الرئيسية | شؤون اقتصادية | «الاقتصاد الخفي».. أزمــــــــة تـــــؤرق الــحــكــــــومـــــات

«الاقتصاد الخفي».. أزمــــــــة تـــــؤرق الــحــكــــــومـــــات

أ. نجلاء عبد المنعم /

 

الاقتصاد الخفي Hidden Economy، قد بدأ مفهوم الاقتصاد الخفي يطرح نفسه في الأونة الأخيرة، من خلال انقسام الأنشطة الاقتصادية في دول العالم إلى أنشطة رسمية، وأنشطة غير رسمية (غير معلنة) وهي التي تعرف باسم «الاقتصاد الخفي» وقد استخدم الباحثون مفاهيم عديدة في التعبير عن هذا القطاع من الاقتصاد، مثل مصطلح «الاقتصاد التحتي» و»الاقتصاد غير المرئي» و»الاقتصاد السفلي» و»الاقتصاد المقابل».
ويرجع هذا التعدد والتنوع في مسميات هذا المفهوم، إلى تعدد وتنوع المداخل والأيديولوجيات، وكثيرا ما يثير «الاقتصاد الخفي» انزعاج للحكومات وذلك لأكثر من عامل ولعل أهم هذه العوامل هو عدم سيطرة الحكومات على هذا النوع من الاقتصاد، فضلا عما يجلبه من صعوبات في جهود التنمية لبقاء جزء من الاقتصاد خارج الدورة الاقتصادية التقليدية.
و»الاقتصاد الخفي» أو ما يطلق عليه أيضا «الاقتصاد الموازى «، هو الاقتصاد الناتج عن كافة الأنشطة التي لا تسجل في حسابات الناتج المحلي، وغير المدرجة في الدخل القومي، والتي لا تقع تحت مظلة الدولة، أي أنه نتاج من الصفقات التجارية التي لا تكون خاضعة للضرائب. وقد تكون تلك الأنشطة مشروعة قانونا مثل تجارة التجزئة في متجر بلا رخصة أو مثل البائعين الجائلين، أو قد تكون غير ذلك مثل تجارة المخدرات والأسلحة وغيرها. ومن هنا نستطيع أن نطرح سؤال هام للغاية ….
لماذا ينمو الاقتصاد الخفي؟
هناك أسباب عديدة جعلت الاقتصاد الخفي ينمو ويتزايد بشكل يدعو إلى القلق ومنها:
إنّ غياب العدالة الاجتماعية، ووجود أنظمة سياسية مستبدة والتي تخلف بدوها أطرا اقتصادية لا تقل عنها ظلما في هيكلها التنظيمي ومن ثم بيئة صالحة للتهرب من الضرائب، والعمل غير المتسق مع القوانين بشكل عام.
غياب دور الحكومة فيما يتعلق بمعالجة حاسمة للفساد بكل أشكاله، وضعف تغطيتها لمراقبة حركة الأسعار ونقص السلع في الأسواق مما يشجع بعض الفئات على استغلال ذلك للقيام بدور تكميلي وتحقيق مكاسب طائلة خارج الإطار القانوني الرسمي للدولة.
عدم تغطية أجور الشرائح المتوسطة والأدنى منها لسبل معيشية كريمة لأصحابها في تشجيعها على البحث عن وظائف اضافية لسد الحاجة أو اتخاذ النهج غير المشروع في تلقي رشاوي أو القيام بأنشطة مخالفة للقانون.
ويقول تقرير للبنك الدولي إنّ الدول التي تعاني من غياب الاستقرار الأمني والسياسي غالبا ما ينمو فيها حجم الاقتصاد الخفي أو الموازي على حساب نظيره الرسمي, في ظل ضعف التواجد الحكومي بشكل عام, وينمو في البلدان الأكثر فقرا أيضا.
