الرئيسية | في رحاب الشريعة | متى يتـــعــظ البشــــر وفي محنـــة الوبـــاء والبـــلاء آيـــات وعبـــر

متى يتـــعــظ البشــــر وفي محنـــة الوبـــاء والبـــلاء آيـــات وعبـــر

الشيخ محمد مكركب أبران /

أعجب أمر الإنسان الغافل الساهي، عندما يتيه في غابة الشهوات، وعندما تتلاعب به الدنيا بين مناصب المسؤوليات، ومكاسب الشبهات، وحين ينسلخ عن الآيات البينات، وينسى يوم اللقاء يوم لا ينفع الندم ولا البكاء، ولا التوبة ولا الدعاء، يوم السؤال عن المال والوظيفة والشباب والعمر، فمتى يتعظ البشر؟.
فانظر كيف يغر الشيطان ويُنْسِي الحاسدين المتكبرين أصلهم وحقيقتهم حتى إنهم لَيُلْقُون بأنفسهم في النّار حسدا من عند أنفسهم، واحتقارا لإخوانهم من البشر، وهم لا يشعرون، وينسون أنفسهم، وهم في سكرة العجب ساهون، فاسمع وتدبر كيف أن نوحا عليه الصلاة والسلام يدعو قومه إلى الإسلام، وهم يعلمون أن دعوته حق، ولكن استكبارهم منعهم، فَعَلَّلُوا ذلك الإعراض فقالوا كيف نتبعك ومعك هؤلاء الفقراء. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ. وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ. فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ. قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ.﴾ (الشعراء:105 ـ 111).
وهذا مثل لمن يُسمون غلطا بالدول الكبرى، كيف ينظرون إلى الشعوب المستضعفة باحتقار وازدراء، ويصنفون أنفسهم بأنهم سادة العالم وقادته وما على الدول الفقيرة إلا أن تتبع وتخضع.
كما أن الغافلين هم كالمستكبرين يصيبهم البلاء أو الوباء، ويشتد عليهم الامتحان، وتحيط بهم المصائب من كل مكان، ولا يجدون إلا الله يدعونه مخلصين له الدين، من شدة الرعب والفزع، يظهرون التوبة والولاء، لخالق الأرض والسماء، فإذا ما انتهى الامتحان ونزلت رحمة الرحمن بالأمن والأمان عاد المعيدون إلى ما كانوا عليه من البغي والطغيان، وازدادوا تيها في مَفَاوِزِ الضلال والعصيان، وكأنهم ما رأوا بلاءً، ولا ذَاقُوا وَبَاءً، ولَا زَلْزَلَةً وَلَا خَطَرْ، فمتى يتعظ البشرْ؟.
في محنة الوباء دروس وتجارب غالية الثمن، فمن النّاس من يتعظ ويستفيد، ومنهم الغبي والبليد، ومنهم من يكون في غفلة فإذا هَزَّتْهُ رَجْفَةُ البلاء استيقظ ضَمِيرُهُ وتاب إلى ربه توبة نصوحا، وجدد حياته وفق الْمُقْتَضَى والمطلوب، وهؤلاء هم المستفيدون. وقد أخبرنا الله تعالى عن المتقين أنهم إن صدرت منهم هنات عن غير عمد، أو غلطات بغير قصد، فإذا تذكروا تابوا.﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (الأعراف:201).
إنّ المؤمنين المتقين، إذا ألمَّتْ بهم وسوسةٌ من الشيطان، تذكّروا أن ذلك الخطأ من إغواء الشيطان، وعند ذاك يبصرون الحق ويرجعون إلى طريق الحق. أما الكفار، فإن الشياطين تزيدهم ضلالا بالوسوسة، والبلاء يزيدهم إصرارا على دس رؤوسهم في الغفلة، ومن ثم يستمرون في طريق الباطل.
الملاحظة الأولى:تِسْعُونَ بالمائة من الاستعدادات لمختلف الابتلاءات العامة، أو كما يسميها السياسيون (الكوارث) يمكن بل يجب أن تُعَدَّ وَسَائِلُهَا مُسْبَقًا على الدوام، للتعامل مع المحن العامة كالفيضانات مثلا، والحرائق، والأوبئة، وكل أنواع الأزمات الاقتصادية، بل والحروب المتوقعة، والاستعداد الحقيقي لكل هذه، المصائب لهو التخطيط الحقيقي بعينه، وإلا فلا. أما الذين لا يتحركون إلا عندما تحل بهم المصائب العامة، فهؤلاء ليسوا في مستوى الفكر الإنساني، أو قل ليسوا في مستوى المنصب. والقدرات التسييرية في الإدارة ليست بكثرة العدد، كما تظن العامة، أو كما يظن أهل التسيير التقليدي، إنما القدرة على التسيير واحتواء الأزمة، يكون بالفن المطلوب، والحكمة اللازمة، بالخريطة المحكمة. ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف:55).
