الخميس 11 ذو القعدة 1441ﻫ 2-7-2020م
الرئيسية | اتجاهات | عـــن الـهـــويـــة: تــحــديــــات وعـــراقــيـــــل

عـــن الـهـــويـــة: تــحــديــــات وعـــراقــيـــــل

عبد العزيز كحيل /

تتشكل الثقافة أساسا من الدين واللغة والتاريخ، ولا يوجد في البلاد الإسلامية أزمة هوية إلاّ من خلال الهجوم العلماني على هذه المكوّنات، لتحييد الدين واستبدال العامية أو اللغة الأجنبية بالعربية وإعادة قراءة التاريخ قراءة مصلحية تحرّف الحقائق وتؤول الأحداث لنزع الثقة في ماضي الأمة السياسي والعلمي، وسهام العلمانية مصوّبة بالذات على الإسلام لأنّه ليس مرجعا ثقافيا للأفراد فحسب بل تفهمه الشعوب كمبدأ سياسي ينظم شؤون المجتمع، وتريد له بديلاً جاهزاً مستورداً من الغرب هو المواطنة لعلمها أنّ الهوية هي المصدر الأساسي لقوة الأمة بمفهومها الإسلامي والذي يختلف جوهريا عن المفهوم الغربي الذي فصله أرنست رينان في محاضرته الشهيرة «ما معنى الأمة؟»، والذي يجعل المقوّم الأول هو «القُطر» والهوية هي الانتماء لهذا القطر، وهذا مفهوم القومية ليس كحالة فقط بل كأيديولوجيا تختلف جذريا عن الرؤية الإسلامية وتستبعد العقيدة التي هي الجامع الأول بين المسلمين وأساس الأمة عندهم، وتركز على الروابط المادية قبل غيرها، من أجل تحقيق هذا التحوّل من الأمة إلى القطر يتمّ التصرف الإيديولوجي المكثف في الفرد والأسرة والتعليم وحتى الخطاب الديني، وكل هذا وصولا إلى تغيير الهوية بزعم أن العولمة غيّرت كلّ المفاهيم وتفرض علينا الانتقال من الكلام عن الثوابت إلى الاحتفاء بالقيم، أي قيم العمل والحس المدني والمواطنة ونحو ذلك من المفاهيم التي تسوّق العلمانية والمادية على أنقاض روابط الدين واللغة والتاريخ، وفي هذا الإطار يُستدعى التاريخ بقراءة موجهة ليختفي الحديث عن الفتح الإسلامي وما بعده لصالح ما قبله، وتمجيد الانتماءات العرقية كالفرعونية والفينيقية والبربرية والفارسية والطورانية؛ لأن تفتيت تاريخ الأمة يؤدي إلى تفتيتها هي لينتهي الأمر إلى الدولة القومية القُطرية بدل الأمة الجامعة في إطار تحقيق هذا المسعى عمدت الأنظمة السياسية إلى تغيير المناهج التربوية لتغريبها باسم المواطنة، وإلى محاولة إنتاج «خطاب ديني جديد» لا يتناول المؤمنين بل المواطنين، والفرق بين الأمريْن شاسع، فالهوية تشير إلى خصوصيات الذات التي تصنع التميّز، بينما تتأسس المواطنة على الاختلاف في هذه الخصوصيات والاجتماع على الماديات وعلى رأسها التراب، أي تفضيل البُعد الجغرافي على البُعد العقدي والتاريخي وحتى الثقافي، بل تسعى جاهدة إلى تهميش العنصر الأول والأكبر في الهوية الإسلامية وهو العقيدة، والتي تقبل بالتنوّع وتحتضن دون إقصاء كمّا هائلا من المكونات والأهداف، ولا تضيق ذرعا بالعناصر القابلة للتحوّل مع تمسكها بالثوابت المتميزة، لكن فكرة المواطنة المراد تثبيتها مكان الهوية كثيرا ما تتحوّل في الواقع بل وحتى في التنظير إلى موقف عدواني من اللغة العربية والدين الإسلامي وتاريخ الأمة لاستعصائها على الانصهار في رؤية المواطنة بمفهومها الغربي المستورد لأنها تستهدف تنميط البشر والقيم والمفاهيم وفق معاييرها، وهذا أدى إلى نتيجة سريعة هي خوف أصحاب الهوية من ذواتهم ومن غيرهم مما أدى إلى أشكال من الانكفاء على الذات وإلى بروز عدوانية متبادلة بين رؤية الهوية ورؤية المواطنة أو بين القديم والحديث كما يعبر عنه بعض المفكرين.
هناك من يختزل المشكلة في كونها صراعا عقيما يجب تجاوزه، لكن كيف؟ بتجاهله؟ بالتضحية بالثوابت والهوية من أجل التقدم والتنمية؟ هذا ليس صراعا عقيما بل معادلة مفخخة لمسخ الهوية وعرقلة التنمية…هل فقدت اليابان ونمور آسيا هويتها وهي تتربع على عرش التنمية والازدهار الاقتصادي؟ هل فرطت فيها؟ العلمانية لا تعبأ كثيرا بالديانات السماوية والأرضية لأنها لا تمثل تحديا ولا عائق أمامها، وتهادن اليهودية لأنها محمية بدولة وبقوانين وبمنظومة فكرية تسود العالم، لذلك انفردت هذه العلمانية بالإسلام لثلاثة أسباب رئيسة: فهو أولا نقيض العلمانية لأنه ليس روحانيات مسبحة بل نظام حياة لا يفرق بين العمل للدنيا والاشتغال بأعمال الآخرة، ثم هو استعصى عن التدجين ولم تلن له قناة رغم كثافة الهجوم المعادي له من طرف التبشير والاستشراق والاستعمار ثم الأنظمة العلمانية المتطرفة مثل الأتاتركية والبورقيبية، وأخيرا لا يملك نظاما سياسيا يحميه لأن الأغلبية الساحقة من أنظمة ما بعد الاستقلال علمانية لا تتعدى علاقتها به النص على أن الإسلام دين الدولة كلافتة باهتة تهدئ العواطف…لهذه الأسباب انفردت العلمانية بالإسلام تنظيرا وتضييقا وطعنا «علميا» وميدانيا، خاصة عبر وسطاء جدد من داخل الفضاء الإسلامي ذاته، يثيرون الشبهات ويوظفون القراءات المتحيزة لتحريف حقائق الدين وقطعيات التاريخ وصولا إلى المساس حتى بالعاطفة الدينية لتهوينها تدريجيا، وقد وظفت في هذا المسعى وسائل الإعلام والمناهج التربوية والخطاب السياسي بل والخطاب الديني ذاته باسم التجديد والاجتهاد والاعتدال.
معركة الهوية متواصلة وحامية الوطيس بين الأمة ورموزها من جهة وبين العلمانية ونُخبها من الجهة الأخرى، والعاقبة للمتقين.

عن المحرر

شاهد أيضاً

أمريكــــا تدفــــع الثمـــــــن 2

أ. محمد الحسن أكيلال / “ترمب” يعاقب نفسه ؟ قدر أمريكا أن يحكمها الصهاينة والمحافظون …