أخبار عاجلة
الرئيسية | في رحاب الشريعة | مـواطــنـــة العـــابــديــــن وهوية الـمسلمين في منهاج الكتاب الـمبين

مـواطــنـــة العـــابــديــــن وهوية الـمسلمين في منهاج الكتاب الـمبين

الشيخ محمد مكركب أبران /

ثلاثة مصطلحات في هذا المقال يتحدد على إثر فهمها هدف البحث عن الأنا، والهو، ومصير فلسفة التعايش البشري على هذه الأرض، ذلك التعايش السلمي الحضاري المحقق للغاية النبيلة التي من أجلها خُلق الإنسان. وهذه المصطلحات هي: المواطنة المدنية الدستورية التي قوامها القيم الإيمانية المجتمعية. والمصطلح الثاني: العبودية لله تعالى التي تعني أن كل فرد من بني آدم هو عابد، فالأنا، والهو، والهي، من المسلمين كلهم عابدون، لمعبود واحد هو خالقهم الذي ألزمهم بصفات واحدة تميزهم على أنهم موحدون عابدون، محبون، والعلاقة بينهم علاقة تعاون وتكامل، وليست علاقة استعباد واستضعاف، ولا علاقة استهزاء واستخفاف. والمصطلح الثالث: الهوية الإسلامية، التي فرضها الله على كل مؤمن ومؤمنة.
أولا: المواطنة الإنسانية: المواطنة لغة، المشاركة في الموطن، كالمساكنة للمشتركين في المسكن، وكالمجاورة للمشتركين في الجوار، فالمواطنة كلمة جامعة للمواطنين الذين ينتمون لموطن واحد يسكنون فيه، فإقليم الوطن من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه، منزل واحد يجمع كل المواطنين، يتعايشون في تكافل وتكامل وتناصر. وسكان الأرض كلهم تجمعهم مواطنة واحدة.﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ.قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ.﴾ (الأعراف:24،25) فالمواطنة تسوي بين كل المواطنين في الشرف الوطني والكرامة المجتمعية بين الناس في المعاملات، فلا مزايدة بين مواطن وآخر، أو بين جهة وجهة، ويضرب المثل للمواطنة لكل الشعب على أرض الوطن، مثلهم كركاب السفينة، كلهم سواسية خاضعون لنفس الظروف الطبيعية والقانونية لحال السفينة، قد يكون من الركاب الملك والوزير والغي والفقير والعالم والجاهل. ولكن كل واحد على كرسيه وحر في جلوسه يقرأ أو يصلي أو ينام، ولكن مصيره في السفينة مصير غيره من الركاب كل واحد منهم متآلف مع كل ركاب السفينة، لأنهم يعلمون أن مصيرهم واحد، فلا أحد يأخذ مقعد هذا، ولا أحد يتطاول على هذا. إنها أخوة المواطنة.
ثانيا: العابدون الإنسانيون المسلمون: جمع عابد، وهو الإنسان ابن آدم الذي يقوم بالواجب الذي خلقه الله من أجله، وهو العبادة بمفهومها الشامل. فهؤلاء في مواطنتهم الأخوية، أخوة الإنسانية، وأخوة الإيمان، وأخوة المواطنة.
ثالثا: الْهُوِيَّةُ الإسلامية: الهوية لغةً: تعبير عن حقيقة الشيء وما يميزه عن غيره، تطلق كلمة (هُوِيَّة) عن الحقائق والصفات الجوهرية الأصلية لشيء أو لإنسان، وفي الاشتقاق اللغوي، فالهوية منسوبة إلى: هو، وهي. وهويتنا في الاصطلاح: الهوية الآدمية الإسلامية، وهي هُوِيَّةٌ عامة تجمع كل المسلمين وهي الأساس. وهُوِيَّةٌ خاصة يضاف لها اسم الموطن الذي يسكنه المسلم كرقعة جغرافية. فالهوية العامة الجامعة لكل المسلمين هي الأصل والأساس، ولها ثلاثة عناصر: أصل الانتماء لآدم وحواء عليهما السلام، وأصل الآدمية هو المعتمد وليست العرقيات الفرعية. وأصل الانتماء للأرض أنهم يسكنون الأرض، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده. وأصل الانتماء للدين، للإسلام، أنهم مسلمون، والانتماء للإسلام هو جَوْهَرُ بيان الهُوِيَّة الحقيقية.