الملاحظة الثانية: مما يخص الأطباء والصيادلة، وكل الأساتذة الجامعيين، بل وفي كل المجالات الحيوية للدولة فالإعداد والاستعداد الحقيقيان على ثلاثة مستويات وكلها تسير بالتوازي على الدوام، مستوى الرتابة العادية في الإنتاج والتجهيز، مستوى حفظ موارد العيش، مستوى التوقعات المستقبلية. وكمثال كعلامة على صحة المستوى الثاني والثالث، أن تكون كل أجرة لأي موظف لها مصدرها الإنتاجي الحقيقي في الوطن مهما كانت الظروف، وهذا هو سر الشعوب التي قفزت وثبات عملاقة نحو التقدوم.
ومن الدروس: أن يكون في كل البلدان العربية المسلمة أكاديميات البحث العلمي، وهذا التذكير ليس بسب وباء كورونا، فبالمناسبة يوجه الشكر والتقدير والاحترام لكل الأطباء الجزائريين على ما قاموا به من البذل والتضحية في مكافحة وباء كورونا كوفيد: 19. إنما هذا النقد قدمناه منذ عقود، ولكننا نعيده تذكيرا بمناسبة دروس الاعتبار من هذا البلاء والوباء، سنة: 2020م أجدد وبإلحاح هذا النقد لأنفسنا خاصة نحن معشر الجزائريين، في جزائر العلماء والشهداء.
إنّنا في الجزائر بالإمكان بفضل الله -عز وجل – أن نكون فوق هذا المستوى بكثير، بل وبالإمكان أن نكون في مقدمة الدول المتقدمة تقنيا واقتصاديا ودفاعيا، كل ذلك بإنتاج أيدينا، مما وهبنا الله في أرضنا وفي مصانعنا ومزارعنا، ومن مناجمنا وأنهارنا وشواطئنا وصحرائنا، ومن يظن أننا إن أخلصنا النية لوطننا وأمتنا، وكانت الإرادة السياسية تامة وبإجماع المسئولين، حينذاك من يقول: لا نستطيع، فيكون كمن قال في عهد الاحتلال الفرنسي، لا نستطيع إخراج الجيش المحتل منهزما.
ثمّ في ميدان الصحة بالذات وهذا من مسئولية الإدارة العامة، والأطباء، والإعلام معا. لماذا لم يحدد ويوحد ويسدد مِنْبَرُ التوجيه الصحي، لماذا لم يعلن بصفة رسمية لكل من له قدرة علمية على التوجيه الطبي أن يتصل بالمنبر المخصص لذلك، وإن تسرب تصريح، كان يجب أن يؤتى بذلك التصريح وعن طريق الأطباء المختصين وأن يناقشوه ويبينوا للعامة ما فيه من الصحيح وما فيه من الارتجال، والذي يحتاج إلى دراسة واستدلال.
الملاحظة الثالثة: اجتناب فوضى الأخبار، بالتزام الصدق، والتوضيح في نشر المعلومات والأخبار، واجتناب التهوين أو التهويل، فأخبار يلاحظ عن بعض الهامشيات تُكَرَّر بالمئات، وبعض الأساسيات لا يلقى لها بال. وأغلب هذه الأخطاء البشرية نرتكبها نحن البشر في الغالب بسبب عدم رؤية أنفسنا، وعدم طلب النصح العلمي لأعمالنا، وأحيانا عدم الإخلاص للخدمة، وعدم احترام المستفيدين من الخدمة. وكثير من قنوات الإعلام، تسلك سلوك التجار، فتقدم الأخبار بميزان الاحتكار، وبطريقة الإشهار، ليس من أجل إفادة المشاهدين ولكن من أجل كثرة عدد المشادين، وهذا الأسلوب منذ صار تقويم وتثمين القنوات والبرامج بعدد المشاهدين، لا بنوعية المتابعين.فصارت العبرة في الإعلام بالكم على طريقة البراحين، لا بالكيف وفق منهاج المصلحين.
الملاحظة الرابعة: نحن جميعا معشر المواطنين. تبين من خلال التعامل مع وباء كورونا رغم وقفة الشعب الجزائري، الوقفة التضامنية الشجاعة، وخاصة الشباب الجزائري الواعي في مواقف التكافل الاجتماعي، وقفة الجهاز الحكومي والسلطة السياسية، وهذه نقطة إيجابية تسجل لصالح الشعب الجزائري بما فيه من الجمعيات الوطنية وعلى رأسها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. إلا أن الملاحظة في جوانب أخرى منها:1 ـ أخطاء في نظام الحجر الصحي، من حيث التأخر عن الوقت المناسب. 2 ـ من حيث النقص في انضباط المواطن. 3 ـ من حيث عدم تحديد المناطق الجغرافية للحجر الصحي. 4 ـ من حيث التقصير في البحث العلمي.

عن المحرر

شاهد أيضاً

وثيقة الدستور وما يقتضيه التبيان في توثيق الأمور

الشيخ محمد مكركب أبران/ مما دأبت عليه المجتمعات وهو أساس، ومن ضروريات الحياة المجتمعية في …