أخبار عاجلة
الرئيسية | المرأة و الأسرة | ملحق الفاضلة | الأبــــوة في ظــــل الحجــــر الصحي / قوا أنفسكـــم وأهليكـــــم

الأبــــوة في ظــــل الحجــــر الصحي / قوا أنفسكـــم وأهليكـــــم

مقدمة
اجتاح العالم مع نهاية العام 2019 وبداية العام 2020 وباء عام فرض هو وباء كورونا المستجد (COVID-19)، فرض في غضون أسابيع حجرا صحيا شمل البشرية من أقصاها إلى أدناها. هذا الحجر أبان عن مكنونات مخبأة في حياتنا المعاصرة، وهي الإنشغال بالسرعة التي توفرها التكنولوجيا والوسائل العصرية عن الشعور بمن حولنا من أهل وأبناء. فقد كان الإنسان يقضي الأيام بل والشهور ذات العدد لا يجد متسعا من الوقت لتفقد محفظة أبناءه وشتات أفكارهم. فجأة، صار الجميع ملازما للبيت، والذي غدا في زمانا شقة محدودة الغرف والمساحة يسمع من في طرفها أنفاس من في الطرف الآخر، فانتبهنا إلى تفاصيل حياة أبناءنا من ملابسهم وأشكالهم إلى أفكارهم ومشاعرهم. منا من استغل هذه السانحة فراح ينقب بين دفاتر أبناءه ومحافظهم وخزائن ملابسهم ورفوف أدواتهم، والأحرص قلب بين عقولهم ومشاعرهم، فوقفنا على ما علق بهم مع الأيام من المخالطة للأصدقاء والزملاء والأساتذة وقد بلغ حدا وجب معه الوقوف للمراجعة والتحليل لتثمين الإيجابي المبهر ومداوات الانحرافات والاعوجاجات الحساسة. ومنا للأسف، معاشر ولاة الأمور خاصة، من دخل حالة من الاكتئاب والملل وأدمن مشاهدة الأخبار المكررة على مدار الساعة، أو التصفح العشوائي لمواقع التواصل الاجتماعي ما جعله غافلا عن الوضع بل قد تكون الأزمة زادته من الغضب والتشنج ما جعل ضجيج أبناءه في المنزل محل صراخ وانفعال متواصل.
في ظل هذا الأمر فكرنا وارتأينا أن لا ندع هذا الأمر للرغبات الشخصية والمزاج العام، ذلك أن الوباء أثبت شيئا هاما لا تزال أغلب الأمم منشغلة بتفاصل علاج الأجساد عنه، وهو العولمة التي جعلت الأرض قرية صغيرة. فنحن نرى كل أمة منشغلة بمداواة مرضاها جسديا بمنآة عن العالم أجمع، أما علمت هذه الأمم أن الدرس الذي تأكد خلال هذه الجائحة أن العالم أصبح مترابطا أكثر من أي زمن خلا، وما ثبت بطلانه أنه يمكن لأمة من الأمم أو طائفة من الملأ أن تتمتع بقصورها العاجية في ظل غرق عامة الناس في أوحال الوباء والمعاناة. إن مرحلة الطب الدقيق أو المخصص (“Personalized Medicine” (PM) and “precision medicine”) لم يعد فعالا في مواجهة أوبئة قد تنتقل عبر نسمات الهواء أو ملامسة الأشياء.
من هنا نرى أن وجب عقد مقاربة مجتمعية تساهم في مداواة الآثار الاجتماعية والنفسية المكنونة لهذا الوباء موازاة مع جهود علاج الأضرار الجسدية الظاهرة. بل قد نتخطى الوباء لنداوي أوجاع حياتنا المعاصرة ذات السمة المتسارعة مستغلين هدوء هذا الحجر الصحي. وذلك من خلال وضع تصور على شكل برامج تستهدف أساسا أبناءنا الذي هم جوهر مجتمع ما بعد وباء كورونا المستجد والذي قد يختلف جوهريا عن مجتمعاتنا الحالية.
البرنامج المقترح
أولا: الأنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي
الحد قدر المستطاع من الاستعمال المفرط لشبكة الأنترنت لاسيما شبكات التواصل الاجتماعي. كما نقترح فتح نقاشات أسرية حول تجارب كل فرد وانطباعاته من خلال جولاته الإلكترونية. لقد خلق جو الوباء وإجراءات الحجر الصحي التي فرضتها الدول، جيشا من العاطلين المزودين بسلاح وسائل التواصل لاجتماعي، فغدا نشرهم لخزعبلاتهم وأفكارهم التافهة عملا يفخرون به. هذا يعرض ألبومه، وذلك طريقة جلوسه ووقوفه وآخر يكتب كل ما خطر بذهنه دون تمحيص، وآخر يعيد نشر ما تقع عليه عيناه من أخبار فيها الغث الكثير والسمين النادر، وتلك تعرض وصفاتها الغريبة للمطبخ والتجميل والديكور، بل هناك من يعرض أدوية للمرض دون أدنى علم له بالطب والعقاقير. في ظل هذه الفوضى ينال الأكثر براعة في عرض سلعته أغلب المشاهدات وحتما يتبعها تقليد ومحاكاة. كما أن حجم الشائعات والأخبار الزائفة (ألصق وانشر لكل من عندك في القائمة) يجعل منها مصدرا للاضطرابات النفسية والمجتمعية.
ثانيا: اللياقة البدنية والنفسية
أصبحت العديد من المجتمعات المعاصرة متسمة بالبدانة والتي تجاوزت الكبار لتصيب الناشئة في عمر الزهور. لقد غابة الثقافة الصحية في الأكل والرياضة البدنية لأسباب عدة أبرسها السرعة التي لم تبق لأفراد المجتمع حيزا من الوقت خاصة في المدن الكبرى حيث الازدحام الكبير الذي يأكل أوقات هائلة من حياة الناس. ووسائل التسلية أصبحت ألعابا إلكترونية تزيد الأزمة من حيث أضرارها الصحية على البصر والعمود الفقري، ناهيك عن الآثار النفسية كالعنف والعزلة. في المقابل وببقاء الناس لفترات طويلة في منازلهم خلد كثير منهم للراحة والفراغ والتي وإن وفرت بعض الجهد قد تقود إلى الإنغماس في العالم الإلكتروني والوقوع في إدمان يضيع الأوقات والطاقات. فينصح في هذا الوقت أن يشرف الأولياء على توفير برنامج يحافظ على اللياقة البدنية والنفسية من خلال ألعاب ذكاء كالشطرنج، ولعب التركيب، وألعاب هادفة تقوم عل تنمية الروح التنافسة الجماعية بين الإخوة مثلا وبعض الرياضات التي يمكن ممارستها في المنزل دون الحاجة لعتاد كبير. وهنا وجب على الأولياء الوقوف على وضع برنامج يناسب أعمار ومؤهلات أبناءهم. كما ننوه لوجوب وضع برنامج لمشاهدة التلفاز يشمل ثلاث فترات يومية، صباحا ، عصرا ومساءا على أن لا تتجاوز مدة كل فترة الساعة في بداية البرنامج، لتعدل بعدها إلى أقل بكثير.
ثالثا: الدراسة
مع إجراءات الحجر المنزلي الإجباري، وفرت أغلب الجامعات والمدارس بل حتى بعض الجمعيات ودور الحضانة برامج تسمح لروادها بمتابعة دروسهم عبر الشبكة العنكبوتية من البيوت. وهذا الإجراء بالغ الأهمية، ذلك أن العلم سلاح الأمم والجماعات، ولا يجوز بحال من الأحوال تعطيل الدراسة لفترات طويلة. فوجب وضع برنامج دراسي لكل طفل لنحصل على عدة اهداف:
1. محاربة الملل والنوم الكثير وتشابه الأوقات والأيام وما ينجر عن هذه السلوكيات على نفسية الأطفال وقدراتهم الفكرية والجسدية.
2. رفع المعنويات بالإحساس بالقيام بعمل ذا فائدة، ما ينمي قدرات الإبداع والتفكير السوي لدى الناشئة.
3. عدم نسيان الدروس والمهارات المكتسبة، ما يمكن المجتمع من الإنطلاق السليم بعد الجائحة.
وهنا تبرز أهمية العمل الجماعي المجتمعي، حتى لا نجد هوة بين الأفراد، طلبة وتلاميذ خاصة، من الذين وجدوا رعاية في ظل أسر واعية، وأترابهم ممن غفل أولياؤهم أو عجزوا فترك حبلهم على غاربهم وعادوا لحياتهم خوارا القوى والعزائم. فلنتصور قسما دراسيا من ثلاثين طالبا حصل ثلثهم على الرعاية التامة، فتابعوا دروسهم وسدوا ثغرات الفهم والحفظ في المقررات ليعودوا مستعدين للدراسة والتحصيل، بينما غفل الثلثين الآخرين وانغمسوا في الكسل والتفاهات، فكيف سيعامل الأستاذ الفريقين وماذا لو أجرى هم امتحانا؟ فهل عليه اعتبار ما تم تحصيله خلال فترة الحجر؟ أم نطالبه بسد الهوة التي تركها التفلت واعتياد الكسل.
