الأثنين 15 ذو القعدة 1441ﻫ 6-7-2020م
الرئيسية | في رحاب الشريعة | معالجات إسلامية | العيد… فرحـة للصائميـن وصلـة للأرحـام

العيد… فرحـة للصائميـن وصلـة للأرحـام

د. يوسف جمعة سلامة* /

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد –صلى الله عليه وسلم -، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدين، أما بعد:
استقبل المسلمون عيد الفطر المبارك بعد أن وفقهم الله سبحانه وتعالى لطاعته خلال شهر رمضان المبارك، حيث صاموا نهاره وقاموا ليله طاعة لله سبحانه وتعالى، فقد ودَّع المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها شهر الخير والبركة، شهر البرِّ والإحسان، شهر رمضان المبارك، بعد أدائهم الطاعات خلال هذا الشهر الفضيل، حيث حَزنوا على فراقه، كما قال الشاعر:
سلامٌ من الرحمنِ كــــــلَّ أوانِ
على خيرِ شهرٍ قد مَضَى وزمــــانِ
سلامٌ على شهرِ الصيـــــــامِ فإنّـه
أمانٌ من الرحمنِ أيُّ أَمَــــــــــانِ
لَئِنْ فَنِيَتْ أيَّامُك الغُرُّ بَغْتَــــــــــةً
فَمَا الحُزنُ من قلبي عليك بفَانِ
لقد صمتم –يا أحبة الله – رمضان إيماناً واحتساباً، وصليتم لله قانتين، وعبدتموه خاشعين،
وأديتم زكاة فِطْركم ، فلم يبق صيامكم مُعَلّقاً بين السماء والأرض، بل رُفع إلى مقام القبول إن شاء الله، وأنتم اليوم نفوسكم مزكَّاة وأرواحكم طاهرة، وأجسامكم في صحة وعافية؛ لأن الصيام منحكم كل ذلك ، وقوَّى فيكم الإيمان واليقين.
فهنيئاً لمن أخلص في تجارته مع مولاه في هذا الشهر الفضيل، وأحسن المعاملة مع خلقه، وضاعف الله له الثواب والأجر العظيم بجنةٍ عرضها السموات والأرض أُعِدّت للمتقين، الذين ينفقون في السَّرَّاء والضَّرَّاء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين، وهنيئاً لمن قام رمضان إيماناً واحتساباً، فغفر الله له ما تقدم من ذنبه، ورحم الله القائل:
غَداً تُوَفَّى النفـــوس ما كسبــــتْ
ويحصدُ الزّرّاعون مَا زَرَعُـــــــوا
إن أحسنوا فقد أحسنوا لأنفسهم
وإن أساؤوا فبِئسَ مَا صَنَعُــــــوا
وبهذه المناسبة الكريمة يطيب لنا أن نتقدم بأسمى آيات التهاني والتبريكات من الأمتين العربية والإسلامية بحلول عيد الفطر المبارك، سائلين الله العليّ القدير أن يجعله عيدَ خيرٍ وبركة على الأمتين العربية والإسلامية، كما نسأله سبحانه وتعالى في هذه الأيام المباركة أن يحفظ أمتنا من كل سوء، وأن يجمع شملها ويوحد كلمتها، إنّه سميع قريب.
هنيئاً للصائمين يوم الجائزة
في صباح يوم العيد تُوزع الجوائز الإلهية على الصائمين، حيث يُمنحون أجورهم، ويرجعون إلى أهلهم مغفوراً لهم.
نعم جاء العيد، ليفرح فيه المؤمنون الصائمون، يفرحون شكراً لله سبحانه وتعالى الذي وفقهم لصيام نهاره وقيام ليله، كما جاء في الحديث الشريف: (ولِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ)، والله عزَّ وجل يُقَدِّمُ لعباده المؤمنين الذين صاموا نهار رمضان حقَّ الصيام، وقاموا لَيلَهُ حقَّ القيام، جائزة التوفيق في أعمالهم، كما جاء في الحديث الشريف أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: (إذَا كَانَ يَوْمُ الْفِطْرِ وَقَفَتِ الْمَلائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ الطُّرُقِ، فَنَادَوْا: اغْدُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى رَبٍّ كَرِيمٍ، يَمُنُّ بِالْخَيْرِ، ثُمَّ يُثِيبُ عَلَيْهِ الْجَزِيلَ، لَقَدْ أُمِرْتُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَقُمْتُمْ، وَأُمِرْتُمْ بِصِيَامِ النَّهَارِ فَصُمْتُمْ ، وَأَطَعْتُمْ رَبَّكُمْ، فَاقْبِضُوا جَوَائِزَكُمْ، فَإِذَا صَلَّوْا، نَادَى مُنَادٍ: أَلا إِنَّ رَبَّكُمْ قَدْ غَفَرَ لَكُمْ، فَارْجِعُوا رَاشِدِينَ إِلَى رِحَالِكُمْ، فَهُوَ يَوْمُ الْجَائِزَةِ، وَيُسَمَّى ذَلِكَ الْيَوْمُ فِي السَّمَاءِ يَوْمَ الْجَائِزَةِ).
هنيئًا لمن صام رمضان حقَّ الصيام وقام ليله حقَّ القيام.
هنيئًا لمن واظب على الطاعات والقُربات واجتنب المعاصي والموبقات.
هنيئًا لمن رسم البسمة على شفاه الأيتام والفقراء والمحتاجين.
هنيئًا لمن بَرَّ والديه ووصل رحمه وأحسن إلى جاره.
هنيئًا لمن عقدَ العزم على الاستمرار في طاعة الله عز ّوجلّ.
ومن السنة أن تقول لأخيك المسلم يوم العيد مُهَنّئاً: (تَقَبَّلَ الله منَّا ومنكم الطاعات، وكل عام وأنتم بخير).
صــومُ الستّ من شـــوال
