الخميس 11 ذو القعدة 1441ﻫ 2-7-2020م
الرئيسية | وراء الأحداث | منظمـــات إسلاميــــة تتـــورط في تصرفـــات غريبــة وإصدار فتــاوى شاذة!

منظمـــات إسلاميــــة تتـــورط في تصرفـــات غريبــة وإصدار فتــاوى شاذة!

أ. عبد الحميد عبدوس /

 

من نكد الدنيا أن تتحول بعض كبريات المؤسسات الإسلامية التي كانت تشكل منارات للفقه الإسلامي في المذهب السني، وإرشاد المسلمين إلى ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم إلى منظمات أصبحت تثير الفرقة والجدل بسبب فتاوى شاذة وتصرفات لمشبوهة.
رابطة العالم الإسلامي ـ على سبيل المثال ـ بعد قرابة 58 سنة من تأسيسها في زمن العاهل السعودي الراحل سعود بن عبد العزيز والتي جعلت من بين أهدافها عند التأسيس الدفاع عن قضية القدس وفلسطين والحفاظ على المسجد الأقصى المبارك ونصرة قضية شعب فلسطين الساعي لإقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس الشريف، تحوّلت في الفترة الأخيرة إلى مجرد ذراع ديني سعودي للتطبيع مع المحتل الإسرائيلي.
في الأسبوع الماضي (الأحد 14جوان 2020) شارك الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي محمد العيسى من السعودية في مؤتمر افتراضي للجنة اليهودية الأميركية، التي تقدم نفسها على أنها «مركز عالمي لتأييد اليهود وإسرائيل» وتؤكد على موقعها الإلكتروني، أنها تعمل على «تعزيز رفاهية الشعب اليهودي وإسرائيل، وتعزيز حقوق الإنسان والقيم الديمقراطية في جميع أنحاء العالم». شارك في هذا المؤتمر الافتراضي وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، الذي سبق لدولته أن اقترفت جناية قانونية وجريمة تاريخية لا تغتفر ولا تنسى في حق الشعب الفلسطيني بالاعتراف بالقدس عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها مخالفة للقوانين الدولية ومقررات الأمم المتحدة، أكد من جديد دعم حكومته لإسرائيل، قائلاً: «الولايات المتحدة دائماً ما تدعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، كما شاركت في المؤتمر المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل؛ لأن المؤتمر كان مقررا له قبل انتشار جائحة كورونا أن يعقد في برلين عاصمة دولة ألمانيا، ولم يفت السيدة ميركل التأكيد على أنه «من غير الممكن تحقيق السلام الدائم في الشرق الأوسط إلا من خلال التفاهم بين الشعوب وحل الدولتين الذي يتم التوصل إليه عن طريق التفاوض»، وفي المقابل لم يذكر الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي القضية الفلسطينية، ولكنه أشاد بجهود اللجنة اليهودية الأميركية في إعادة بناء العلاقات الإيجابية بين المسلمين واليهود. وأكد أنه منذ تولى زمام الأمر في رابطة العالم الإسلامي جعل من مهامه «العمل مع إخواننا وأخواتنا أتباع الديانة اليهودية إعادة نسيج علاقاتنا مع بعضنا البعض». وقبل ذلك تم تكريم محمد العيسى يوم الثلاثاء 9 جوان2020، من قِبل حركة مكافحة اللاسامية واتحاد السفارديم الأمريكي، بجائزة هي الأولى التي تخصص للقادة المسلمين المشاركين في مكافحة معاداة السامية.
المسعى التطبيعي الذي ميز مشاركة الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي في مؤتمر اللجنة اليهودية الأمريكية حاول محمد العيسى أن يجد له تبريرا دينيا بادعائه أن الآية الكريمة {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} (البقرة 120) بقوله :إن هذه الآية تخص القبلة كما هو تفسير ابن عباس -رضي الله عنه – أي أن الآية الكريمة تتعلق بواقعة سابقة تخص تحويل القبلة بالنسبة للمسلمين في زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم – من بيت المقدس إلى الكعبة. وكأنه لم يصبح ـفي رأي محمد العيسى ـ من الملائم الاستشهاد بها حاليا في تحذير المسلمين من مكر اليهود وعداوتهم للمسلمين محمد العيسى الذي عين في سنة 2016 على راش رابطة العالم الإسلامي، عين أيضا في السنة نفسها في هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية وهو بذلك يجمع الصفة الدينية إلى المنصب السياسي، وهذا ما يزيد في خطورة توظيف أمثال هؤلاء الأشخاص في التدليس على المسلمين في أمور دينهم ودنياهم، خصوصا أن محمد العيسى بحكم منصبه في رئاسة رابطة العالم الإسلامي يستطيع التأثير في توجهات مجمع الفقه الإسلامي الذي جعل من أهدافه «بيان الأحكام الشرعية فيما يواجه المسلمين في أنحاء العالم من مشكلات ونوازل وقضايا مستجدة من مصادر التشريع الإسلامي المعتبرة».
