الرئيسية | قضايا و آراء | صناعة الـمثقف

صناعة الـمثقف

عبد القادر قلاتي /

يبدو أنّ هذا الأمر لم يعد صعباً ولا مستحيلاً في زماننا، فصناعة المثقف حلقة من حلقات صناعة كلّ شيء، صناعة الصحفي والأديب والفنان ورجل الأعمال، ورجل السياسة، والداعية ورجل الدين، بل وحتى المناضل والمجاهد الذي يحمل مشروع المقاومة وصدّ مخططات الأعداء، والسلسلة في هذا طويلة وحلقاتها متّسقة ومنتظمة، وهي توحي بحقيقة واضحة بيّنة، لا تخطئها العين، ولا يغفل عنها الفكر، أنّ وراء الكثير من الأسماء في عالم الفكر والأدب والفن والسياسة والمال، منظومة متكاملة الأركان تقوم بوظيفة الصناعة، من أجل التحكم في المؤسسات الفاعلة في المجتمعات والدول، كلّ ذلك يتمّ وفق خطط مدروسة ومحكمة، تجعلنا نصدق هذا المنتوج المصنوع، ونتعامل معه انطلاقاً من هذا الواقع، حتى وإن أدركنا حقيقته ولامسنا زيفه وخداعه.
وصناعة المثقف -في تقديري – أخطر هذه الصناعات؛ لأنّ مساحة تحركه داخل المجتمع أوسع مجالا وأكثر تأثيراً من غيره، فالمثقف هو ذلك الرجل الذي أتاحت له الأقدار أن يتصل بثقافة أمته، كما أتاحت الاتصال بثقافة العصر في كلّ ما يتصل بالإنسان والمجتمع، فقد يكون صحفيا أو كاتبا أو داعية أو رجل سياسة أو غير ذلك من المجالات، لكنه يحمل رؤية فكرية تتجاوز حدود تلك المجالات الوظيفية، فهو يوظف مجاله لإبراز تلك الرؤية، فلو أخذنا مثلا مهنة كالصحافة، فكم نجد من صحفي ينطبق عليه وصف المثقف، في هذا الكم الهائل الذي يتخرج من كليات الإعلام سنوياً، ولنضرب مثالا أخر وفي مجال من أكثر المجالات التصاقا بالمجتمع، وهو رجل الدين أو عالم الشريعة، فكم نجد بين هذه الفئة من مثقف يحمل رؤية فكرية لقضايا المجتمع والدولة، وهي فئة كبيرة ومنتشرة في المجتمع وعلى نطاق واسع، في المساجد والزوايا والمدارس القرآنية والكليات الشرعية. لا شكّ أنّ العدد قليل وقليل جداً، ومن هنا قلنا أنّ نموذج المثقف المصنوع سيكون تأثيره في المجتمع وبين النّاس من الخطورة بمكان، نظراً لما تتركه الصناعة من إغراء وفتنة بهذا النموذج عند المتلقي، فإذا أضفت إلى هذا أو ذاك من هذه الأصناف لقب الدكتور، والخبير، والمتخصص، ثمّ أردفته باسم المركز الذي يديره والجامعات التي يُدرس فيها، والمؤلفات الضخمة التي ترجمت إلى لغات أجنبية، والملتقيات الدولية والنّدوات التي شارك فيها، كلّ ذلك يرفعه إلى مرتبة سامقة في نظر هذا الملتقي البسيط، وكثيرة هي الأسماء التي عرفناها بهذا التوصيف، لكننا بمجرد المتابعة والقراءة تظهر الحقيقة الغائبة، وتُسفر عن القبح الذي غَطَّته بعض المساحيق، فتدرك أنّ المثقف الحقيقي لا يُصنع بل يَصنع، يَصنع ما يؤمن به من أفكار وقيم ومبادئ، انطلاقاً من رسالته نحو المجتمع والإنسان، ولذلك كثيرا ما نخطئ في إطلاق هذا الوصف.

عن المحرر

شاهد أيضاً

سورة العهد الأسبوعي…(1) واصبر نفسك

مداني حديبي / سورة الكهف سماها شيوخ العلم بسورة العهد الأسبوعي لأنك تعاهد الله على …