الأربعاء 10 ذو القعدة 1441ﻫ 1-7-2020م
الرئيسية | مساهمات | هي وَربي إرهاصات ومرحلة انتقالية لا بد منها.. فلا تتشنجوا !

هي وَربي إرهاصات ومرحلة انتقالية لا بد منها.. فلا تتشنجوا !

أ. حسام الدين حمادي /

إنّنا نعيش مرحلة نشبه فيها ذاك الذي غطّ في سبات عميق داخل كهف مظلم لعقود، ثمّ استيقظ ومشى نحو نهاية النّفق فقابلته أشعة الشمس فصُدم صدمة نورانية أعمته؛ وجعلته يهتز ويترنح.. ولم يتمكن من الوقوف ثابتا على قدميه .
النّاس في مثل هذا ينقسمون إلى أقسام منها:
قسم يقاوم قليلا -وقد يطول ذاك القليل – حتى تتعود عيناه على النّور ورؤية النّور، ثمّ يتأقلم مع الوضع الجديد ويستوعب معطياته ويتصرف وفق حيثياته.
وقسم آخر بعد تعرضه للصدمة النّورانية سيرفض النّور بشدّة ويربطه في لاوعيه بالألم ويعود أدراجه ويستقر ثانية في النّفق الذي عاش فيه، ثمّ يبرر لنفسه ولمن حوله ممن لا زالوا في النّفق أنّ النّور مؤلم وصادم والبقاء هنا حيث العتمة مجلبة للأمن ودفع للألم ويضعنا في دائرة الهدوء والأمان.. وهذا الصنف لن يقتحم العقبة وما أدراك ما لعقبة وهو غير مؤهل للعب دور أساسي في محطة هامة من محطات التحولات التاريخية الكبرى التي تمر بها الشعوب والأوطان.
نعم أيها الأحباب عموم شعبنا كان في حالة استقلال عن قضايا الشأن العام والوضع في البلد.. ثمّ جرت المقادير أن يتحرك الشعب هذا الحراك العظيم.. فعادت إليه ثقته بنفسه، وعاد تدريجيا للاهتمام بقضايا الوطن وسياسته اليومية.. وقد خانت الكثيرين منهجيتهم في تقصي الأخبار ومعالجتها.. وصار الاتزان والتوازن في معالجة الواردات التي تنجم عنها مواقف ما، عملة نادرة بل صارت عزيزة ..
وأصبح التطرف من النقيض إلى النقيض هو السمة البارزة وهذا طبيعي ومعروف عن الجماهير ونفسياتها التي تكون دوما ميالة للتطرف..
قلتُ، هذا طبيعي بعد هذه العودة القوية للاهتمام بالشأن العام وستخف حدّتها بالتدرج حين يألف النّاس الرأي المخالف ويصبح عادة..
ليس هذا الذي أردت إيضاحه ..فحسب…
أتكلم هنا وأسجل بحسرة أن الذي ذكرناه عن عموم الشباب الذي اهتم حديثا بشؤون السياسة وهذا مطلوب ومفرح ولا زال يفقد الأدوات والمنهجيات.. نجده كذلك فيمن اعتبرناهم نخبة في هذا المجتمع ..
ترى العجائب !! مؤلم ومقرف ما نقرأ ونسمع.. مهاترات وتسفيه وتخوين وقذف وسب وشتم…
ثلة من نخبنا مصابة بتلازمية المؤامرة.. ومهووسون بمنطق التشكيك في كل شيء.. وتوقف الزمن عندهم ولم يطوروا من مداركهم وبقوا حبيسي منطق بالٍ أكل عليه الدهر وشرب… وثلة أخرى حيّرنا كذلك غرقهم حد آذانهم في تلميع كلّ ما يقوله طرف أو آخر دون قيد أو شرط.. تجد على النقيض كذلك من يشيطنون هؤلاء أو أولئك دون تورع ولا تبصر..
من النخب من انبرى ليحلّ إشكالات وانتقامات قديمة وهم (زعما) من تيار واحد ينبري للدفاع عن الهوية والثوابت.. لكن للأسف الشديد لا زالوا مرضى بحب الزعامة وشهوة التصدر.. والتي ستؤدي إلى تصحير الساحة منهم جميعا لو كانوا يفقهون ..
آخرون هنالك -بحسن نية أو عكسها – يهتفون بهتافات أعداء الأمة وهويتها.. ووضعوا الجميع ضمن ثنائية إما/أو
وأنا أقول.. وهنا أخاطب أترابي ومن دون سني من الشباب الذين لديهم اتقاد فكر ورجاحة عقل وسرعة بديهة وإقدام في السعي، وعمل دؤوب ومشاركة فعالة وهم الذين بادروا وخرجوا يوم ترقب المترقبون وكانوا في الصفوف الأُول يوم شكّك المشككون.. أخصّهم بخطابي هذا ليس إقصاء لغيرهم -حاشا لله – فلن نكرّس إن شاء الله الإقصاء الذي ناضلنا ضده ولا نزال.. ولكن لسبب واحد وبسيط وهو أنهّم متحررون من براثن وقيود وأغلال الماضي ومخلفات الصراعات القديمة التي أراها هي المحرك الأساسي لمختلف الصراعات التي تنشب بين -نخبنا – قلت مخاطبا إياكم يا شباب.. ليس عليك دوما أن تتخذ موقفا فيما يمر عليك.. تعلم كيف تحلل، حاول استجماع المعلومات.. لا تسلم عقلك لبث مباشر أو منشور لفلان أو علان.. ليس عيبا كذلك أن تقرأ كتابا يعلمك تقنيات معالجة المعلومة.. لا تزال الطريق طويلة.. الآن فقط بدأت أول آلام المخاض.. لا تستنزفوا قواكم.. لا تستعْدوا بعضكم.. أشجعكم على النقاش والاستفهام والاستشكال وطرح التناقضات، ولكن دون تشنجات ومشاحنات رجاء… سيحل علينا زمن يصبح التعاضد والتكاتف بين أبناء التيار الأصيل الثوابتي واجب الوقت.. «فلا تربحوا العيب» لبعضكم البعض ولا زال في الوقت متسع وستصبح مبهمات اليوم حقائق الغد وستصير الأمور في النهاية إلى حيث أرادها الله تبارك وتعالى ..
الجمع أولى من التفريق، وكسب القلوب أولى من كسب المواقف، ولسنا في صراع مع بعضنا البعض فصراعنا وبوصلتنا موجهة دائما وأبدا نحو من يعادون ويكيدون للأمة وثلاثية مبادئها الخالدة التي أقرها علماؤها ومصلحوها.
« الإسلام ديننا.. العربية لغتنا.. الجزائر وطننا».

عن المحرر

شاهد أيضاً

آن لهذا الفارس أن يترجّل.

بقلم/ د. خولة فتحي الشقاقي تودع فلسطين والقدس والأمة الإسلامية من مشرقها إلى مغربها رجلا …

تعليق واحد

  1. ما شاء الله،
    المقال رائع بكل المقاييس، فكرة و طرحا و منهجية و بعد نظر و ما زاده روعة أنه من شاب أولا و ذي رصانة فكرية محترمة جدا ثانيا
    يا ليت الكثير من كتاب هذا العدد يقرأون المقال