الخميس 11 ذو القعدة 1441ﻫ 2-7-2020م
الرئيسية | قضايا و آراء | كُــتـــب عـشـــــتُ معهـــــا (8)/ «إنســـــانـــيــــة الإنــســــان»: رنــيـــه دوبــــو

كُــتـــب عـشـــــتُ معهـــــا (8)/ «إنســـــانـــيــــة الإنــســــان»: رنــيـــه دوبــــو

أد. مولود عويمر /

كتاب «إنسانية الإنسان» لصاحبه رنيه دوبو (1901-1982) هو من أقدم الكُتب التي دخلت إلى مكتبتي، فقد اشتريته في عام 1984 من مكتبة صغيرة لا تبعد عن دارنا إلا مسافة قصيرة. وهي ما زالت قائمة إلى اليوم لكن صاحبها لم يعد يهتم بتجارة الكتب الفكرية والتاريخية، وإنما صار يقتصر على بيع الأدوات والكتب المدرسية… وكلما مررت أمام هذه المكتبة تذكرت ماضيها المشرق وأحنُّ إليه، وأتأسف على حاضرها الباهت.
صدر كتاب «إنسانية الإنسان» للمرة الأولى باللغة الإنجليزية في لندن في عام 1968، تحت عنوان «يا لإنسانية هذا الحيوان»، ثم أعيد طبعه في سنة 1973. ونال الكتاب الرواج الواسع وترجم إلى لغات عديدة. أما تعريبه فكان على يدي الباحث والطبيب المصري الدكتور نبيل صبحي الطّويل، وقد نشره في عام 1978، أي عشر سنوات بعد صدوره باللغة الانجليزية.
وهذا دليل آخر يؤكد الاعتقاد العام السائد حول التخلف الكبير الذي يعيشه العالم العربي في مجال الترجمة، فلا يقرأ المعربون ما ينتجه الآخرون من كتب قيمة باللغات المختلفة إلا بعد فوات السنين. وينعكس هذا الخلل بشكل سلبي على البحث العلمي والإبداع الأدبي والإنتاج المعرفي والتطوّر التنموي في العالم العربي.
أما صاحبه فهو العالم والمفكر الفرنسي-الأمريكي رنيه دوبو، أستاذ علم الأحياء (البيولوجيا) بجامعة نيويورك، وعضو أكاديمية العلوم الأمريكية، وحاصل على جائزة نوبل في الطب في عام 1976. وله كتابات غزيرة في مجال الطب وعلم البيئة والطبيعة البشرية… وهو يذكرني دائما بعالم وطبيب فرنسي آخر لهما مسار متقارب في نواحي متعددة، ألا وهو ألكسيس كاريل صاحب كتاب «الإنسان ذلك المجهول»، وقد تطرقت إليه في بداية هذه السلسلة الأدبية.
ويتجلى منهج الكاتب في المزج بين المقاربة العلمية والتحليل الفلسفي والعرض الأدبي. وهذا دليل على أن الكاتب لم يوّجه كتابه إلى المختصين في العلوم والطب فحسب وإنما قصد كذلك جمهورا عريضا من القُراء الذين يهمهم قبل كل شيء مصير الإنسان الذي أصبح مهددا باستمرار نتيجة عوامل عديدة منها: تغوّل العلم الحديث، وهيمنة الآلة في الإنتاج الصناعي والعمل اليومي، وهاجس الربح المادي، وتحجيم الجوانب الأخلاقية والقيم الاجتماعية في حياة الناس.
إنه كتاب يتضمن نقدا علميا صريحا للحضارة الغربية المادية، ومحاولة جادة لعرض حالها المريض، ودعوة صادقة من الكاتب للإسراع إلى إنقاذها، وذلك باستعادة الانسان لفطرته والتحرّر من حيوانيته الغالبة، واسترجاع سيادته على مصيره، وبناء مستقبله بروح جديدة، لكن كل هذا الاصلاح المنشود يتم في إطار الرؤية الغربية نفسها وليس خارج نسقها الفكري والثقافي.
وللأسف لم يبحث الدكتور دوبو عن دواء خارج الفكر الغربي كأن العالم محصور في هذه الحضارة المعاصرة، بينما غيرها من الحضارات ليست قادرة على منافستها أو جديرة بالاستنجاد بها. لذلك نجد كل مرجعياته منذ السطور الأولى للكتاب مقتصرة على مرجعيات أدبية وفكرية وعلمية غربية محضة.
هذه الرؤية الجزئية للكون والإنسان لم يتحرر منها بعد الكثير من المفكرين الغربيين رغم كل ما حصل من تطوّر لا نظير له في وسائل الاتصال والتواصل والثورة في مجال انتشار المعرفة.
ورغم هذه النقيصة المعرفية، كنت دائما أستطيب قراءة هذا الكتاب ليس فقط لأسلوبه الجميل ومعلوماته العلمية الغزيرة وأفكاره الواضحة وتحليله الدقيق، وإنما أيضا لجرأة كاتبه على نقد هذه الحضارة الغربية المهيمنة التي نادرا ما نجد من ينتقدها من أبنائها العلماء والمفكرين المعروفين.
وجاء هذا الكتاب ليدعم ما كنت أقرأه عن نقد الحضارة الغربية في مؤلفات محمد قطب، أنور الجندي، وحيد الدين خان، وأبي الحسن الندوي وغيرهم من العلماء والكُتاب العرب والمسلمين، وإن كنت أختلف معهم الآن في بعض الأفكار والآراء حول الحضارة الغربية ومستقبلها.
وعندما عدتُ اليوم إلى كتاب «إنسانية الإنسان» لأقدمه للقّراء وجدت جملا سطرتهُا بقلم الرصاص منذ 36 سنة، وهي تكشف اهتماماتي في زهرة عمري، فأنقلها الآن للقراء كما هي: »الماضي ليس تاريخا ميتا.. إنه المادة التي يصنع منها الإنسان نفسه ويبني مستقبله». / »إن الإنسان يهندس مستقبله عبر قرارات تتعلق ببيئته»./ »حرية الإنسان تعني –ضمن ما تعنيه- قدرته على التعبير عن إمكاناته الكامنة، وقدرته على الاختيار واستعداده لقبول المسؤوليات».
ولا شك أن هذه الأفكار أو الأفكار الأخرى التي وردت في هذا الكتاب حول مرض الحضارة الغربية الذي وصفه الدكتور دوبو بناء على تجاربه ومعايناته لمجتمعه، وإبراز حاجته إلى الشفاء العاجل ضمن الوصفة الطبية الغربية جديرة بالقراءة والدراسة والنقد.
وفوق هذا كله، يستحق هذا الموضوع دراسة من زاوية أخرى، وهي النظر إلى خطورة تلك الأمراض النفسية والاجتماعية والمخاطر العلمية على أنها لم تعد الآن محصورة داخل تلك الحضارة البعيدة عنا، وأن أضرارها قد عمّت وانتشرت حتى وصلت إلينا، وأصبحت تهدّد أيضا مصيرنا، فهل نحن واعون بها؟
إننا نحن المسلمين نحتاج أيضا إلى علماء ومفكرين من طراز رنيه دوبو لدراسة هذه المخاطر بتلك الشجاعة الناصعة، وبالروح العلمية الصارمة، والعناية الفائقة بعلاجها قبل فوات الأوان.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

العلمانيـــــة: النسخة العربية المشوهة

عبد القادر قلاتي / عندما يتعلّق الأمر بالإسلام كمنظومة عقائدية واجتماعية وسياسية ناظمة لحياة المجتمعات …