أخبار عاجلة
الرئيسية | المرأة و الأسرة | شعــــب سخــــي بفــطــرتـــــــه

شعــــب سخــــي بفــطــرتـــــــه

أ‌. صباح غموشي /

كانت من أكبر النعم علينا في رمضان لهذا العام الذي أتانا في ظروف خاصة طبعت يومياته ولياليه بطابع خاص.. من أكبر النعم أن استخدمنا الله في دروب الخير بالمشاركة في حملات تضامنية من خلال لجنة الإغاثة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ونشاط الفرع النسوي في هذا الإطار، والتي أسهمت بشكل كبير في إيصال الإعانات من مواد غذائية ومواد تنظيف لعوائل كثيرة من المحتاجين وممن مسهم الضر جراء ما خلفته جائحة كورونا من آثار سلبية على معظم الذين توقفت أعمالهم..
وبفضل الله كانت حملات تضامنية واسعة شارك فيها رجال الجمعية ونساؤها وتعاونت أياد الخيرين لإنجاحها وسخت أياد المحسنين لتغدق أموالها وإعاناتها بسخاء.. وشهدنا تضامنا أصيلا من هذا الشعب الأصيل الذي يظهر معدنه مع كل أزمة ومحنة يمر بها.. ومررنا بمواقف مؤثرة حركت قلوبنا وهيجت دموعنا وعلقت بذاكرتنا..
مواقف لذاك السخاء الذي أظهره المحسنون بصدق وأخفوه عن عيون الخلق ليكون لهم خبيئة حسنة عند الخالق-عز وجل – فلست أنسى النسوة اللواتي طالما تسابقن لحلق حفظ القرآن في المدرسة وهن يتسابقن الواحدة تلو الأخرى إلى التبرع بما جادت بها أيديهن.. يلقين السلام علينا من بعيد ويضعن قريبا منا مبالغ مالية معتبرة ويولين مسرعات كأنهن يخفين وجوههن –ونحن نعرفهن – وكأنهن لا يردن لأحد أن يعلم بتبرعهن ولا بحضورهن.. يمضين مسرعات ويرفضن كتابة اسمهن في وصل وما شابه ولا يذكر عند أحد صنيعهن.. ليكتب الأجر كاملا وتقبل القربة خالصة.. يمضين وألسنتهن تلهج بالدعاء لنا على المبادرة الطيبة..
لست أنسى ذاك المحسن الذي دخل علينا ذات صباح ولا يعرف في المكان أحد ولم يسأل في المكان عن أحد.. بل أفصح عن رغبته بالتبرع بمبلغ كبير بشرط أن يصل مقسوما على العوائل الفقيرة بالعدل.. ثم علم أنه أخطأ في المكان الذي كان المفروض أن يتبرع فيه وكانت جمعية خيرية قريبة منا.. فخرج مع ابنه وقلنا لن يعود.. لكنه عاد بعد نصف ساعة وأحضر معه المبلغ الذي وعدنا به دون أن ينقص منه دينارا.. وطلب منا أن يكتب في الوصل محسن فقط ولا يكتب اسمه ولا أحد لحد الآن يعرف اسمه غيرنا.. ولا أحد يصدق أنه ترك ذاك المبلغ بين يدي امرأة وفتاة لا يعرفهما.. شيء فقط بداخله كان يجعله مطمئنا أنها ستصل لمستحقيها وهذا من فضل الله ومن تمام الاستخدام في الخير ومن تمام النعمة.. وقد وصلت كلها كما أراد وانهالت دعوات مستلميها على صاحبها وعلى من أوصلها لهم من كل العاملين في الحملة.. دعوات تساوي الدنيا وما فيها.
لست أنسى أبدا تلك العائلة التي حملنا لها قفتها في احدي البلدات المجاورة وحين وصلنا للبيت وجدناه بيتا هشا لا يليق للعيش الكريم وليس فيه أدنى ظروف الحياة الكريمة في بلد صدعوا رؤوسنا فيها بأغنية العزة والكرامة الزائفة.. ونحن ننزل لها قفتها مررنا في ساحة البيت بممر غير مهيأ لازالت به الأحجار والأتربة والأشواك.. وكان في استقبالنا الأم وأبناؤها الذين سارعوا إلينا فرحين بما في القفف.. ومن غير شعور منها تكلمت إحدى اللواتي كن معي وقالت للأولاد الذين كانوا يمشون حافين الأرجل.. قالت لهم.. لا تمشوا حافين في الأحجار.. فردت الأم بأسى يقتل صمت المكان في قيظ الحر وقت الظهيرة في يوم من أيام رمضان المبارك.. قالت وليصغي الزمان لقولها.. (ليس لديهم نعال ليلبسونها).. فأمسكت من معي وأمسكنا وانهالت الدموع على وجنتينا واعتصرت قلوبنا لحد أخرستنا طوال الطريق ثم نطقت ألسنتنا في وقت واحد بألا نعود قبل أن نحمي أرجلهم من أن تدميها أحجار الهوان في بلد الهوان.. فانطلقنا نبحث في كل مكان حتى وجدنا محلا للأحذية فنزلت التي نطقت وكأن الله أنطقها لنعلم نحن حالتهم واشترت لهم من مالها الخاص نعالا على مقاسهم بعدما سألت والدتهم عنها.. وزادت الأخرى التي كانت معنا فاشترت لهم من جميع الخضر والفواكه ما يكفيهم بقية الشهر المبارك بإذن الله.. وعدنا إلى بيتهم ولا أحد يتصور فرحة الأطفال بنعالهم كأنما حيزت لهم الدنيا بما فيها.. موقف أبكانا طوال الطريق وألسنتنا تلهج بالذكر كما لهجت ألسنتهم بالدعاء لنا.. لن ننساه أبدا.
هي عينة بسيطة من عينات رائعة وقّعت على كرم هذا الشعب وسخائه الرائع في عز أزمته وتضامنه الفريد مع بعضه دون أن يخشى نقص مال ولا خوف فاقة.. عينة مما شهدناه أنا ومن رافقتني في هذا الدرب الجميل في شهر الرحمات وأكيد هناك عينات أروع وأروع لمسها إخوتنا وأخواتنا ممن عملوا في هذه الحملات المباركة في الشهر المبارك.

عن المحرر

شاهد أيضاً

وأصـــدق مــا استخلــص مــن عبـــر.. مشاكــــل النطـــق مــن قلــــة التــــواصـــــــــــــل ..

بقلم الأستاذة صباح غموشي/   كانت المعلمة تسلم الأطفال لأوليائهم الواحد تلو الآخر في الفترة …