أخبار عاجلة
الرئيسية | مساهمات | روافد الكلمة بين بواعث النظر السديد والأداءات اللفظية المنحرفة

روافد الكلمة بين بواعث النظر السديد والأداءات اللفظية المنحرفة

د.جميلة بلعودة نور الدين /

تؤدي الكلمة في النظر القرآني دورًا وظيفيًا في ضبط بوصلة الإنسان على الصعيد الدنيوي، وصناعة المستقبل الخالد، وتمثل طاقة إيجابية، تؤثر في جميع الأنساق العمرانية، وتوجه مقدرات المجتمع نحو القيم المعنوية الناظمة للوجود. ونظرًا لخطورة الكلمة لما لها من أثر فاعل على المستوى الذاتي والمجتمعي، فقد أعاد القرآن تأطيرها ضمن ضوابط تشريعية، ترفع ذوق الكلمة إلى آفاق استشرافية. وتؤدي دورًا هادفًا في بناء الفكر وتوجيه السلوك. وتضبط مسارات الحركة بوصفها حركة عبادية مؤطرة بمبدأ السدَّاد على مستوى الحركة القولية،وبمبدأ الصلاح على مستوى الحركة السلوكية، يقول تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾[الأحزاب: ٧٠|٧١]. من الجدير بالذكر، أن نؤكد أن الكلمة ليست حركة عبثية، لا كوابح لها، وجواذب تشدِّ أبنيتها، وقد استخدم القرآنضوابط قيمية، تحكم ميزان الكلمة منها: (السدّيد، المعروف، الطيب، الحسن…)، وإنَّما هي وسيلة للتواصل السليم مع الحقوالخلق. تقرر الآيات حقيقةً مفادها،أن التواصل بالكلام هو تواصل أخلاقي بالدرجة الأولى، ذلك أنَّ الإيمان بالله هو الدافع الأقوى للقول السديد، الذي يثمر صلاح الأعمال. وهذا يفتح بدوره منافذ الوعي على ضرورة الاهتمام بالتربية اللسانية،وانتقاء المفردات الحاملة للقيمة، والمعززة لعناصر الجمال في نفس المتلقي، وممارسة الرقابة الأخلاقية على مردود الكلمات، بهدف صناعة بيئة مجتمعية تثمر القيمة، وتعزز شبكة العلاقات الاجتماعية. ومن هنا، تتعدد روافد الكلمة وتتنوع تبعًا لما لها من دلالات فكرية، أخلاقية، جمالية وسلوكية، نرصدها على النحو التالي:
1: الرافد الديني
لا يمكن تربية اللسان بانتخاب مفردات الخطاب السليم للحفاظ على جهاز القيم، إذا لم يتغير المنطلق الداخلي مصداقًا لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[الرعد: ١١]،لأنه لباعث على سلامة الكلمة، وتنظيف قنوات التواصل وبناء الخطاب على مقتضيات الإيمان وضوابط التقوى، يقول سبحانه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾[الفتح: ٢٧]. ومن هنا، يصبح عنصر التقوى هو الضمانة الأخلاقية لسلامة الكلمة مقصدًا وهدفًا، نظرًا لخطورة الكلمة وتأثير مردودها في بناء الحياة أو تهديمها. وإذا كان اللسان هو المسؤول على استقامة الكلمة، لما يترتب عليها من حصاد الآخرة، فقد أبرز القرآن في قصد جلي، مقاصد الكلمة وجواذبها القيمية، لهذا ركز على نوعية الكلمة المقصودة لله، وهي الكلمة ذات المضمون الطيّب، وحدها المنتجة والمثمرة في الاستخدام القرآني، يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَار﴾[إبراهيم: ٢٤|٢٦].
وتؤدي وظيفة اجتماعية بنائية، بخلاف الكلمة الخبيثة، التي لا أصل لها يسند مردودها، وهي كلمة دخيلة علىقاموس الوجود، تحدثت الآية عن الشجرة الطيبة وعلاقتها بالكلمة الطيبة، إنه الإيمان في أرفع مستوياته، لأنه الطاقة المحركة لاستقامة القول والسلوك، لما ينشئ في الفضاء الداخلي من طمأنينة ذاتية، تأمن فيها النية الطيبة شرور النوايا الفاسدة، والكلمة السديدة انحرافات الكلمة الخبيثة، والعمل الصالح مفسدات العمل السيء. فليس من المنطق،أن تستقيم مفردات اللسان، وينحرف السلوك عن الاتجاه الجاد، فلا قيمة لاستقامة لسانية يكذبها اعوجاج في السلوك. ولهذا جاءت الكلمة الخبيثة تجسد معطيات السلوك المنحرف، بغض النظر عن المصير الذي يؤول إليه هذا السلوك. ولهذا التشبيه دلالات خطيرة على المستوى الديني وجزاءاته الأخروية، ذلك أنَّ الشجرة الخبيثة معطوبة لا أصل ولا امتداد لها، فأنى لها أن تثمر؟ فلا فاعلية لها في الواقع. تشبه تمامًا الكلمة المعطوبة التي لا وزن لها في رصيد الحقيقة. وهنا، يظهر بوضوح مقصدية الكلمة من الزاوية الأخلاقية، إذ ليس مستساغًا شرعًا، أنلا يكون القول موافقًا للفعل، ولهذا وصف القرآن القول بالسدَّيد، لما تحمله هذه المفردة من عنصر المطابقة، إذ لا يعقل أن يكون القول سديدًا والسلوك معطوبًا.
