الثلاثاء 21 ذو الحجة 1441ﻫ 11-8-2020م
الرئيسية | في رحاب الشريعة | الخطيئـــات الــثــلاث فمــا أتعـــس مــن يقـــع فـــي كـــلّ الــثــــلاث

الخطيئـــات الــثــلاث فمــا أتعـــس مــن يقـــع فـــي كـــلّ الــثــــلاث

الشيخ محمد مكركب أبران /

خطيئة العبد في حق الله: الكفر والشرك والنفاق وتعمد ترك الواجبات كالصلاة والزكاة والصوم وغيره، أو مخالفة حكم من أحكام الشريعة عن عمد، والخطيئة في حق الأسرة كعقوق الوالدين، أو ظلم الأولاد، أو أكل حق الإخوة أو الأخوات. والخطيئة في حق الأمة كخيانة الوطن، ومن خيانة الوطن، خيانة الثوابت، ومن الثوابت الوطنية:{أخوة الإيمان، ولغة القرآن، ووحدة السيادة الوطنية، والراية الجامعة للشعب} ومن خيانة الوطن السعي في بث الشقاق بين المواطنين، أو نشر الشنآن بين أبناء الأمة. ومما يجمع الخطيئات المذمومة التعصب لمذهب إحداثا للتفرق في الدين، أو التعصب لحزب إحداثا للصراع بين أبناء الوطن، أو التعصب لعشيرة إحداثا لدعوة جاهلية، بقصد تفريق الأخوة الإيمانية بين المؤمنين، ودعوى الجاهلية التي نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام وقال: [دعوها فإنها منتنة].
قال محاوري: ولكن ما معنى الخطيئة؟
والخطيئات أو الخطايا جمع خطيئة وهي ارتكاب الذنب عن عمد وقصد، فالفرق بين الخطأ والخطيئة أن الخطأ يرتكب عن غير عمد، كمن يريد هدفا فيخطئ ويقع في غيره، أما من أصر على الغلط، بعد النصح، فقد ارتكب خطيئة. قال الله تعالى في قوم نوح ممن كفروا وصدوا عن سبيل الله، وعصوا رسولهم، بعد أن نصحهم وبين الحق فأصروا على الباطل. قال الله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً﴾ (سورة نوح:25) والمعنى فبخطيئاتهم وكفرهم أغرقوا في الماء فأدخلوا في الآخرة نارً.
وورد في القرآن الخبر عن بعض بني إسرائيل أنهم يرتكبون الخطيئات ثم يدعون أنهم لا يعذبون على ذلك، فقال الله عز وجل: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ. بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.﴾ (80،81).
فهل من ارتكب خطيئة وتاب يتوب الله عليه؟ إن باب التوبة مفتوح لكل من تاب وأصلح وأخلص دينه لله، ونَفَّذَ شروط التوبة، فأولئك مع المؤمنين. قال الله تعالى:﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَاذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة:58)
قال محاوري: ما هي الفضائل التي يعمل بها الإيجابيون الذين يخدمون دينهم، وكتاب ربهم، ووطنهم، وأمتهم؟ الفضيلة الأولى: الثبات على الوحدة الجماعية، جماعــــــــة المسلمين، وجماعة الوحدة الوطنيــــــــــة. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ (النساء:115)
وفي الحديث.قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: [وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن، السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة، فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع، ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جثا جهنم، فقال رجل: يا رسول الله وإن صلى وصام؟ قال: وإن صلى وصام، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين، عباد الله] (الترمذي:2863).
الفضيلة الثانــيـة. خــــدمــة كتاب الله عز وجل، والعمل بما جاء فيه، ومنــــه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (النساء:59) وأجمع العقلاء في الأرض، أن أكبر عامل من عوامل تبليغ كتاب الله، وأكبر أساس من أسس خدمة كتاب الله، هو العمل بلغة كتاب الله، وتعليم الناس لغة كتاب الله، فمن أخر لغة القرآن وقدم أخرى، فقد ارتكب خطيئة، وعمل على هجران كتاب رب العالمين، وذلك من العصيان المبين.
الفضيلة الثالثة. خدمة الوطن بإخلاص. والشعب الجزائري يعرف قيمة الوطن أكثر من غيره من الشعوب الأخرى، وكل جزائري يعرف عدد الشهداء الذين ضحوا في سبيل الله خدمة لهذ الوطن العزيز، ولا عاقل يرضى بمن يلعب بالوطن أو يتاجر بمصلحة الوطن، أو يطعن في الوطن بالهمز واللمز. الوطن الجزائري أمانة الشهداء والعلماء وصلحاء هذا البلد الطيب. والدفاع عن الوطن يبدأ بحفظ ثوابته، والتعاون مع العلماء بالعلم، فإذا انتشر العلم والفقه بين الناس تقوى الوطن ودامت السيادة، ولكن العلم الخالص لله جل جلاله.
ففي الحديث، عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: [نضر الله امرأ سمع مقالتي فبلغها، فربّ حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه]، زاد فيه علي بن محمد، [ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم] (ابن ماجة:230)
الفضيلة الرابعة: التصالح ونسيان الأحقاد، وهجران العصبيات الجاهلية، تذكروا الحديث.[فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع، ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جثا جهنم، فقال رجل: يا رسول الله وإن صلى وصام؟ قال: وإن صلى وصام، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين، عباد الله] قال الله تعالى:﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ هل تدبرتم وفقهتم قوله تعالى:﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾.
الفضيلة الخامسة: خدمة لغة القرآن، حيث هجرانها خطيئة وبهتان، يروى أن يبانيا دخل الإسلام منذ أكثر من قرن، وتعلم القرآن ولغة القرآن، وصار يعلم أولاده لغة القرآن، ويُسَيِّدُها ويقدمها على لغته اليبانية، فقيل له: أليس لغة أجدادك أولى؟ قال: ولكن النبي محمدا أولى وأحب إلي من أجدادي وكل الناس، فلغةُ الْأَحَبِّ إِلَيَّ، هي الأولى، وهل تعتقدون في صراحة مع أنفسكم أن لغة أجدادنا هي أسمى وأفضل من لغة القرآن؟ فسكت السائل وانصرف، ورجع إلى الحق واعترف، وعلم الحق من منطق الحق، وقرأ اليباني المعرب، والمؤمن المؤدب، والعاقل المهذب قول الله تعالى:﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (يونس:35) وسُئِلَ كنعانيٌّ -لسانُ أجداده سِرْيَانِيٌّ – قال لَهُ فضوليٌّ: تخدم العربية أكثر من العرب، فأجاب السائل قائلا: من عَرَّبَهُ القرآن، وآمن حق الإيمان، وعاهد الله أن يعمل بالقرآن، كان أعرب العرب من أيٍّ كان وفي أي مكان وأي زمان، ولأن أخدم لغة كتاب ربنا الحكيم، ولغة نبينا الكريم، ونجعلها سيدة اللغات أعظم شرف لي ولأمتي.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الدعوة إلى الله في و ما بعد زمن الكورونا

الشيخ نور الدين رزيق/ ينبغي أن يُعلم أن انتشار الأوبئة و منها وباء كورونا ما …