أخبار عاجلة
الرئيسية | قضايا و آراء | مشكلة الثقافة في العالم الإسلامي

مشكلة الثقافة في العالم الإسلامي

عبد القادر قلاتي /

المشكلة الثقافية في العالم العربي والإسلامي، ليست وليدة الدولة الوطنية الحديثة، بل لها جذور غائرة في تاريخنا الحديث والمعاصر، منذ دخول المشروع الاستعماري الغربي إلى العالم الإسلامي، فهذا المشروع الخبيث أدرك من أول وهلة أنّ هذه البلاد ليست مقطوعة الصّلة بالحضارة، بل هي وريثة حضارة سامقة، انتشرت قيمها في أصقاع العالم كلّه، وقدّمت خدمات جليلة للعلم والمعرفة والإنسان، فكان لها اليد الطولى على الحضارة الغربية المعاصرة بشهادة أساطين العلم عندهم.
لقد أدرك قادة المشروع الاستعماري الغربي هذه الحقيقة، لذا لم يعتمدوا على عامل القوة وحدها، بل كانوا يدركون أنّه لا يمكنهم النّجاح في مهمتهم الاستعمارية إذا ركّزوا جهودهم على القوة فقط، ومن هنا امتدت جهودهم التخريبية إلى كلّ ما يتصل بثقافة الأمة ودينها وتراثها، فكانت المهمة الأولى والأساسية، هي تقسيم القيادة الثقافية (النّخبة) إلى تيارين كبيرين وبارزين في المجتمع، أما التيار الأول، فهو التيار الأصيل الذي لا يمكن أن يتخلى عن مهمته في تربية النّاس وارتباطهم بتراثهم الفكري وحراسته والدفاع عنه، وهو تيار موجود داخل المجال الثقافي وعميق الصّلة بالمجتمع، ولم يكن للمشروع الاستعماري يد في صناعته بل قام بالعمل على تحييده وإبعاده عن الشأن الثقافي، أما التّيار الثاني، وهو المعوّل عليه في عملية التخريب الممنهج الذي رأى قادة هذا المشروع، ضرورة وجوده حتى يمكنهم التحكم في الواقع الثقافي والمجتمعي، والدفع بهذا التيار لإدارة المعركة مع هذه المجتمعات الخاضعة للسيطرة الاستعمارية، هذا التيار هو التيار الذي يعرف بـ (التيار الحداثي/العلماني) وهو صناعة استعمارية واضحة المعالم بيّنة الأهداف والنّهايات، ومنذ تلك اللّحظة ونحن نعيش واقعاً مأزوماً على مستوى الفكر والسياسة والمجتمع، وقد تمكن المشروع الاستعماري الغربي من تشطير الواقع الثقافي، بصناعة هذا التيار المعادي لقيم الأمة وتراثها، وقام بدعمه على كلّ المستويات في التربية والتعليم والثقافة والفن، وأصبحت صورة هذه المجتمعات خاضعة لرؤيتين مختلفتين ومتضادتين، رؤية أصيلة في الأمة ترنو إلى النّهضة والتقدم انطلاقاً من موقع الذات، وأخرى تدفع بالمجتمع نحو ثقافة مستوردة تنسخ بها الثقافة الأصيلة في هذه المجتمعات.
لا يمكن أن تخرج مشكلة الثقافة في بلادنا عن هذه الرؤية التي حكمت مجمل العالم الإسلامي، فالعلاج الحقيقيّ لهذه الأزمة، يجب أن يستصحب هذه الرؤية دائما، لأنّ هذه المجتمعات لا يمكنها أن تعرف انطلاقة حضارية جديدة، في إطار هذه الثنائية (تيار محافظ أصيل مقابل تيار حداثي دخيل)، فهذا الواقع المأزوم طرح هذه الإشكالية على الفكر العربي الإسلامي، مراراً وتكراراً لكنّ منطق اللاحسم هو المنطق الذي يتحكم في واقعنا الثقافي للأسف.

عن المحرر

شاهد أيضاً

سورة العهد الأسبوعي…(1) واصبر نفسك

مداني حديبي / سورة الكهف سماها شيوخ العلم بسورة العهد الأسبوعي لأنك تعاهد الله على …