الثلاثاء 16 ذو القعدة 1441ﻫ 7-7-2020م
الرئيسية | اتجاهات | علـــم وعلمــــاء وفــتــــــاوى

علـــم وعلمــــاء وفــتــــــاوى

عبد العزيز كحيل /

علماء الدين هم منارات الهدى ومصابيح الدجى، والفتوى أمر أساسي في حياة المجتمع المسلم، وطلبة العلم الشرعي مورد بشري ثمين، لكن زماننا اختلطت فيه الأمور.
مُفتون ومستفتون
في كلّ مدينة من مدننا يوجد على الأقل شيخ واحد من العلماء والأئمة والمفتين يلتفّ حوله الناس ويقصدونه في مسائلهم الشرعية والاجتماعية ويقدرونه ويفتخرون به أمام سكان المدن الأخرى ويعدّونه من قاماتهم ورموزهم، والقاعدة التي لا استثناء لها هي أن الوهابيين وحدهم دون سائر الناس سيطعنون فيه ويجدون له ألف عيب ويختلقون له المساوي ويصوّرونه كأنه عدوّ لله ورسوله، ويفتي شيوخهم من وراء البحار والصحاري بعدم جواز الصلاة خلفه لأنه مبتدع ضال قبوري إخواني صوفي أشعري خارجي… لن يتهموه بالعبودية للحُكام ولا بخيانة الأمة ولا بالرشوة أو العمالة، أي هم في النهاية يزكّونه، لذلك تجد الناس لا يلتفتون إلى كلامهم بل يزدادون إقبالا عليه والحمد لله، فجميع مكوّنات المجتمع تحترمه إلا واحدا هو الوهابي فقط لأن ثقافته تتلخص في أن من ليس وهابيا فهو بالضرورة عدوّ مهما علا كعبه في العلم والسلوك.
هؤلاء يتقنون فنّ تحطيم الرموز الثقات والقامات الكبيرة ليخلو الجوّ للرويبضات وأنصاف العلماء وأرباع العلماء، لا يرقبون في إمام أو داعية أو مصلح إلاّ ولا ذمة مهما كان على جانب كبير من المعرفة والتقوى والأخلاق، يصنعون الفراغ من حولهم ثم يستفتون شيوخا مشهورين بقلة البضاعة وبالجمود والعيش خارج الزمان عن مسائل خطيرة جدا مثل صحة الصلاة أمام مدفأة وقول تقبل الله منكم !!!
وعندما يكون هذا شأن المستفتي فإن شأن المفتي أغرب، فقد سُئل واحد من شيوخهم لم يخرج من مدينته الحجازية مرة في حياته عن جواز دخول المرأة انترنت فأفتى بحرمة ذلك إلا إذا كان معها أحد محارمها !!! (هذه ليست نكتة بل حدثت بالفعل)، وشيوخُهم يحملون في الغالب شهادة دكتوراه في الشريعة من الجامعات الوهابية ويعانون أمية فكرية رهيبة وتصحّرا روحيا تكاد تلمسه بيدك… هؤلاء هم البديل عن علماء الأمة.
شباب وسلبية
أما السلبية في السلوك فقد بدأت بنبذهم لطلب العلم، وأكثرهم –حتى من الرؤوس المتبوعة – ممّن لفظتهم المدرسة مبكرا، وحتى الجامعيون منهم يعانون أمية فكرية صارخة، أدى بهم هذا إلى اعتبار أنفسهم علماء محققين وفقهاء مدققين، يستنكفون عن تنظيف مسجد أو حيّ فضلا عن شغل مناصب تخدم المجتمع، تركوا العمل واشتغلوا بالجدل، حرّموا الانخراط في الجيش والشرطة والعمل في التأمينات ومصالح الضرائب ومعظم المؤسسات المجتمعية، اعتزلوا العمل العام والتطوعي الذي ينفع الناس، فكيف يخدمون مجتمعهم وهم غرباء عنه؟ وكيف ينصرون الإسلام وهو سلبيون يؤْثرون المناقشات العقيمة على العمل المثمر؟.
حياة هؤلاء كلها غلوّ وتطرف ومراوحة بين الإفراط والتفريط، وهم يعدّون أنفسهم وحدهم أنصار السنة وحراس العقيدة، تخرّج على أيديهم شباب أغرار لا يتلذذون بشيء تلذذهم بإيذاء المسلمين في آرائهم وأعراضهم ورموزهم العلمية وقاماتهم الدعوية، لا يدركون أنهم يقدمون خدمات جليلة لخصوم الإسلام وأعدائه فكريا وسلوكيا عندما ربطوه بالتطرف والعنف في حين أن الأغلبية الساحقة من المسلمين تلتزم الاعتدال والرفق في التعامل مع القرآن والسنة ومع الآخرين، هي أقرب إلى الفطرة والبساطة والطيبة التي أفسدها تقعّر الوهابية.
رسالة إلى فضيلة الشيخ (…)
القوم الآن في حيرة من أمرهم بعد نقض شيوخ «الفرقة الناجية» و»الطائفة المنصورة» المتحدثين الحصريين باسم السنّة النّبوية والسلف الصالح لأمهات فتاويهم وركائز علمهم التي درجوا عليها ردحا من الزمن ولقنوها أتباعهم في كلّ مكان وأصبحت عندهم من الثوابت والكليات العلمية الكبرى لأنها ليست رأي علماء أو مجامع فقهية بل هي منطوق القرآن والسنة، فرفعوا الأمر إلى مرجعهم الأكبر الذي لا يبرم أمرٌ دونه:
فضيلة الشيخ، نحن طلبتُك المتبعين للسلف الصالح أصبحنا في حيرة من أمرنا، فكلّ ما نعرفه حراما أصبح الشيوخ يفتون بحلّه، وكل ما كان بدعة أصبح مباحا أو سنة…أفدنا يا شيخنا: نبدأ من الأخير حيث أفتى علماؤنا الفحول بدولة التوحيد بجواز –بل بوجوب – إخراج زكاة الفطر نقدا، وكنا تعلمنا منكم ومنهم أن هذا محرم يقينا بنص الحديث النبوي، مع ضرورة إخراجها حبوبا، وأنها لا تجزي من أخرجها نقودا، وكلّ من أخرجها نقودا تلزمه التوبة، لأنه مبتدع هو ومن أفتاه كذلك؟ قبلها أحلوا سياقة المرأة للسيارة بعد أن كان ذلك حراما بنص القرآن والسنة كما أفتى الشيخ ابن باز وغيره مرارا وتكرارا وبشكل حازم ونهائي، كما أصبحت حفلات الغناء في قاعات مختلطة أمرا مألوفا غير بعيد عن الحرمين الشريفين، وفُتحت قاعات القمار، أما الطامة الكبرى فهي إلإحتفال بالمولد النبوي…فهل ندفع الفطر نقدا؟ وهل نحتفل مستقبلا بالمولد؟ وهل لا بأس من سماع الموسيقى؟ أفدنا يا شيخ الفرقة الناجية والطائفة المنصورة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

أمريكــــا تدفــــع الثمـــــــن 2

أ. محمد الحسن أكيلال / “ترمب” يعاقب نفسه ؟ قدر أمريكا أن يحكمها الصهاينة والمحافظون …