الأربعاء 10 ذو القعدة 1441ﻫ 1-7-2020م
الرئيسية | اتجاهات | مـــا الـــذي يـتـهـــدد الجـــزائــر علـى وجـــه الحـقــيـقــة لا الـمجـــاز؟

مـــا الـــذي يـتـهـــدد الجـــزائــر علـى وجـــه الحـقــيـقــة لا الـمجـــاز؟

أ: محمد العلمي السائحي /

قد يظنّ البعض أنّ ما يتهدد الجزائر إنمّا هم أعداؤها الذين يتربصون بها هناك من وراء الحدود، بينما الحقيقة غير ذلك تماما، فقد ثبت تاريخيا أنّ ما يشكل خطرا فعليا على الدول والأوطان مهما بلغت قوتها وعظمتها إنّما هو العدو الذي يكمن في داخلها، ذلك لأنّه في الغالب الأعمّ، يعمل في السرية وينشط من وراء ستار ويستعين بأبناء البلد ذاته، فيكون خطره أفتك وأنكى، وتكون ضربته أشدّ وأقوى، وليس الخطر كما قد يتصور البعض، هو ما يتهدد المصالح الاقتصادية للدول، فمهما يصيب الاقتصاد من ضرر يمكن للدول والشعوب تدارك الأمر وتعويض الخسائر مع الأيام، فهذه اليابان هزمت في الحرب العالمية الثانية شرّ هزيمة، على يد الولايات المتحدة الأمريكية، واستطاعت في أقلّ من عقدين من الزمن أن تتحول إلى أكبر قوة اقتصادية في العالم، وتلك ألمانيا هي الأخرى منيت بهزيمة نكراء على يد الحلفاء وقسمت عاصمتها برلين إلى قسمين، قسم شرقي بأيد الروس وقسم غربي بأيد الولايات المتحدة، ولكنها ما لبثت أن عادت من جديد إلى الواجهة لتتصدر الأحداث من جديد وها هي اليوم تبرز لنا لا كقوة اقتصادية عالمية، بل أيضا كقوة سياسية يرجع إليها ويعتمد عليها في تسيير شؤون العالم.
والسر في نهوض هذين الدولتين وعودتهما إلى مسرح الأحداث على الرغم مما لحقهما من دمار وخسائر بسبب هزيمتهما في الحرب العالمية الثانية، هو أن الأضرار التي لحقتهما اقتصرت على الجانب المادي وانحسرت في الخسائر البشرية والاقتصادية، ولم تمتد تلك الخسائر إلى النسيج الاجتماعي، فلم تُضرب الوحدة الوطنية، ولم يُفكَك المجتمع، لذلك احتفظت هذان الدولتان بقوتهما ووجدتا من نفسيهما القدرة على النهوض من جديد، ومواصلة النضال والكفاح في سبيل الحياة، على عكس الشعوب التي تعرضت أوطانها للاحتلال الأجنبي حيث تطلبت السيطرة عليها ضرب الوحدة الوطنية وتفكيك المجتمع وذلك عن طريق الاستثمار في أسباب الفرقة والخلاف مثل التركيز على الخلافات الدينية والمذهبية، والاختلافات العرقية واللغوية، والتباينات الجهوية، ولذلك ترى الكثير من الدول الإفريقية والآسيوية التي استطاعت التخلص من الاحتلال الأجنبي لم تستطع العودة إلى مسرح الأحداث، لأنها لم تتمكن من استعادة وحدتها الوطنية التي لا غنى عنها للدولة في تحشيد وتجنيد المجتمع للاضطلاع بمهام البناء والتشييد، لأن المحتل الخبيث، زرع في شعوبها، أسباب الخُلف والصراع، فوقف ذلك حائلا دون التقائهم وتعاونهم.
وهذا بالضبط ما فعله المحتل الفرنسي في الجزائر، حيث لم يغادر حتى زرع فينا أسافين الصراع بين العرب والبربر، بين المالكيين والإباضيين، وبين الشماليين والجنوبيين، وإن كان قد أخفق فيما يتعلق بالخلافات الدينية والمذهبية إلاّ أنّه نجح وإلى أبعد الحدود فيما يخص الاختلافات العرقية واللغوية فاستطاع أن يقنع البربر أنهم من عرق مغاير للعرق العربي، واستطاع أن يجعلهم ينظرون إلى العنصر العربي الذي هو المكون الأساسي لسكان الشمال الإفريقي بأنه عنصر وافد على المنطقة ومحتل لها بدعوى نشر الإسلام في حين أن هناك أدلة تاريخية حاسمة وجازمة تقطع بأن الوجود العربي في هذه المنطقة سابق بكثير عن مرحلة الفتح الإسلامي.
إذن ها نحن اليوم نرى النزعة الانفصالية تطلّ علينا بقرنيها وتتحدانا في عقر دارنا، فهاهي مناطق معينة من الوطن ترفع رايات مغايرة للراية الوطنية، وتصر على أن ترسم لهجتها، والكل يعلم أن هذه الدعاوى باطلة وأن هذه اللهجة لم ولن تكون لغة في يوم من الأيام، والكل يعلم أن فرنسا هي التي تستثمر في هذه الورقة ولكننا جبُنا على أن نصارح إخواننا المغرر بهم بأن ما يطالبون به هو ضد الوحدة الوطنية، وأنه يسهم في تقويض الدول وتخريب الأوطان، لقد آن الأوان فعلا لوضع الحروف على النقاط، ونقول للجميع لا لضرب الوحدة الوطنية، لا للمغامرة بحاضر ومستقبل الجزائر…

عن المحرر

شاهد أيضاً

عـــن الـهـــويـــة: تــحــديــــات وعـــراقــيـــــل

عبد العزيز كحيل / تتشكل الثقافة أساسا من الدين واللغة والتاريخ، ولا يوجد في البلاد …