وكمثال آخر على مظاهر التردي والرداءة التي أصبحت تطبع أداء وآراء بعض المؤسسات الإسلامية الكبيرة والعريقة في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها الأمة الإسلامية ما أقدمت عليه دار الإفتاء في مصر في بداية الأسبوع الثاني من الشهر الجاري(الأحد 7جوان 2020) عندما شنّت، هجوما على الدولة العثمانية، وصفت في بيان لها على موقعها في فيسبوك، «فتح المسلمين لمدينة القسطنطينية (إسطنبول حاليا) بـالاحتلال العثماني».
وقالت دار الإفتاء المصرية إن «آيا صوفيا قد بُنيت، ككنيسة خلال العصر البيزنطي عام 537 ميلادية، وظلت لمدة 916 سنة حتى احتل العثمانيون إسطنبول عام 1453، فحولوا المبنى إلى مسجد. وفي عام 1934، تحولت آيا صوفيا إلى متحف بموجب مرسوم صدر في ظل الجمهورية التركية الحديثة».
هذا البيان الذي يشبه منشورا للكنيسة الأرثوذوكسية البيزنطية، وليس بيانا لدار الإفتاء المصرية جاء بعد احتفال تركيا في29 ماي الماضي(2020)، بالذكرى 567 لفتح القسطنطينية (اسطنبول حاليا)، وأمر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بقراءة سورة الفتح وإقامة الصلاة في آيا صوفيا. وكان الرئيس التركي في العام الماضي (2019 ) إن: «آيا صوفيا لن تُسمّى متحفًا، سيتمّ تجريدها من هذا الاسم، سوف نسمّي آيا صوفيا مسجداً».
واعتبرت دار الفتوى المصرية «أن تجديد الحديث الآن عن موضوع تحويل الكنيسة القديمة (آيا صوفيا) إلى مسجد، وما رافقه من نشر مقطع فيديو لأردوغان وهو يتلو القرآن في رمضان الماضي، هي موضوعات استهلاكية لكسب الطبقات المتدينة».
وقد ردّ رئيس الشؤون الدينية في تركيا، الدكتور علي أرباش، على بيان دار الفتوى المصرية، قال فيه إن «وصف دار الإفتاء المصرية فتح القسطنطينية بالاحتلال العثماني مؤسف وقبيح ومخالف للمعتقدات والأخلاق الإسلامية والحقائق التاريخية».
ومن جانبه وصف الدكتور علي محيي الدين القره داغي، الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بيان دار الإفتاء المصرية، بأنه: «انحدار وانحطاط خطير، وفجور في الخصومة، ووصمة عار في جبين دار الإفتاء».
دار الإفتاء المصرية التي أنشئت عام 1895 م، وتعاقب على إدارتها مجموعة من أبرز علماء المسلمين وظلت على مدى عقود تحتل مكانة عظيمة في نفوس جموع المسلمين لوسطيتها، تحولت بدورها في زمن الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى «دكان» ديني لإصدار الفتوى على مقاس أمزجة الحكام وتلاعبات السياسيين، ومن الدعوات والفتاوى الغريبة والمثيرة للجدل التي أصبحت دار الفتوى المصرية تصدرها في عهد الرئيس السيسي دعوتها في شهر رمضان الماضي 1441هـ،(2020) المصريين إلى متابعة مسلسل (الاختيار) الذي يجسد بطولات أحد ضابط الصاعقة المصريين.
وفي رمضان1437 (2016) أصدرت فتوى تقول: «الحج والعمرة بالتقسيط جائزان، ولا بأس بهما شرعًا.»، رغم أن المعلوم من الدين بالضرورة أن الحج يجب على المؤمن في حالة الاستطاعة فقط. وفي موسم الحج سنة 1435 (2014)، صدرت فتوى في مصر تؤكد صحة حج رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم محلب، ووزير الداخلية الأسبق محمد إبراهيم، رغم عدم تأديتهما لركن أساسي، من أركان الحج، وهو طواف الإفاضة الذي لا يجوز التفويض في أدائه، مع تركهما لواجبات رمي الجمرات والمبيت بمزدلفة. من اجل إدراك صلاة عيد الأضحى، برفقة الرئيس عبد الفتاح السيسي.

عن المحرر

شاهد أيضاً

حقائق وأباطيل في ذكرى الأمير عبد القادر / البطــــل الجـــزائـــري والشخصـيــة العـــالـميــــــة!

أ. عبد الحميد عبدوس / في البداية استسمح روح شيخي الراحل سماحة الشيخ عبد الرحمن …