2: الرافد الثقافي
تعتبر الكلمة حمولة ثقافية وأخلاقية شديدة الحساسية والقوة والتأثير في الواقع الاجتماعي، وما يترتب عليها من عواقب ومسؤوليات في بناء الوعي الصحيح، أو تزييف الحقائق، والتلاعب بعقل المتلقي. ولأبعد من هذا، أنَّ القرآن لا يتوقف عند إضفاء القيمة على مردود الكلمة، بل لقد عمد إلى إضفاء مسحة جمالية على مضمون الكلمة ومحتواها الأخلاقي. ومن هنا، تحتاج الكلمة إلى عنصر التوجيه لضبط الهدف وتحديد مساره الصحيح، ومعرفة الأساس الذي تبنى عليه الكلمة، وتمتد في آفاقه الثمار الطيبة. وإذا كانت الكلمات مفردات ثقافية، تعكس مستوى التحضر الذي بلغه المجتمع في أنساقه المعرفية، ومستخرجاتهالسلوكية، فإنه من المنطقي جدًا، أن تبنى فضاءات الوعي بما يحمله الغلاف الثقافي للشعوب من منظومة قيمية، تعكس عناصر تطوره وتحضره، بمقدار نوعية المردود الذي تقدمه مفردات الشعوب، وتتحكم في انتاج السلوك الصحي.من الجدير بالذكر، أن لكل أمة عناصر تتدخل في بناء أنساقها الثقافية، وتتكاثف فيما بينها لانتاج المعنى، وتحديد منطلقات السلوك الصحيح، والعادات والتقاليد هي جزء لا يتجزأ من هذه الأبنية الثقافية، لما تحمله من ثراء في المعنى،يزيد المجتمع خصوبةً وإنماءً وتنوعًا ثقافيًا متعدد الروافد والمشارب الثقافية والفكرية. هذا يعني، أنَّ المجتمع مطالب بأن يجذر المفردات الصحية، ذات الطبعة الجمالية في البنية الثقافية للمجتمع. وتصحيح مستخرجاته اللفظية وإجراء تعديل على محتويات الخطاب في الواقع المجتمعي.
3: الرافد الجمالي
لقد وصف القرآن الكلمة بالطيبة، وما لهذه المفردة من موحيات جمالية في غاية الرقة والإبداع والحس ورفعة الذوق، بما يفتح منافذ الحس على مزيد من التلقي من موحيات الجمال المتجلي على خريطة الكون. فإنَّ الله جعل استقامة مكونات الكون الظاهر، استقامةً تسخيرية غاية في التناسق والإبداع، وهيأ للإنسان جواذب الرفعة والجمال بما يغريه بالصعود، ويجذبه لما يكمل ذاته، ويرتقي بوجوده المعنوي إلى امتثال عناصر الاستقامة، والتفاعل مع هذا الجمال المحيط به حتى يصنع بيئة جمالية، ويصبح عضوًا ملهمًا في معادلة الكون. ويعبر عن استقامته التمثلية استجابة للأمر الإلهي الصادر له من الأعلى، متطلعًا بوعيه وحسّه إلى آفاق العبودية، حتى لا يكون نغمةً ناشزة في كون تعبر كل عناصره عن قيم الخير والصلاح. ولا ينحرف بالوجود عن مساره الصحيح، فيفقد أخلاقيته التي تضفي على حياته مفردات المعنى والقيمة، عندما يعطل جهاز الوعي والإبصار السليم. ولا يمكن أن تتوقد البيئة والمحيط الخارجي بعناصر الجمال وتدفقات الحس الملهم، إذا عطل الإنسان قنوات التواصل السليم مع جهاز القيم وتفاعلاته الروحية والقلبية. فوحده جهاز الرقابة الذاتية يعيد ضبط خلجات القلوب وخواطر الفكر، وحركات البدن، ومفردات الخطاب والكلمة.
أكد الحق أنَّ الكلمة لا بد لها من ضابط خلقي يوجهها، وقيمة تؤطرها، فإذا فقدت ذلك، تصبح نشازًا لا قيمة له. ونتساءل بوعي أكبر، ما قيمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكركوظيفة حيوية فاعلة، تضبط توازن المجتمع، وتحفظ توتراته على موحيات الخير والجمال، لأن المطلوب ليس استئصال الباطل من الوجود، وإنما تغليب موحيات الحق والجمال في الواقع الإنساني،بما يرضي هذا المخلوق ويعزز طموحه الكوني بتنمية جميع أبعاده المادية والمعنوية. إن تغيير مفردات الخطاب من الطابع السلبي، بحثًا عن كلمات، تحمل طاقة من الحب والجمال، وتثير الدفء في كوامن الذات والمتلقي، سوف يجعل الواقع، يستعيد عافيته وينبذ البذاءة في اللفظ أثناء التخاطب التي تعكر جمال الصورة وتزري بالإنسان المكرم وتختزله. فكلما كانت الكلمات عميقة المعنى، ثرية الحسّ، تهدى للمتلقي في قوالب جميلة، تصنع بيئة جمالية تحكمها ضوابط أخلاقية في غاية الضبط والإمتاع. لقد ترك أجدادنا بصمة متميزة على خريطة الوجود، وأثروا الحياة بالخير وعمروا الوجود بالفعل السديد. وجغرافيا الوجود خير شاهد على نوعية الجهد الذي بذله أولئك الذين عمروا الدنيا بفقه الآخرة.
يتبع

عن المحرر

شاهد أيضاً

الرســــول الجـــديـــــد

خولة محمد فاضل /   الرسول الجديد المتوج الفريد الصامت القاتل يسافر بلا تذكرة ولا …