الأثنين 15 ذو القعدة 1441ﻫ 6-7-2020م
الرئيسية | المرأة و الأسرة | ملحق الفاضلة | علاقاتنــــا بيــن الواقـــع والـمواقـع

علاقاتنــــا بيــن الواقـــع والـمواقـع

أ. نور الهدى /

 

وصلنا إلى مرحلة يجب أن يدقّ فيها ناقوس الخطر، فالأسرة والمجتمع على فوهة بركان إن انفجر سيطمس هويتنا ومعتقداتنا وتقاليدنا… ما آل إليه مجتمعنا المحافظ بسبب هذه التكنولوجيا التي طغت على أفكاره وحتى على تصرفاته… هذه التكنولوجيا التي صممت وابتكرت لخدمة الإنسان لا لتدميره، ولكن للأسف الكثير لا يعرف استخدامها وصار يعيش في متاهة لا بصيص أمل في النجاة منها إلا من عقد وعزم على الإفلات والتخلص من إدمانها…
الفايسبوك، تويتر، انستغرام، الواتساب وغيرها من التطبيقات التي استولت على العقول، وغزت البيوت وخربتها، وكشفت المستور…
ما دفعني للكتابة عن هذا الموضوع هي كثرة المشاكل التي أحدثها الفضاء الأزرق، والكثير من القصص والحكايات المؤلمة التي تسببت في خراب البيوت وتفريق وتشتت أسر لا لشيء سوى لمافيا يبيعون الوهم، ومكبوتين يستدرجون القصر، ونساء بائسات يعرضن صورهن وقد تعرت أخلاقهن قبل أجسادهن من أجل كلمة زائفة، أو من أجل الظفر بعريس، فما دام لا أحد يطرق الباب في الواقع فعل وعسى يأتي من نوافذ المواقع، وتبتكر أي طريقة لإيقاع أي شخص حتى لو كان متزوجا ويعول أطفالا ولا تهتم لعواقب الأمور، قد صممت على التخلص من كلمة عانس ولو على حساب شرفها وأخلاقها… ضيعت حياءها وستر الله لها في عالم وهمي جعلها سلعة رخيسة في متناول من هب ودب، من إعجاب بمنشور إلى تعليق، إلى دخول للخاص… تلك الغرف القذرة التي يظنون أن لا أحد مطلع عليها، ولكنه سبحانه يعلم السر وأخفى، في تلك الغرف التي استبيح فيها المحظور… وذبحت الفضيلة… وانتهكت الأعراض، من أجل لذة زائلة يغضبون الخالق ويملؤون صحائفهم بالمعاصي والآثام، قال -صلى الله عليه وسلم -: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك ويكذبه) رواه البخاري
تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ***من الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء في مغبتها ***لا خير في لذة من بعدها النّار
والأدهى والأمّر التعارف من أجل الزواج وإن كان بعض العلماء أجازه في حدود، ولكن الطامة الكبرى أن تكون تلك النقطة الخضراء هي من تدل على تواجد الشخص، وتعابير الالكترونية “الايموجي” هي التي تحدد عقليته وليست تعابير الوجه… ثم يتفقان على موعد فلقاء
كل الحوادث مبدأها من النظر ***ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة فعلت بصاحبها***فعل السهام بلا قوس ولا وتر
والمرء ما دام ذا عين يقلبها***في أعين الغير موقوف على خطر
يسد مقتله ما ضر مهجته***لا مرحبا بسرور عاد بالضرر
فمن المواقع إلى الحقيقة… هذا الشاب الذي لا تدري عنه البنت شيئا وتحكم عليه فقط من منشوراته الدينية التي قصها ونسخها من هنا وهناك مدعيا التدين والالتزام، لتكشفه بعدها الأيام، فتاة في الرابع والعشرين ربيعا تعرفت على شاب مدة عام في الفيسبوك وامتدت العلاقة إلى الواقع، طلبت منه أن يتقدم لخطبتها والعقد عليها أو تقطع علاقتها به، بعد أيام اتصل وأخبرها أنه سيأتي مع عائلته للتعرف على أهلها وطلب يدها، بصعوبة استطاعت إقناع أخوالها فالبنت يتيمة تعيش مع أمها في بيت جدها، يوم الجمعة تم تحضير ما لذ وطاب واجتمع أهلها بعد الصلاة ولكن العريس المنتظر لم يأت… حاولت الاتصال… لكن دون جدوى، دخلت لحسابه على الفيسبوك فوجدته قد حظرها، سقطت أرضا من هول الصدمة والموقف المخجل الذي تعرضت له… نعم إنها علاقات افتراضية وهمية ولكن مصائبها حقيقية ، فالكثير ممن أهدروا أوقاتهم وطاقاتهم وأموالهم وحتى مشاعرهم في هذه المواقع كان الأجدر بهم استغلال وقتهم في التعلم أو اكتساب درهم معاش أو قراءة آية قرآن تشفع لهم يوم القيامة… أو عمل صالح يثقل به الميزان… ولكن هيهات هيهات فالعقول تلفت، والقلوب تعلقت، والعيون أدمنت حتى عميت، أصبح المرء لا يحس بمن حوله من والدين وإخوة وزوجة وأبناء، من كثرة انشغاله بأصدقائه الفيسبوكيين الذين لو أصابه ضر أو انتقل إلى جوار ربه لا يسمعون به ولا يكترث أحد منهم لأمره… عالم كشفت فيه أسرار، وخربت بيوت بسبب الغيبة والنميمة والتشهير… بترت علاقات، وضجت المحاكم بقضايا الطلاق… وجرائم الأخلاق والخيانة الإلكترونية …بدايتها الفايسبوك وامتدادها للحقيقة، مراهقون ومراهقات ضيعوا دروسهم وفيهم من غادر مقاعد الدراسة، قتلت فيهم روح البحث والتعلم، وأصبح همهم ألعاب الهاتف ورسائل المسنجر، على وجوههم الشحوب، وعلى عيونهم هالات سوداء من أثر السهر، خارت قواهم وتشتت أفكارهم، وانطفأت شمعة الإبداع فيهم، والآباء لا يدرون شيئا عن أبنائهم وأي منعرج خطير يقفون عليه… فلا مراقبة ولا اهتمام، فإن كان الشارع لا يرحم… فتلك الأجهزة أجرم وخاصة على ضعيفي الشخصية فكم أدت بنفوسهم للإنهيار وحتى الإنتحار، وتبقى التربية والنصيحة والتذكير بمخاطر المواقع وإيجاد بديل هو دور كل مسؤول وكلنا مسؤول الوالدين في البيت ، والأستاذ في المؤسسة، والإمام في المسجد… كلنا سنسأل يوم القيامة على تهاوننا، والدين نصيحة… والواقع أجمل وأجمل بكثير من كوابيس المواقع.

عن المحرر

شاهد أيضاً

“بوح أنثى”/ نور الهدى_ح

نور الهدى_ح كم أتمنى مغادرة زاوية البيت المظلمة الباردة، مغادرة هذه القرية المنسية، أن أكون …