الرئيسية | كلمة حق | هل يبدو العالم اليوم في صراع جديد بين آسيا والغرب؟

هل يبدو العالم اليوم في صراع جديد بين آسيا والغرب؟

أ د. عمار طالبي /

هذه التهديدات التي يطلقها الرئيس الأمريكي ترمب ضد الصين، وضد إيران، الحرب التي شنّتها أمريكا وحلفاؤها الغربيون على أفغانستان، والعراق، إشارات قوية، وتوقعات لتطور هذا الصراع، فالثقافة الآسيوية عموما بما فيها من البوذية، والكنفوشيوسية، والهندوسية، والإسلامية، لم تستطيع الثقافة الغربية وفلسفتها، وطريقة تعليمها تغير هويتهم تمام التغيير أثناء الاستعمار البريطاني، والفرنسي، والبرتغالي، الذي أدخل المسيحية أيضا مساندة له.
ولذلك توقع صاحب نظرية الصراع بين الحضارات أن ينشب هذا الصراع بين الحضارة الصينية والحضارة الإسلامية من جهة، وحضارة الغرب، لأنه شاهد سلوك الغرب وغاياته التي يريد أن تحققها في السيطرة على العالم، ولكنه في هذا السعي يجد مقاومة وحصونا ثقافية وقومية تمنعه، فيحصل الاشتباك، وما فعله الأمريكان من محاصرة كوريا الشمالية، والضغوط الشديدة عليها، والتهديدات بسحقها، لم يحقق الغرض من ذلك، وكذلك ما نراه اليوم من عقوبات قاسية، ومحاصرة شديدة لإيران، ومنعها من بيع نفطها، وإضعاف اقتصادها، وتخلي بقية الدول الغربية -حلفاء الأمريكان – عنها عمليا، فإنّ هذا كلّه لا يختلف عن محاصرة كوريا الشمالية.
فهذه النزعة الإمبراطورية الأمريكية التي خلفت الإمبراطورية البريطانية، والإمبراطورية الفرنسية، قائمة على الغرور بقوتها العلمية، وقوة اقتصادها، وجيشها، ولكن قوة هذا الجيش الذي يحارب في كلّ مكان، ما يكون له أن يحافظ على هذه الإمبراطورية، ولنا درس في تاريخ الإمبراطورية الرومانية، وحروبها، وانتشارها في العالم، بقوة جيوشها، ولكن لم يغن عنها جيشها شيئاً لما حان وقت تدهورها السياسي، وعقليتها في الطغيان، فجاءت دويلة صغيرة نشأت في المدينة المنورة، فقضت عليها الشام، وفي شمال إفريقيا.
إنّ الصين اليوم، والهند، وإندونيسيا، وباكستان، وإيران، وبلاد العرب، يمكن لها أن تكون قوة جديدة، تخنق الطغيان الأمريكي، ونزعته إلى السيطرة السياسية، والاقتصادية، إنّ العالم الإسلامي وجيله الجديد لا يمكن له أن يسكت أمام هذا الطغيان الذي يسمح لنفسه بكبرياء وغطرسة أن يجعل الصهاينة يستولون على الأراضي المقدسة، والعدوان على الفلسطينيين ومحاصرتهم، وفرض سيطرة الصهاينة، ومخططها على فلسطين، دون أن تراعي القانون الدولي في هذه الأراضي التي احتلتها هذه الدولة بالقوة، مستخفّة في ذلك كلّه بهذا القانون، ومحتقرة لأكثر من مليار ونصف المليار من المسلمين في العالم.
ونرى وزير الخارجية الأمريكي يزور صاحبه الفاسد الإسرائيلي، ليعينه على الفساد والشرّ، وإلحاق الضفة الغربية والأغوار بدولة الصهاينة، ظلما وعدوانا، واحتقارا للعالم الإسلامي الذي تتمتع أمريكا بمصالحها في أرجائه، وبأمواله وثرواته، وتبعية كثير من حكامه لأمريكا، تأمرهم وتنهاهم، وتهددهم بقطع حمايتها عنهم إن لم يبذلوا كل أموالهم لها.
رغم ما يعيشه العالم العربي والإسلامي وانشقاقه الآن فإنه لن يدوم على هذا الوضع المزري، لأنّ هذا الجيل فهم، وأخذ يدرك ضرورة تغيير ما بنفسه، ولا يقبل مثل هذه الحال والشعوب الإسلامية أخذت تتحرك، بإدراك ووعي لعصر جديد، وآفاق جديدة، للتحرر، والنهضة نهضة جديّة قائمة على العلم، والقيم، وما هذه الفئات التي تقوم ضد الغرب وسيطرته، وضد الفساد إلاّ تذمّر، وغضب مع حماقة، وسوء تصرف، ولكن آن الأوان لثورة لها غاياتها وسبلها الواقعية العلمية، لأنّ السلاح الأعمى لا يجدي نفعا، ولا يحقق غاية.
نحن نتوقع تغييرا حقيقيا يكنس التخلف وأوضاره، وظلامه، وتبعيته، ولا يغرنك ما تعانيه، فإنّ هذا الوعي والشعور بالظلم، سيسلك طريقه السليم الواعي القوي بإيمانه بنفسه، وثقته بالله أولا.
أمريكا تعاقب الشعب الإيراني العريق في حضارته وثقافته، وشعوره بذاتيته وقوميته، وتحاصره لمنعه من امتلاك طاقة نووية سلمية، مع مراقبة من هيئة الطاقة النووية العالمية، في حين أنّها تسكت عن الأسلحة النّووية الخطيرة لدى الصهاينة، ويغض الغرب كلّه طرفه عنها. إنّ هذا الظلم الفادح لا يكتب له الدوام، إن الثورة قادمة ثورة الشعوب، التي لا مرد لها ولا دافع، ﴿.. وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ.. ﴾[البقرة/251]، ولعل هذا الجرثوم يؤدب ترمب ويدفع به إلى الانهيار اقتصاديا وسياسيا.

عن المحرر

شاهد أيضاً

ما هي سياســــة الرئيــــس الفرنســــي؟

أ د. عمار طالبي / إن السياسة تبنى على العلم، وعلى الحقائق الواقعية، وإلا فإنها …