الرئيسية | أعلام | الإمام الإبراهيمي.. رجل العظمة أصل في طبعه

الإمام الإبراهيمي.. رجل العظمة أصل في طبعه

في -20 مايو – رحل علم من أعلام القطر الجزائري، وإمام من أئمة المسلمين في القرن الماضي، إنه العلامة “محمد البشير الإبراهيمي” [13 يونيو 1889-20 مايو 1965]، وإنما حمل لواء نهضة هذا القطر في القرن الماضي رجلان كبيران أحدهما الإمام الإبراهيمي، والثاني هو رفيقه وصفيه الإمام عبد الحميد بن باديس، فمنهما وبهما تدربت جيوش الإصلاح، وأنشبت أسلحتها في مقاتل الاستعمار وأعوانه، ونازلته نزالا طويلا أحال أحلامه سرابا وأوهاما.

أبو محمد الحبيب /

نشأ الإمام الإبراهيمي في بيت ورث سؤدد العلم، وانتهت إليه أمجاد عائلة حفية بتراث عريق، وصادف ذلك عنده نبوغا وحافظة، و”عوَّضه الله من القوة في عقله ما ضاع عليه في رجله، وكدنا نغبطه على عرجه”(1)، وتولى عمّه الذي “كان حامل لواء الفنون العربية غير مدافع” (2) تنشئته على سيرة الأوائل حتى إذا أتم تسع سنين كان قد حفظ القرآن الكريم مع فهم مفرداته وغريبه، وحفظ عددا من الألفيات منها: ألفية ابن مالك والكافية، وألفية ابن معطي في النّحو، وألفية العراقي في السير والأثر، وجمع الجوامع في الأصول، فضلا عن دواوين الشعراء من أمثال المتنبي والطائي، وديوان الحماسة.. ورسائل البلغاء، إلاّ أنّ أكثر الكتب اللغوية التي كان لها أبلغ الأثر في ملكته اللغوية هي: [كفاية المتحفظ للأجدابي، والألفاظ الكتابية للهمداني، والفصيح لثعلب، وإصلاح المنطق لابن السكيت] (3).
فلما مات عمه قام مقامه في التدريس وهو ابن أربعة عشر سنة فقط، وعندما جاوز العشرين خرج في رحلته الأولى إلى المشرق، وكانت وجهته هي المدينة المنورة، فطاف بحلق العلم في الحرم النبوي “مختبرا” فلم يرق له شيء منها!! ولم يجد علمًا صحيحًا إلاّ عند رجلين هما شيخاه: الشيخ العزيز الوزير التونسي، والشيخ حسين أحمد الفيض أبادي الهندي. وكانت إقامته بالمدينة “أيام خير وبركة”.
وفي عام 1917 خرج مع والده إلى “دمشق” ونال حظوة طالما تطاولت إليها الأعناق، فتولى التدريس تحت “قبة النسر” في الجامع الأموي، وجدّد طريقة الأمالي، وخرج على النّاس بعلم لم يألفوه (4).
لما رجع إلى بلده “الجزائر” جمعه القدر، وتدبير الأيام المباركة التي قضاها بالمدينة المنورة، بالرجل الذي وصفه بقوله إنه “أعلم علماء الشمال الإفريقي، وباني النهضات العلمية والأدبية والاجتماعية والسياسية للجزائر” الشيخ الرئيس ابن باديس، وباجتماعهما أسسا للأمة الجزائرية “خير جمعية أخرجت للناس” وهي “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” التي كان شعارها الخالد هو [الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا] وفي خدمة هذا الثلاثي فني عمرهما، واتصل ليلهما ونهارهما، واتسعت فتوحاتهما، ودانت لهما الأمة طائعة، واستقبلتهما الجهات الأربع للقطر بحفاوة وإخلاص، وانتظم المئات من الطلبة في المدارس الحرة، ونكست أعلام الطرقية الخانعة المتهالكة على الأقوات، وهبت ريح الإصلاح ندية، ووقع غيثها نافعا في كلّ مكان، فلما مضى الإمام الرئيس إلى ربه راضيا مرضيا، خلفه الإبراهيمي فاتسع البناء، وتجدد في الأمة تلك الروح التي أوشكت آلة الاستعمار أن تسلخها، وخرج الإبراهيمي إلى المشرق مرة أخرى معرفا داعيا، يصدح بصوت الجزائر التي آذن ليلها الطويل الكئيب أن يسفر عن صبح مشرق.. وأبلى بلاء محمودا في خدمة “ثورتها” والتعريف بقضيتها حتى نالت حريتها واستعادت كرامتها ..
كان الإمام الإبراهيمي صاحب بيان ساحر آسر، وديباجة مشرقة أنيقة، ومعرفة بلسان العرب وملاحمهم، وتاريخهم وأمجادهم، يحفظ أشعارهم، ويميز غريب اللغة ووحشيها، ويقف على آراء المتقدمين غير هياب أن يقول كلمته، ويصدع برأيه، ويسفه بعض مصنوعاتهم كشأن الراسخين، ويرجح بين منقولاتهم رواية ودراية، بصيرا بصرا تاما بالمنظوم والمنثور، أما النّظم فقد أتقنه وأسلس له “الرجز” قياده حتى عدَّ نفسه أولا لا يزاحمه إلا صديقه العلامة [نعيم النعيمي] الذي “هو ثاني اثنين من رجاز العرب في عصرنا هذا، ولو شئت لذكرت الأول” ولا يعني إلا نفسه، وقد ألف “ملحمة” ضمنها تاريخ الإسلام، وتقع في نحو ستة وثلاثين ألف بيت، ولكنها –للأسف – ضاعت.. وقد اعتذر عن قلة تآليفه بقوله: “لم يتسع وقتي للتأليف والكتابة مع هذه الجهود التي تأكل الأعمار أكلًا، ولكنني أتسلى بأنني ألفت للشعب رجالًا”، كما أن تجرده وإخلاصه لقضية أمته منعه من خلط المصلحة العامة بمصلحته الخاصة، وعبر عن ذلك بقوله: “تركت مسودات مؤلفاتي كلها بالجزائر ولم أصحبها معي لتطبع أو يطبع بعضها هنا (مصر) كما كنت آمل، لأني لم أشأ أن أخلط عملًا عموميًّا للجزائر بعمل شخصي لنفسي”.
لم يكن الإبراهيمي عالما شرعيا “تقليديا” يعتني بالمحفوظات والتقريرات والتمحلات التي نشأ عليها أسلافه ومعاصروه، ولكنه تأمل العلوم الإسلامية فوجد “أن جميع علومنا الإسلامية في جميع أدوارها يعوزها الاختبار والنّقد، يعوزها الاستقلال في الرأي، تعوزها الشجاعة” فكان الإمام الإبراهيمي هو فارس الاختبار والنّقد، وهو سيّد الاستقلال في الرأي، وهو فارس الشجاعة لا يهاب أميرا ولا وزيرا، واعتبر أن “العالم الجبان في أمة عضو أشل، يؤود ولا يذود، ولعمري إن في اتِّحاد صفِّ الصلاة وصفِّ القتال، في الاسم والاتجاه والشرائط، لموقف عبرة للمتوسمين”.
لقد كان الإمام الإبراهيمي كما قال رفيقه الشيخ العربي التبسي: “فلتة من فلتات الزمان، والعظمة أصلٌ في طبعه”، وقضى هذا الإمام حياته مجاهدا كأجلِّ ما يكون الجهاد باللسان والقلم، وأسدى لأمته مهجة فؤاده ناصحا محبا مشفقا، وعرك الأيام والليالي ليتعلم أبناء وطنه كيف “يحررون عقولهم تمهيدا لتحرير أجسادهم”، فعاجله القدر وقد بذل -صادقا متجردا – نصيبا وافرا من جلائل الأعمال التي يريدها ورثته الآن حية كما تمناها وعاش لأجلها.
لقد خرج في جنازته مائتي ألف مشيع (5) بَكَوهُ بحرقة وأسى، وكان خروجهم -يومئذ – موقفا شديد الأهوال يعبر عن رفض لتلك المسيرة التي اختطها الحكام الجدد، وأنكرها الإمام أياما قبل رحيله، وتمنى في بيانه الشهير أن أعمال هؤلاء الحكام يجب “أن تنبعث من صميم جذورنا العربية الإسلامية، لا من مذاهب أجنبية”(6).
ستبقى ذكرى هذا العلم الكبير -كلما حلت وتجددت – آية وحسرة، آية على خلود معاني العظمة في هذه الأمة سلفا وخلفا، وحسرة لهذا القطر الذي نشأ فيه هذا النبوغ ثم أهمله وضيعه، وكان من أسوأ الإهمال والتضييع أنه أكره على الإقامة وحيدا، وتخطفه الموت معزولا، وهذه لطخة سوداء لا تمحى ما تعاقب الليل والنهار.. وعسى أن يكون عند ورثته من يقلل من فداحة هذا الإهمال والتضييع!.
———-
(1) الإمام عبد الحميد بن باديس/الآثار.
(2) (3) (4) الإمام الإبراهيمي/خلاصة تاريخ حياتي العلمية والعملية.
(5) رقم قدمه نجله د. أحمد طالب الإبراهيمي في حصة “شاهد على العصر” على قناة الجزيرة.
(6) بيان 16 أفريل 1964.

عن المحرر

شاهد أيضاً

بذل الوسيلة وغرس الفسيلة في تراجم علماء المسيلة / أبو علي الحسن بن رشيق المسيلي (تـ 456 هـ):

د. زوبير بعلي / /ـــــــــ/ نشأته وشيوخه هو أبو علي الحسن بن رشيق المسيلي المعروف …