رابعا: الواجبات الدينية
إن الروح عماد الإنسان والتكالف ميزته عن غيره من المخلوقات، ومن مآسي الحضارة المادية الراهنة، المتميزة بالسرعة، غفلة الناس عن حقيقة الدار الدنيا وغياب التركيز الفردي. لقد صار القيام بالواجبات الدينية في أيامنا شيئا من الطقوس الخالية من الروح، وقد سرى إلينا داء الأمم الأخرى التي جعلت الدين مؤسسة تنال منها البركات والمغفرة. فحري بنا خلال هذا الظرف العودة إلى خالقنا وإلى أنفسنا لنقف منها موقف المراجعة والتمحيص، ويكون هذا الحجر فرصة لتدارس القرآن والإكثار من نوافل الصلاة والصدقة والصيام.
خامسا: الدور المجتمعي
الإنسان اجتماعي بطبعه، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، وقد اجتاح الوباء عالمنا ومنا الفقير والمسكين والمريض والمعاق، منا من يبنال رزقه بعمل يومي وقد حال الوباء بينه وبين مصدر رزقه، وقد جعل الله البشر محتاجين لبعضهم فساق أرزاق بعضنا عن طريق بعض. من هنا وجب علينا خلال هذا الوباء ونحن نسعى لجمع الرزق والدواء لأهلنا أن لا ننسى إخوة لنا ضاق رزقهم فلنبحث عنهم من خلال العلاقات الشخصية أو المؤسسات أوالجمعيات ذات التخصص الاجتماعي ولنساهم في تخفيف حدة الوباء عليهم، فلا تحقرن من المعروف شيئا بالمال الجهد التوجيه. يمكن هنا أن نعلم أبناءنا القيام بأشغال يدوية كخياطة كمامات ووسائل وقاية حسب القدرة والإمكانيات بذلك نكفي أسرنا ونقيها الوباء، ونكفي دولتنا جزءا من جهود تصنيع أو استيراد هذه الوسائل، ومن استطاع فليتبرع بما زاد عن أسرته لإخوانه أو للجمعيات والمؤسسات التي تحتاجها.
سادسا: الحجر المنزلي والوقاية
علينا دائما الالتزام بأقصى درجات الحيطة واتباع تدابير السلامة كوضع الكمامات وتجنب المناسبات والتجمعات. كما يتوجب الاستعمال الجيد لمواد التنظيف والتعقيم لنكون قدر الإمكان مصدرا للطهارة والصحة، لا وسائل لنشر الوباء والعياذ بالله. وهنا ننصح بوضع برنامج أسري لأوقات النوم والاستيقاظ والوجبات لكسر الروتين وحفظ قدر من الإنظباط فمجتمع جديد وحياة مختلفة تنتظرنا بعد الحجر.
خاتمة
هذا المقال هو محاولة لسبر أغوار الحجر الصحي وميزاته ومميزاته، أردنا من خلاله المساهمة ببعض الأفكار والتأملات التي يمكن اعتبارها بذورا تنمى بالإثراء والنقاش من طرف أصحاب المؤهلات الفكرية والتنظيمية، للخروج بحل جماعي مجتمعي يقودنا لمواجهة الأزمة بجبهة واحدة موحدة ومتماسكة.
لقد قسمت التصور إلى ستة نقاط رأيتها ضرورية للغالبية الساحقة من افراد مجتمعنا ذلك ان العولمة صنعت منا قوالب تشترك في أغلب هذه النقاط ولو من زوايا متعددة، فمن منا لا يستعمل الأنترنت أو التلفاز، ومن منا لا يرى نفسه مسؤولا عن أسرته ومجتمعه وأمته
أتطلع إلى جهود مستقبلية مني ومن غيري من أولي الإختصاص لإثراء هذه النقاط كل منها على حدى في موضوع مستقل، ذلك أن اهتمامي الشخصي متجه للتربية والتعليم في ظل التكنولوجيات الحديثة، ما يجعل تناولي للنقاط الثلاث الأول أكثر فعالية ونجاعة وربما هو ما دفع بي لهذا الترتيب العفوي للأفكار. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

عن المحرر

شاهد أيضاً

قراءة في كتاب”لا بطعم الفلامنكو “

أ. غنية حشايشي / باللهجة المصرية الحلوة يقدم لنا الدكتور محمد طه خلاصة تجربته في …