كان مرة جماعةٌ من مناطِقَ شتى فراح كل يفتخر بقبيلته ولهجته وعاداته وآبائه وأمهاته، وبقي واحد لم يتكلم، فقيل له: ما ذكرت لنا هويتك وما مدحت أباك. فقال: {أبي الإسلام لا أب لي سواه.. وإن افتخروا بقيس أو تميم}. والمؤمنون جميعا قبل غيرهم يعلمون قول الله تعالى. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات:13) خلق الله الناس جميعا من ذكر وأنثى يعني آدم وحواء، وهذا هو العنصر الأول للهُويَّة، ولا أحد من العقلاء من الناس يدعي أنه من أصل من غير الناس، إلا من شذ وابتعد عن الصواب، ونسي أن الأصل من التراب. وفي الحديث، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم فتح مكة، فقال:[يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا، فَالنَّاسُ رَجُلاَنِ: بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللهِ، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب] (الترمذي: 3270)
ولقد أحسن من قال:
الناس من جهة التمثيل أكفاء…
أبوهم آدم والأم حواء
نفس كنفس وأرواح مشاكلة…
وأعظم خلقت فيهم وأعضاء
فإن يكن لهم من أصلهم حسب…
يفاخرون به فالطين والماء
وقدر كل امرئ ما كان يحسنه…
وللرجال على الأفعال سيماء
هل يعقل أن يتنكر أحد بني آدم لأبيه آدم، ويكون عاقا للوالدين آدم وحواء، ثم يفتخر بأنه ينتسب لأحد بني آدم ويعادي غيره، فيعق الأب ويتعصب لابنه!! إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يفتخر بقبيلته ولا بعشيرته ولو فعل لكان أحق بها ولا ينازع ولا ينافس فيها أبدا، ومع ذلك رجع إلى الأصل. إلى أبيه آدم.عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر.] (الترمذي:3148) وقال:[الناس بنو آدم، وخَلَقَ اللهُ آدمَ من تُرابٍ] كما علمت من الحديث السابق.
هل الهوية أسماء أم انتماء؟ وهل الهوية تجزأ لكل شخص هويته؟ أم هي هوية أمة؟ فمن حيث التعريفات اللغوية نعم كل فرد له هويته وفق بطاقة التعريف الوطنية، حسب جواز السفر الخاص به، ويدخل في ذلك عنوانه،ولونه وطوله وبصمات أصابعه وعينيه، وأشعته الكهرطسية. ولكن الناس مقتنعون بهذا ولا يجادلون في هذه الهوية الشخصية. إنما يجادلون في هوية الانتماء لأصول الأمة التي ينتمون إليها.
فهوية الجزائريين مثلا، أربعة عناصر: 1 ـ الانتماء للنسب الآدمي، 2 ـ الانتماء للدين الإسلامي، 3 ـ الانتماء للأرض كل الكوكب، 4 ـ الانتماء للوطن الجزائري للجنسية الجزائرية في إطار دولة جزائرية موحدة. كسليمان إنسان مسلم جزائري. وكعمر إنسان مسلم جزائري.
فالانتماء للدين هو المعتمد وعليه في تعريف الهوية اصطلاحا، يقال: شخصية المسلم، عقيدة المسلم، خلق المسلم، شريعة المسلم. فإذا قرأنا في القرآن والسنة عن صفات المسلم عرفنا هوية المنتمي للإسلام، ولم يبق إلا عنوانه الجغرافي الحيني، وفي الجزائر أجمع تاريخ الجزائر على أن الشعب الجزائري شعب مسلم.
رابعا: غير المسلمين كيف ينظرون إلى الهوية الإسلامية: غير المسلمين هم كل البشر الذين لا يدينون بالدين الحق الذي شرعه الله لعباده العابدين وهو الإسلام. وهذا ما بينه الله رب العالمين. في قوله عز وجل: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.﴾ (آل عمران:64)
والله تعالى عندما رد على اليهود والنصارى الخاطئين الذين لم يسلموا وجوههم لله، ويزعمون أنهم ينتمون لملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران:67).

عن المحرر

شاهد أيضاً

السياسة النبوية في الدعوة الإسلامية والغزوات الجهادية

الشيخ محمد مكركب أبران/ إن مفهوم السياسة النبوية تخص طريقة وآليات الدعوة إلى الله تعالى، …