الثلاثاء 16 ذو القعدة 1441ﻫ 7-7-2020م

وقفات بعد شهر رمضان

د. يوسف جمعة سلامة* /

أخرج الإمام الترمذي في سننه عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أصْبعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ).
وَدَّعنا قبل أيام ضيفنا الكريم شهر رمضان بعد أن مَرَّ بنا سريعاً، مَر َّبخيراته وبركاته، مضى من أعمارنا وهو شاهدٌ لنا أو علينا، شاهدٌ لِلْمُجِدِّ بصيامه وقيامه، وعلى المُقَصِّر بغفلته وإعراضه، ولا ندري هل سندركه مرة أخرى، أم يحول بيننا وبينه هادم اللذات ومفرّق الجماعات، فسلام الله على شهر الصيام والقيام.
فمنذ أيام غادرنا شهر رمضان، شهر القرآن والإيمان ، فودَّعه المؤمنون بقلوب يملؤها الحزن العميق، ونفوسٍ يعتصرها الألم على فقده وفراقه وَبُعْدِه، والمؤمنون يتمنون أن يكون رمضان العام كلّه، لما يعلمون فيه من الخير والبركة، وغفران الذنوب والرحمة، وصلاح القلب والأعمال.
مضى وانقضى شهر الخيرات والبركات، شهر رمضان المبارك، والناس قسمان: منهم من أطاع ربه وخاف يوم الوعيد، فهنيئاً له، وله عند الله المزيد، ومنهم من عصى ربَّه ، وقَصَّر في طاعته، ونسي يوم الوعيد {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ}، هذا الصنف من الناس ندعو الله لهم بالهداية والرشاد، والتوبة الصادقة قبل الممات {يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ* إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بقَلْبٍ سَلِيمٍ}.
الاستمـــرار فـــي الطاعــــات
إن الثبات والاستمرار على الطاعة من أخلاق المؤمنين، فقد كان نبينا –صلى الله عليه وسلم – يدعو قائلاً: (يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)، ومن دعاء الرَّاسخين في العلم: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}، أي لا تزيغ بعد الهداية، ولا تنحرف بعد الاستقامة، لذلك كان رسولنا -عليه الصلاة والسلام – يَحُثّ المسلمين على وجوب الاستمرار في الطاعات لقوله –صلى الله عليه وسلم-: «أَحَبُّ الأَعمَالِ إِلى اللهِ أَدوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ».
ومِمَّا يُؤْسَفُ له أن بعض المسلمين الذين حافظوا على الطاعات خلال شهر رمضان المبارك من صلاة وصيام وصدقات وتلاوة للقرآن الكريم، قد هجروا المساجد وانقطعوا عن الطاعات، ومن المعلوم أن راحة المؤمن في طاعة ربه، وأن عمله لا ينقضي حتى يأتيه أجله، لذا أمرنا الله سبحانه وتعالى بوجوب الثبات على الطاعات والخيرات: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}.
نفحات الخير لا تنقطع
لقد مضى هذا الشهر المبارك، وَسُنَّةُ الله تعالى في هذه الحياة الدنيا تعاقب الليل والنهار، وهكذا الحياة شهر يعقبه شهر، وعام يخلفه عام، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ}.
إن نفحات الخير تأتينا نَفْحَةٌ بعد نَفْحَةٌ، فلئن انقضى صيام شهر رمضان فإن المؤمن لن ينقطع عن عبادة الصيام، وإذا ما انتهينا من أداء الصلوات المفروضة تأتي النوافل المتعددة المذكورة في كُتُبِ الفقه، ولئن أَدَّينا الزكاة المفروضة فإن أبواب الصدقات النوافل مفتوحة طيلة العام، ولئن أدينا فريضة الحج فإن أداء العمرة مُيَسَّرٌ طيلة العام، وهكذا الخير لا ينقطع وهذا فضل من الله ونعمة.
إنّ آخر يوم من رمضان يعقبه أول يوم من أشهر الحج! وهذا معناه أننا نخرج من فريضة الصوم لندخل في فريضة الحج ، فنحن ننتقل من عبادة إلى عبادة، وإن شئتَ فقل: نتقلب في العبادات، وذلك علامة واضحة على عبوديتنا الكاملة لله عز وجل، وهو أمرٌ يحتاج إلى تدبر وتفكر!
نصائح وتوجيهـات
لقد اعتاد كثيرٌ من المسلمين أن يَلْزَموا جَانِبَ التقوى في شهر رمضان المبارك، ويرتدعوا عن المعاصي والآثام، ويواظبوا على الصلاة وشهود الجماعات، ولكنّ هذه الظاهرة الإيمانية وللأسف تنعدم وتتلاشى عند البعض بمجرد انقضاء هذا الشهر المبارك، فقد ورد أن بعض الصالحين سُئِلَ عن رأيه فيمن يتعبدون في شهر رمضان ثم يعودون بعده إلى العصيان؟ فقال: هم بئس القوم، لا يعرفون لله حقاً إلا في شهر رمضان، وذلك دليل على انطماس البصيرة واستحكام الغفلة في قلوبهم وجهلهم بعذاب الله، وأمنهم مَكْرَه ولا يأمن مكر الله إلا القوم الفاسقون.
