الخميس 11 ذو القعدة 1441ﻫ 2-7-2020م
الرئيسية | على بصيرة | نبض الصدور عن خبايا ما في الدستور

نبض الصدور عن خبايا ما في الدستور

أ.د. عبد الرزاق قسوم
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين /

غليان شعبي في الصدور، ونقاش إعلامي مسعور، وتطلعات للحسم في الأمور، ذلك هو واقع الرأي العام الموتور، الذي يعاني –هذه الأيام- من الكبت الصحي المسطور، والتباعد الاجتماعي المأمور، تبعات مسودة الدستور المنشور. إنّها معركة مصطلحات ومفاهيم، وأزمة قناعات، وإيديولوجيات، وتعاليم، وسباق نحو بسط النفوذ، والاستيلاء على المكاسب وولاء الأقاليم.

وتتساءل الأغلبية الطيّبة من شعبنا، ما موقع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، من هذا الجدل الدائر؟ وما هو البلسم النّاجع الذي تقدمه لابن الجزائر الحائر؟ أليست المؤتمنة على المصير الروحي للجزائر، والحاملة للواء الذود عن عنوان وجود الفكر الوطني الأصيل السائر؟
إنّه تساؤل منطقي ومشروع، وإنّه -تالله – للتطلّع نحو ضياء الفجر في الطلوع، فقد عودت الجمعية شعبنا منذ يوم التأسيس، وعهد ابن باديس، إلى زمن تعميق المفاهيم، وتصحيح معنى السياسة، وتحديد صلاحيات الرئيس، عودتنا هذه الجمعية على أن لا يأخذها في الحق لومة لائم.
وتشهد نصوصها وبياناتها، وسلوكاتها ومعاملاتها، ومعاركها ومعاناتها، أنها أبلت بلاء حسنًا في مقاومة كلّ أنواع الانحراف، وكلّ محاولة لتحويل النّهر الوطني، عن الإصلاح والعدل والإنصاف.
فقد وقفـــــــــنا ضد الانقلاب على الشرعية الدستورية، وضد إيقاف المسار الانتخابي، وتشهد لنا المواقف والمقالات، والبيانات، وخير شاهد على ذلك، كتاب «نزيف قلم جزائري».
وفي الانتخابات الرئاسية التعددية، وقفنا مع سليل جمعية العلماء، المترشح الذي اقتنعنا بصلاحية تعبيره عن العمق الوطني الجزائري، وتمت معاقبتنا على ذلك، بحرماننا من المقر اللائق، ومن الحق الرائق، وأبسط حقنا من المال العام الدافق.
وتوالت مواقف الجمعية الإيجابية ضد كلّ أنواع الفساد السياسي، والثقافي، والاجتماعي، والأخلاقي، والاقتصادي، وصحفنا خير شاهد على ذلك.
كما نذكر بمواقفنا التأصيلية، في تحيد مقومات الرئيس في الندوات المتلفزة، حيث حددنا شروط الإمامة في الصلاة، ونزلناها عل الإمامة السياسية، ومن أهمها الذكورية، والصحة البدنية، والسلامة العقلية، والبعد عن الفسق، والفساد، وكلّ ذلك للتدليل على أنّ الحاكم السياسي شأنه شأن الإمام الديني، يجب أن يتسم بالعفة، وطهارة الذّمة، والصحة بكلّ أنواعها، والقدوة في السلوك، وهذا ما كلّفنا الإقصاء والتهميش، ولم ينفع معنا الترهيب، ولا الترغيب.
ونتخذ العقلاء من شعبنا كشهود على المعارك التي خضناها، ضد انحراف المنظومة التربوية، فكانت معركة حذف المعامل في امتحان اللغة العربية، ومعركة التربية الإسلامية، ومعركة المادة التاريخية، ومعركة حذف البسملة، ومعركة منع الصلاة في المدرسة، إلى معركة مقاومة الفساد الاقتصادي، من الرشوة، إلى السطو على المال العام، نذكر كلّ هذا، لندلّل على أن انتظار شعبنا، لموقف الجمعية من إعادة الدستور، هو موقف له ما يبرره، ونطمئن شعبنا بأنّ الجمعية لن تخيب ظنّ الجميع، وسيكون موقفها، الذي سيعلن عنه في مستقبل الأيام، موقفاً مؤصلاً، وعلمياً، ووطنياً، وعاكساً لطموحات شعبنا.
