أخبار عاجلة
الرئيسية | كلمة حق | يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ…

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ…

أ د. عمار طالبي /

هذه الآية وردت بأخذ الحذر من العدو في الحرب، والعدوان، ونحن اليوم نشاهد حرباً ضد عدوّ خفي جديد، فمن الضروري أن نأخذ جميعاً حذرنا من عداوته، وعدواه، فإنه شديد الانتقال من فرد إلى آخر، أو من جماعة إلى أخرى، ويهتك خلايا الجسم، ويأتي على جهاز التنفس، ويصعب علاجه، لأنّ العلم لم يصل إلى اليوم إلى دواء فعال يقضي عليه، أو لقاح يبيده من جسم الإنسان.
وقد تقدم العلم فيما يسمى بالطب الوقائي، الذي يسميه الأطباء القدماء عندنا في تاريخ العلم الطبي «بحفظ الصحة»، وقد ألف فيه علماؤنا مؤلفات كثيرة، منها كتاب «الكليات في الطب» لابن رشد، الذي يشتمل على كتاب حفظ الصحة، وترى مثلا ابن أبي زيد البلخي (ت 322ه) يؤلف كتابا سماه «مصالح الأبدان والأنفس»، ولذلك تولّت منظمة الصحة العالمية نشره، بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وهو أول كتاب يربط بين الصحة البدنية والصحة النفسية، ونظر إلى البدن والنّفس معا على أنّهما وحدة متكاملة، وأن حفظ الصحة يشملهما معا، ومن مقاصد الإسلام أن يحفظ الإنسان بدنه، وعقله، ووجدانه، وأنه يتحمّل مسؤوليته في هذا كلّه، فقد ورد في الحديث الذي رواه البخاري في الجامع الصحيح: «فإنّ لجسدك عليك حقا»، وقوله: «وهل أنزل الله من داء في الأرض إلاّ جعل له شفاء»[مسند أحمد 5/371].
وجه الإسلام النّاس إلى الطهارة الفردية والعامة، في تكرار الوضوء، والغسل، وتنظيف السبيلين، وطهارة الماء المستعمل في الشرب، والطهارة، والحض على السواك، وهو من أرقى الوسائل الطبية في وقاية الأسنان واللثة، والسواك مأخوذ من شجر الأراك.
وأكد الإسلام غسل اليدين في مناسبات عديدة، عند الاستيقاظ من النّوم، وقبل الطعام وبعده، وسنّ سنن الفطرة مثل إزالة شعر الإبط، والعانة، وتقليم الأظافر، ومن ذلك عدم الإسراف في الأكل، والاعتماد على الأطعمة النّافعة، لذلك قال تعالى: ﴿..كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا..﴾[الأعراف/31]، وأوصى بسُنّة تغطية أوعية الطعام والشراب، وأوانيها، فقد ورد في الحديث: «غطوا الإناء، وأوكئوا السقاء، فإنّ في السنة ليلة، ينزل فيها وباء، ولا يمرّ بإناء ليس عليه غطاء، وسقاء ليس عليه وكاء، إلاّ وقع فيه من ذلك الداء»[أخرجه مسلم 3/1596]، وأمر بنظافة المسكن، والطريق، وموارد المياه.
ومن ذلك ما هو في غاية الأهمية في وقتنا الراهن، وهو الوقاية من الوباء، والطاعون، ومنها ورد في الحديث النبوي الشريف: «فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرار منه»[أخرجه مسلم 4/1737]، وحرّم الله كلّ ما يضرّ الجسم، والعقل، من الخمر، والمخدرات، والميتة، والدم، ولحم الخنزير، وحرّم الزنا، واللواط، لما ينتج عنهما من أمراض في أعضاء التناسل، كالإيدز وغيره، وأوصى أبو بكر الرازي الطبيب بالعناية بالصحة النّفسية فقال: «يجب على الطبيب أن يوهم المريض أبدا بالصحة، ويرجّيه بها، وإن كان غير واثق بذلك، فمزاج الجسم تابع لأخلاق النّفس»، واشتمل كتابه: «الحاوي»: «جميع ما يحتاج إليه المتطببون من حفظ الصحة، ومداواة الأمراض، والعلل التي تكون بالتدبير، والأغذية، وعلاماتها»، وتكلم على الأهوية، والماء، والأغذية، والشراب، والنوم، والحمّام، والرياضة، وقسم البلخي كتابه: «مصالح الأبدان والأنفس» إلى قسمين: قسم مصالح الأبدان، وقسم مصالح الأنفس، وأن أصلح الطعام في عصره: الحبز، واللحم، والحبوب، وتكلّم على الأعراض النفسانية من الفزع، والغضب، والخوف، والحزن، والجزع، والوساوس، ومعالجتها.
وهناك تراث كامل غني في هذه الجوانب كلها.
فقد اجتمع الدين والعلم الطبي واقترنا في هذا المجال، والحذر في قوله تعالى: ﴿..خُذُوا حِذْرَكُمْ..﴾ يشير قوله «خذوا» إلى شدة الأخذ بالحذر، وقوله تعالى: ﴿..وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ..﴾[البقرة/195]، وهو واضح في أن لا يقدم الإنسان على ما فيه هلاك له في الجسم أو في النفس، وإن كانت الآية واردة في عدم الإنفاق في الحرب.
ولكن نجد كثيراً من النّاس مع الأسف الشديد هذه الأيام، لا يلتزمون الإجراءات الوقائية التي أُمروا بها من قبل الأطباء وقادة السياسة الصحية، في البلاد، فينبغي أن ننشر الثقافة الصحية ونفقهها، وحفظ الصحة من خلال علوم الطب، وقد تقدمت هذه العلوم، فهي غنية بوسائل حفظ الصحة، والنهي عن كلّ ما يضر بها، والعاقل لا يُقدم على ما يضره، ويضر غيره. إننا ندعو إخواننا المواطنين والمواطنات جميعاً، أن يراعوا هذه الوسائل الوقائية، وأن يلتزموا بها في وقت عم فيه بلاء الوباء، العالم كله.
نسأل الله أن يعيننا على أنفسنا، وأن يهدي الذين يظلمون أنفسهم وغيرهم بعدم الالتزام، وأن يتقوا الله في الحفاظ على صحة أبدانهم وأرواحهم.

عن المحرر

شاهد أيضاً

هل أمريكا آيلة إلى الانقسام؟

أ د. عمار طالبي/ يبدو من تصرف الرئيس الأمريكي من التشكيك في الانتخابات، إذا طرأ …