الرئيسية | عين البصائر | ما أشبه الليلة بالبارحة

ما أشبه الليلة بالبارحة

أ. لخضر لقدي /

دنيا الناس لا تصلح إلا بصلاح صنفين هم العلماء والحكام ,هذا يحكم وذاك يرشد ويبين ,ولم يعرف الإسلام في فترة الحكم الراشد فجوة بين العلماء والحكام لأن الخلفاء الأربعة كانوا أهل اجتهاد,وهم أعلم الأمة بأمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته وأحواله,وقد وصلوا للحكم عن طريق الشورى,ولا يدعون أنهم معصومون,وكانت علاقتهم بالمحكوم تقوم على قاعدة : أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت اللَّه وَرَسُوله.,وقاعدة:من رأى منكم في اعوجاجا فليقومني.
وحين اغتُصبتْ السلطةُ وأخذت بقوة السيف والتهديد ,وأصبحت تؤول بالوراثة والتملك,ويعهد بالحكم للولد والقريب, أصبحت دارُ الإسلام مسرحاً لتآمر الغرب الكافر، ومحلَّ أطماعِه الاستعمارية.
ومما زاد الطين بِلَّة,والمريض علة ,والأمرَ سوءًا وخطورةً,تواطؤالعلماء مع الحكام,فصار القامات الذين لا يستطيعون مطاولة العلماء المجتهدين، لأن مضمار العلم ليس من شأنهم إلا بمقدار ما يتلقّطون منه، يخدمون مطامعهم الشخصية,وتواطؤوا مع الحكام ,فكتموا العلم , وتركوا بيان الحق, وبرروا الظلم,،ولم يصبروا على المكاره واحتمال المشاق والمصاعب,ووقفوا على أبواب الحكام, وكانوا وعاظ السلاطين,واتخذوا الدين تجارة.
وحينها قلبت المفاهيم,وتغيرت الموازين, وكانت النتيجة أن أصبحت مقاومة العدو إرهابا,والمطالبة بالحرية خروجا, والسكوت عن الظلم اعتدالا,ومصالحة المغتصب سياسة وكياسة,و الكذب سياسة، والفشل رؤية مستقبلية، والتخاذل حنكة، والجبن حقناً للدماء,وأصبح من يقول كلمة الحق أمام السلطان الجائر متطرفا ,ومن يمشي في ركاب الظلم معتدلا.
في التاريخ عبرة:
لما أفتى الإمام مالك رحمه الله أن يمين المكره لا تلزمه، وأفتى بفساد بيعة المكره ,عملاً بالحديث الموقوف: ليس على مستكره طلاق, قِيلَ لبني العباس: إنَّ مالكا لَا يَرَى أَيْمَانَ بَيْعَتِكُمْ بِشَيْءٍ, فنَهَاه أَبو جَعْفَرٍ عَنِ الحَدِيْثِ,ثُمَّ دَسَّ إليه من يسأله، فحدثه به على رءوس الناس، فأمر جعفر بتجريده من ملابسه وضربه بالسياط وجبذت يده حتى انخلعت من كتفه وعذبه عذابًا شديدًا، وأهانه وتعمد إسقاط هيبته ومنزلته .قال الذهبي:فَوَاللهِ مَا زَالَ مَالِكٌ بَعْدُ فِي رِفْعَةٍ وَعُلُوٍّ.
وحين تولى المأمون الخلافة، وكان يميل إلى المعتزلة ويقربهم,ويقول بخلق القرآن ،ويلزم الناس به,ومن أبى حبسه أو عزله أو قتله ,تصدى الإمام أحمد للفتنة فأخرج الإمام في رمضان وهو صائم، وقيّد بسلاسل الحديد وجعلوا يضربونه.
ورمي بن جرير الطبري- صاحب التفسير-بالرفض والتشيع لأنه جمع الأحاديث الواردة في فضل علي رضي الله عنه,وظل ممنوعا عن الناس حتى مات,ودُفن في داره؛ لأن بعض الرعاع من عوام الحنابلة منعوا من دفنه نهارًا.
وهذا ابن رشد الذي يسميه الإفرنج Averroes وصاحب الكتاب الرائع: بداية المجتهد ونهاية المقتصد,يتهم بالكفر والمروق عن الدين والخروج عن الملة ,وتنسى حسناته ويركز على هفواته,وينفى إلى قرية لا يسكنها إلا اليهود,وينبري شعراء البلاط الموحدي لذمّ ابن رشد وجماعته.
واليوم تصدر قوائم الإرهاب ,وليس فيها إرهابي واحد ,بل علماء مجتهدون ,ودعاة مخلصون, ومؤسسات خيرة.
تُرى كم من هؤلاء الحكام مضى كما مضى فرعون، وراحوا في طي النسيان،وكم من هؤلاء العلماء اتباع السلاطين مضى ولم يعد له ذكر في العالمين, وإذا ذكروا انهالت عليهم اللعنات، ولحق بهم كل خزي وعار ,ورُدم في مزبلة التاريخ.
أما العلماء العاملون فذكراهم تفوح مجدًا وفخارًا، وقد زادهم الله في قلوب الخلق محبة,وما زال تراثهم تتداوله الأجيال وينهل منه طلبة العلم الصغار والكبار,ولا نخشي عليهم من أنظمة مشبوهة تظن أنه بتصرفها الأرعن ستبيض وجهها المسود:إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ .الحج: 38

عن المحرر

شاهد أيضاً

البروفيسور مولود عويمر ضيف برنامج «موعد مع الذاكرة»

شارك البروفيسور مولود عويمر في برنامج موعد مع الذاكرة على قناة الحياة الجزائرية، في حلقة …