شُرِعَ الصومُ بعد شهر رمضان لما ورد في الحديث عن أبي أيوب الأنصاري –رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم – قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ»، كما رُوِيَ عن ثوبان أن الرسول–صلى الله عليه وسلم – قال: «مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ، كَانَ تَمَامَ السَّنَةِ، مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ ، فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا»،كما رُوِىَ عنه أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم – قال: («صِيَامُ شَهْرٍ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَسِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَهُنَّ بِشَهْرَيْنِ، فَذَلِكَ تَمَامُ سَنَةٍ «، يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ، وَسِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَهُ).
وفي الأحاديث السابقة دليل على استحباب صوم الأيام الستة بعد اليوم الذي يُفْطر فيه الصائم وجوباً وهو يوم عيد الفطر، والمتبادر في الاتِّباع أن يكون صومها بِلاَ فاصلٍ بينها وبين صوم رمضان سوى هذا اليوم الذي يَحْرُمُ فيه الصوم، وإن كان اللفظ يحتمل أن تكون الستة من أيام شوال، وعلى ذلك يجوز صيامها متتابعة من اليوم الثاني إلى آخر السابع فمن يفعل ذلك فقد أتى بالأفضل، وإذا صام المسلم الأيام الستة مجتمعة أو متفرقة في شوال في غير هذه المدة كان آتياً بأصل السنة.
وخلاصة القول: صوم الستة من شوال مستحبٌ بعد اليوم الأول منه، ومن الأفضل أن يكون الصوم لها متتابعاً في شوال، ويجوز أن يكون متفرقاً فيه.
العيد… وصلة الأرحام
لقد اهتم ديننا الإسلاميّ بصلة الأرحام وحثَّ عليها، وَأَكَّد على ضرورة المحافظة عليها والعناية بأمرها، حتى جعلها مرتبة متقدمة من مراتب الإيمان بجانب برّ الوالدين، وجاءت الوصية بها أيضاً بعد تقوى الله عزَّ وجلَّ، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}، كما حثَّت السنة النبوية الشريفة على فضل صلة الأرحام وَحُسْنِ الاستمساك بها، لما يترتب على ذلك من سعة في الرزق وطول في العمر وسعادة في الدنيا ونعيم في الآخرة.
وفي العيد يظهر الناس وقلوبهم متحابة وصدورهم متصافية وأيديهم متصافحة، فتبدو أخوة المسلمين كأقوى رابطة وأوثق صلة، إذ العيد في الإسلام مناسبة طيبة لجمع الشمل وصفاء القلوب واجتماع الإخوة ووسيلة للتعارف وصلة الأرحام.
وقد بيّن رسولنا –صلى الله عليه وسلم – أن صلة الرحم ليست قاصرة على الأقرباء الذين يصلونك ويزورونك، فهذه تُعَدُّ مكافأةً لهم على زياراتهم، ولكنّ الصلة الحقيقية الكاملة ينبغي أن تشمل جميع الأقرباء حتى القاطع منهم، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً، أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ، وَلا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ، مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ)، حيث يُؤكد – عليه الصلاة والسلام – في الحديث السابق أنّ صلة الرَّحم تعنى أن تصل جميع الأرحام حتى الرّحم التي قطعتك، أو قصّرت معك، أو أساءت إليك، فليس الواصل بالمكافئ.
لذلك يجب على المسلمين أن يصلوا أرحامهم، وأن يتناسوا زلاتهم، وما قصة أبي بكر الصديق –رضي الله عنه – مع قريبه مسطح بن أثاثة عَنَّا ببعيد، فقد كان أبو بكر –رضي الله عنه- يُنفق على مسطح بن أثاثة لمسكنته وقرابته، فلما وقع أمرُ الإفك وقال فيه مسطحٌ ما قال، حلف أبو بكر أَلاَّ يُنفق عليه ولا ينفعه بنافعةٍ أبداً، فأنزل الله سبحانه وتعالى قوله: {وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، فقال أبو بكر: والله إني لأحبُّ أن يغفر الله لي، فرجع إلى الإنفاق على مسطح كما كان يُنفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً.
هذه هي تعاليم ديننا الإسلامي، فعلينا أن نَتَمَسَّك بها، فهي سبيل السعادة في الدنيا والنَّجاة في الآخرة.
نسأل الله أن يتقبل منّا ومنكم الطاعات، وكل عام وأنتم بخير
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

* خطيب المسـجد الأقصى المبـارك
وزير الأوقاف والشئون الدينية السابق
www.yousefsalama.com

عن المحرر

شاهد أيضاً

مكانـة فلسطيـن في الإسلام

د. يوسف جمعة سلامة* / تتعرض بلادنا المباركة فلسطين بصفة عامة، ومدينة القدس والمقدسات بصفة …