لذلك فإننا ننصح أحباءنا وإخوتنا إلى ضرورة الابتعاد عن الأخطاء المنتشرة بين بعض المسلمين بعد انقضاء شهر رمضان المبارك، ومنها:-
– هجر تلاوة القرآن الكريم، حيثُ كنَّا نتسابق في الإكثار من قراءة القرآن الكريم خلال شهر رمضان المبارك ، لذلك يجب علينا المواظبة على قراءة القرآن الكريم وَتَدَبُّره ؛ لأنه حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم.
– ترك الصلاة ومعاودة المعاصي بعد رمضان، فهذا لا يجوز، فالمسلم يجب أن يكون رَبَّانِياً وليس رمضانياً، وعبادة الله واجبة في كل وقت {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}، فالواجب علينا أن نواظب على طاعة الله ورسوله في كل وقت، فإن الله يُحب من العمل أدومه وإنْ قَلَّ، فإياك يا أخي القارئ أن تنقطع عن العبادة بعد رمضان، فهذا ما لا ينبغي، أما أن يكون لك في رمضان حَظٌّ من العبادة والتلاوة، ثم بعد ذلك تهجر العبادة والمصحف إلى رمضان القادم، فهذا ما لا يليق بمسلم.
– هجر المساجد بعد رمضان، فهذا خطأ كبير، فَرَبُّ رمضان هو رَبُّ شوال، ومن المؤسف أن يحصل عقب رمضان لبعض المسلمين ضعفٌ في الخير وَشُغْلٌ عن الطاعة وانصرافٌ للَّعب والراحة، فلقد وهنت الهِمَم وفترت العزائم وقلّ رُوّاد المساجد، وليعلم الجميع بأن الطاعات والمسارعة فيها ليست مقصورة على رمضان ومواسم الخير فحسب، بل عامة في جميع الأوقات، لذلك يجب على المسلمين أن يحرصوا على صلاة الجماعة في المساجد في كل زمان ومكان.
-ترك أعمال الخير والبرّ وفعل الخيرات بعد شهر رمضان، فينبغي عليك أخي المسلم أن تحرص على الاستمرار في أعمال البرّ والخير وأن تكون دائماً مِمّن يُسارعون إلى الخيرات ويدعون غيرهم إلى ذلك، ولئن انتهت صدقة الفطر فهناك أبواب كثيرة للصدقة والتطوع، فالأعمال الصالحة مشروعة في كل زمان ومكان، ومن المعلوم أن المجتمع الإسلامي مجتمع قوي بتماسك أفراده وتعاونهم على البرّ والتقوى، فالغنيّ يعطف على الفقير والقويّ يساعد الضعيف فهم كالجسد الواحد، لذلك فإننا نُذَكِّر أحباءنا بأنَّ أبواب الخير كثيرة والحمد لله، منها: تبسمك في وجه أخيك صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، واسقاؤك الماء على الماء صدقة، وإصلاحك بين المتخاصمين صدقة، ورسم البسمة على الشفاه المحرومة صدقة، ومن أفعال الخير مساعدة المحتاج وإغاثة الملهوف.
نداء لمن قَصَّر في رمضان
نقول لِكُلِّ من فَرَّطَ وقَصَّر أو ضاع منه شهر رمضان: لا تيأسْ من روح الله سبحانه وتعالى ولا تقنط من رحمته، فربك الغفور ذو الرحمة لكل من تاب إليه وأناب، فارفع يديك إليه وتضرع بين يديه، وأكثر من الاستغفار والدعاء، فإن الله غفَّارٌ لمن تاب وعمل صالحاً ثم اهتدى.
وعلينا أن نتذكر دائماً قول الله تعالى:{لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}، وقوله سبحانه وتعالى أيضا: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ}، فأين هذا من أولئك الذين ينسون الله سائر العام، ولا يذكرونه إلا في شهر رمضان، ويعصونه ويكفرون نعمه، ويجحدون فضله أحدَ عشر شهراً، ثم يَمُنُّونَ على ربهم أن عبدوه شهراً واحداً، هذا جهل وتفريط، جهل بحق الله على عباده، وتفريط بواجبهم نحوه سبحانه وتعالى.
تقبل الله منا ومنكم الطاعات، ونسأله سبحانه وتعالى أن يُعيد علينا شهر رمضان القادم باليُمْن والخير والبركات، وقد جمع الله شملنا وَوَحَّدَ كلمتنا وأَلَّفَ بين قلوبنا، إنه سميع قريب.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مكانـة فلسطيـن في الإسلام

د. يوسف جمعة سلامة* / تتعرض بلادنا المباركة فلسطين بصفة عامة، ومدينة القدس والمقدسات بصفة …