيل داخل الجزائر، هذا إذا تمّ الإقرار بوجود أطياف سياسية تلعب دورا إيجابياً، فالأحزاب السياسية مثلاً هدفها الأول بلوغ السُلطة بكافة الوسائل متجاهلين المستوى الشعبي، والمتتبع للحراك فقد طُرحت قضية الشعبوية كثيراً حدّ بلوغ البعض جرأة الاستهزاء بكافة التفاصيل، كل هذا وذاك ناجم عن خوض كلّ من هبّ ودبّ في السياسة، فمهما حاولنا بلوغ درجة معينة من الديمقراطية، تبقى الأسئلة مطروحة حول قضية شخصنة النظام والسياسات.
عادة ما تحدث المُصادفة وتتماشى الأزمات المحيطة مع أهداف النظام القائم، قد نُعطي مثالاً بِمَ يحدث في ليبيا اليوم والذي لم يُزحزح موقف الجزائر من عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول مع حفاظها على رغبتها في حل الأزمة الليبية باللجوء إلى التفاوض، لكن التعديل الذي يسمح للجيش بالقيام بعمليات خارجية يفتح النقاش لتغييرات تتنافى مع المبادئ القائمة، هذا التغيير في عقيدة الجيش يطرح تصورات عديدة للمستقبل القادم، هذه التناقضات كشفت النقاب عن تدخل أطراف خارجية في صنع السياسة الذي طالما رسمته لنا السُلطة بألوان الغموض، والترويج المستمر لفكرة عدم انفتاح النظام الجزائري بِمَ يسمح له بالحفاظ على خصوصياته، وفي ذات السياق تمّ حظر خطاب الكراهية، هذا الأخير ناجم عن وسائل الإعلام التي تخضع للرقابة الشديدة من طرف الدولة، وقد شهدت الساحة الإعلامية مؤخرا العديد من الكوارث على المُباشر، فكيف يمكننا تفسير كل ّ ما يحدث بعيداً عن الشكوك، أكيد لا ينبغي تطليق الشك لأنّه جسر عبور نحو اليقين، يمكن القول بأنّ الأنظمة قد تلعب على حبل الهوية والتراث واللغة والأصل وغيرها، من أجل الخوض في نقاشات تفتح المجال لتدخل الدولة وفرض سيطرتها من جديد على كافة المستويات، وعليه تتعثّر عملية الدمقرطة، هذه الأخيرة التي تلعب على الواقعية والمثالية بِمَ يخدم مصالح الدول الكبرى.
الأزمة الليبية لا تخص النظام الجزائريّ بمعزل عن القوى المتدخلة بالإضافة إلى أطراف جديدة أقحمت نفسها، ما يفتح المجال لتكوين بؤرة توتر جديدة تعتبر الجزائر طرفاً فيها، وعليه من الممكن أن تخدم التعديلات المطروحة أهداف القوى الخارجية، فالأمور لا تحدث فجأة، أو لا تحدث خدمة لمصالح الشعوب المنهوبة، فأزمة كورونا التي ما نزال نتخبّط فيها أثبتت عجز المنظمات العالمية، أثبتت بأنّ حقوق الإنسان مجرد شعار رنّان.
هناك دائما تجديد في مواقع النفوذ الإستراتيجية، وها قد حان الدور لإغراق الجزائر في متاهات أخرى وهذا الطرح لا يخص نظرية المؤامرة أبداً، بل يطرح النقاشات الواقعية بكل تفاصيلها، فالمصلحة هي من تحرّك الدول وليس حقوق الإنسان، أزمة كورونا أثّرت على الاقتصاد العالمي وها قد باشرت الدول في بسط نفوذها، الجزائر كسائر دول العالم الثالث يتم إدراجها أو إبعادها وفق ما تُمليه التحالفات الجديدة.
مصير الأزمة الليبية يخصّ الشأن الليبي الداخليّ فقط، فالتجارب العديدة في الدول العربية تُعتبر مثالاً حيًّا للكوارث التي تُخلّفها التدخلات الخارجية سواء العسكرية أو الدبلوماسية، فكلّ تدخل طفيف يُعتبر تمهيداً للخراب والسيطرة، لكن السؤال الذي ينبغي طرحه ها هنا: أين هي الولايات المتحدة الأمريكية من كلّ هذا؟ هل الحراك الذي تشهده بسبب العنصرية التي عادت لتطفو على السطح هو السبب، أم أنّه انقلاب عالمي يُمهّد لشخصية جديدة تُغطّ حماقات دونالد ترامب؟
هكذا هي العلاقات الدولية مغمورة بالأزمات، فالسلم الشامل لا يخدم المصالح الكبرى، بؤر التوتر هي أساس استمرار الصداقات والعداوات، وما تشهده ليبيا امتداد للثورة التي أطاحت بالنظام، ونفس الأمر مسّ مصر، اليمن…الخ، لكن هل هذا الطرح يُشجّع على الديكتاتورية، لا بل يفتح النظر أمام حقيقة الديمقراطية التي يتم الترويج لها، فالنظام مكوّناته مادية ومعنوية: شخصيات ذات أبعاد ثقافية مختلفة زائد موارد بشرية داخل الدولية، بالإضافة إلى العلاقات الخارجية، وعليه يمكن القول بأنّ الشعب من يملك سُلطة تحديد جلاّديه، هو من يُشجّع شخصنة السلطة، والأزمة الليبية لن تحلّ بالسلاح لأنّها مرت على هذه المرحلة من قبل ولم تؤتِ ثمارها، الحل في الحوار الداخليّ، والتمسّك بِمَ تبقّ من أمن واستقرار بحماية الحدود من الاختراق الخارجيّ لأنّ ذلك لن يمسّ سيادة الدولة الليبية لوحدها، بل سيؤثر على الجيران والجزائر في عمق الموقع الإستراتيجي، ونحن لسنا بمعزل عن التدخلات الخارجية التي لا تعني التواجد العسكري فقط، بل تغوص أبعد من ذلك لتمسّ الجوانب الاجتماعية الأخرى.
الجزائر اليوم بين مطرقة التغيير السياسي الداخليّ وسندان الأزمات الخارجية، والتوافق لن ينجح ما دامت سائر السياسات التي يتم اتخاذها شكلية فقط، فمثلا نحن نطرح آراءنا بكل حرية لكنّ لا احد يأخذ بها أو يُناقشها، فالمستوى الشعبيّ مهما بدت قوته في الظاهر، إلاّ أنّه مهمّش إلى أبعد حدّ.

عن المحرر

شاهد أيضاً

السعـــــوديــــة تـــدرس إلغــــاء مــوســـــم الحـــــج

تدرس السعودية فكرة إلغاء موسم الحج هذا العام، بسبب انتشار فيروس كورونا الجديد في البلاد، …