وما تريثنا في إبداء الرأي إلاّ خير شاهد على الأهمية التي نوليها للدستور، أولاً لما يحتويه من نقاط ضعف، هي بمثابة الفخاخ المنصوبة، ويجب أن نكشف عنها، وأن نقدّم لها البدائل، وثانياً، لأنّ أهمية الدستور في تحديد مستقبل الأمة، وحماية مصالحها، وتحصينها ضد الفساد والمفسدين لا يخفى على أحد.
وننبه من الآن، إلى أنّ قضايا الثوابت خط أحمر، لا مجال للمناقشة فيه، وأنّ أيّ تجرؤ على هذه الثوابت أو إخفائها، أو النيل منها، لن يكتب له النّجاح، أيا كان الذي سيقترفه.
كما أنّ الزعم بأنّ القضايا الخاصة بالهوية، قد بتّ فيها، ولا مجال لمناقشتها، هي مغالطة كبرى، يتبرأ منها الدستور الصحيح، ويكفر بها المواطنون الأصلاء.
كما أنّ المغالطة الأخرى التي راجت، ومفادها أنّ الدستور موجه للمواطنين، لا للمؤمنين، هي كلمة كبيرة خرجت من أقلامهم وأفواههم، وإنها لتدليل على مدى جهل قائليها أو تجاهلهم لواقع شعبهم.
إنّنا في الجزائر، لا نفرق بين الوطنية الصحيحة والعقيدة الصحيحة، فكلّ مواطن جزائري حر شريف، لابد أن يكون مؤمنا، بالمبدأ الثابت، وهو ما عبر عنه ابن باديس حين قال:
شَعْـبُ الجـزائرِ مُـسْـلِـمٌ ***وَإلىَ الـعُـروبةِ يَـنتَـسِـبْ
مَنْ قَــالَ حَـادَ عَنْ أصْلِـهِ ***أَوْ قَــالَ مَـاتَ فَقَدْ كَـذبْ
أَوْ رَامَ إدمَــاجًــا لَــهُ ***رَامَ الـمُحَـال من الطَّـلَـبْ
وكذلك مقولة الإمام الإبراهيمي:
لا نرتضي إمامنا في الصف***ما لم يكن أمامنا في الصف
فأي زعم بأنّ الدستور موجه للمواطنين وليس للمؤمنين، هو نوع من المخادعة.
كما أنّ مبدأ الحرية الذي ينص عليه الدستور، هو مبدأ مقدس، نومن به جميعاً، خصوصاً عندما يتعلق بحرية المواطن، وحقه في التعبير عن رأيه، وحرية معتقده، وحرية تجمعه المشروع، وتظاهره السلمي المطبوع، كلّ هذا نسلم به ونؤازره، ولكن عندما تمتد هذه الحرية إلى حرية التدين بعد التأكيد على مفهوم التدين، فإنّنا لا نسلّم بذلك لأنّنا لاحظنا أنّ هذه المقولة الإنسانية النّبيلة قد استغلها بعض الأشرار، لبث الفتنة واستفزاز الأغلبية، وابتداع مذاهب وديانات ما نزّل الله بها من سلطان، وتحت هذا الغطاء، تسللت إلينا دعوات أممية نشاز تطالبنا باحترام حرية التعبد.
فهل من التعبّد أن نفتن النّاس في دينهم، ونفسد عليهم تأملهم الديني، ونأتي بالفواحش والموبقات في نهار رمضان مثلا، جهارا، تحت غطاء حرية الدين.
إنّ ما نؤكد عليه في هذا التمهيد الذي يعكس نبض الصدور، عن خفايا وخبايا ما في مسودة الدستور، هو أنّ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ستعلن عن موقفها، قريباً جداً، وسيكون موقفها عاكساً لنبض شعبنا، وطموحات جماهيرنا، وستقدم نص نموذجا موازيا، لما ينبغي أن يكون عليه دستور الجزائر، المستلهم من بيان أول نوفمبر، والعاكس للحراك الشعبي النوفمبري الباديسي، الذي يتفق عليه الجميع.
ويبقى الحكم في البدء والختام لشعبنا، بتمكينه من التعبير عن إرادته الحرة السيدة، الكاملة، في استفتاء حر نزيه، لا تشوبه أية شائبة من شوائب التزوير الماضي، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
حمى الله الجزائر، جزائر العلماء، والشهداء، والمجاهدين الصلحاء، والمصلحين الأصلاء، حماها الله من كلّ مكروه، والبقاء فيها سيكون للأفضل، والأقوم، والأصلح، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ﴾.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الــــود الفــــرنســـــي الـمستحيــــل

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين / بيننا، وبين الاستعمار الفرنسي البغيض …

تعليق واحد

  1. اللهم أحفظ البلاد والعباد