ولعلّ هذا ما يجعل دولا مثل أفغانستان والهند في صدارة تلك الدول التي تعاني من تعاظم حجم الاقتصاد غير الرسمي وفقا لموقع «ذا ديبلومات»، ونجد أن الأزمة التي تبرز وتزعج الحكومات عند التعامل مع الاقتصاد الخفي أنه لا يمكن تقدير حجمه ولا يمكن الحصول على عائدات ضريبية من ورائه بما يجعل استغلاله في جهود التنمية المخططة أمرا غير ممكن، أولا لنموه بشكل عشوائي بعيدا عن السيطرة الحكومية، وثانيا لعدم وجود مردود اقتصادي حكومي له. ويجب هنا التفرقة بين الاقتصاد «غير الرسمي» والقائم على معاملات لا تخضع للضرائب والرسوم الحكومية، وبين ذلك «غير القانوني» والذي يتم تداول سلع غير قانونية فيه. فكلاهما ينمو بعيدا عن سيطرة الحكومات، غير أن نمو التجارة غير المشروعة بأنواعها أخطر كثيرا من التجارة « غير المراقبة» بالطبع.
هل للتكنولوجيا دور في توسيع نطاق الاقتصاد الخفي؟
ساهم التطور المتسارع في مجال التكنولوجيا ووسائل الاتصال وتحويل الأموال عبر الانترنت، ومؤخرا استخدام الجوالات في الدفع الالكتروني في توسيع نطاق الاقتصاد الموازي أو الخفي لاسيما مع تزايد السرقات التي تتم عبر الانترنت.
وفي الوقت الذي توجد فيه قنوات شرعية معروفة ومشهورة عالميا لتحويل الأموال، وعقد واتمام الصفقات، تبقى هناك نوافذ لممارسة الأنشطة بأشكال غير مشروعة مثل النصب الإلكتروني، ووجود شركات سمسرة وهمية للتجارة في العملات والعديد من الأصول والتي تستهدف جمع الأموال عن طريق الخداع والغش والتدليس. أيضا عمليات السطو الإلكتروني التي كان أشهرها مؤخرا ما تعرضت له «سوني بيكتشرز» من اختراق كلفها ملايين الدولارات، فيما شهدت شركات وبنوك عمليات قرصنة وكذلك مواقع لحكومات حول العالم عمليات مماثلة لأغراض متعددة لكن يبقى لها فاتورة اقتصادية في النهاية.
وأخيرا يمكن وصف الاقتصاد الخفي في ثلاث نقاط أساسية وهي:
دولة داخل دولة: تنمو التجارة غير المشروعة في كثير من الأحيان لتصبح بمثابة مهدد حقيقى لوجود الدول، كما هو الحال لتجارة المخدرات والاتجار بالبشرفي بعض الدول حيث تتمتع تلك «الإمبراطوريات الإجرامية» بقوة مالية كبيرة تعينها على تحدي الحكومات.
أموال خارج السيطرة: تدخل الأموال «الملوثة» إلى الاقتصاد الطبيعي بغرض غسل الأموال ولتتمتع بالمشروعية بعد ذلك, وذلك يؤدي إلى خلق تدفقات مالية مفاجئة في الأسواق يكون لها أثار سلبية من حيث رفع أسعار بعض الشركات وتحقيق ارتفاع زائف للبورصة.
اقتصاد غير كامل: ففي الوقت الذي يزدهر فيه الاقتصاد غير القانوني ويكتسب العاملون فيه مبالغ طائلة، يعاني الاقتصاد الرسمي من ضعف الدخل، بما يزيد من جاذبية الأول على حساب الثاني ويسمح بنموه وازدهاره واستمراره.
وقد أشار صندوق النقد الدولي في دراسة له إلى أن حل مسألة نمو الاقتصاد الخفي أو الموازي لا تتم باستخدام الأدوات الاقتصادية فقط أو حتى الأمنية أو السياسية، بل من خلال رسم خطة شاملة لرفع مستوى الطبقات الأشد فقرا بما يسمح بدمجها لاحقا في الاقتصاد الرسمي دون أن تعاني من أسعار لا تقدر عليها.

عن المحرر

شاهد أيضاً

اقتصاديات المــــــيراث فى الإســــلام

أ.أحمد غزالة * / الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد …