أخبار عاجلة
الرئيسية | في رحاب رمضان | أول رمضــــان فـــي الـمَــــرْجَــــــة..

أول رمضــــان فـــي الـمَــــرْجَــــــة..

الشيخ عبد العزيز بن سايب * /

قَضَيتُ أربعةَ أعوامٍ في دمشق كانت من أجملِ أيامي وأسعدِ محطات عُمري.. من خَريف سبتمبر 1988، إلى خريف أكتوبر 1992.. العام الذي تَخَرَّجْتُ في صيفه من كلية الشريعة بجامعة دمشق العريقة، حاملا لشهادة الليسانس في الشريعة الإسلامية.
ثم لِطُمُوحاتٍ وتَطَلُّعَاتٍ انتقلتُ في أكتوبر 1992 من دمشق إلى أَقْصَى الشمال الشرقي لسوريا، إلى مدينة القَامَشْلِي، حيث أَقَمْتُ في طَرَفِها ثلاثةَ أعوام، في قرية صغيرة تُدْعَى “الْمَرْجَة”…
هناك لازمتُ سيدي الشيخ محمد نوري الدِّيْرشَوِي، -رحمه الله تعالى – طِليةَ تلك الأعوام الثلاثة، أدرس عنده المنهاج الدراسي للمنطقة، الذي تَطْبَعُه علومُ الآلَةِ والعلوم العقلية.
إقامتي في تلك القرية عند سيدي الشيخ الديرشوي وسط إخواني الأكراد كانت من أَزْكَى مراحل حياتي، وأَطْيَبِ لَحظات عَيشي..
ولأسبابِ الرحلةِ من دمشق إلى المرجةِ وطبيعتِها مَقالاتٌ قادمةٌ -إن شاء الله تعالى – وإنما أصفُ في هذه المقالة كيف كان رمضاني هناك..الذي كان في عِزِّ الشتاءِ وبَرْدِهِ، فقد وافق أواخر شهر فيفري، وثُلثي شهر مارس 1993.
كُنَّا مَعْشَرَ الطُّلاب أو “الفَقَاقِي” كما يُلَّقِبُنا أهل تلك المناطق، واللفظة جمع “فَقَّى” تفاؤلا بأن الطالب سيصير فقيها إن شاء الله تعالى..
كُنَّا في كَنَفِ سيدي الشيخ محمد نوري الديرشوي وعائلته الكريمة.. فلا نحمل هَمَّ تهئية الأكل.. مع مساهمة أهل القرية بين الفينة والفينة بما يَستطيبونه من طعامهم..
وبحلول شهر رمضان المبارك تَنْهَالُ علينا الدعوات، ويَتسابق أهل القرية في العزائم، فكُنَّا معاشر الفَقَاقِي نُلَبِّي تلك الولائم بكل تَرْحَابٍ وأريحيةٍ، تلك الولائم التي كان أهل القرية يَتَفَنَّنُونَ في تهيئتها وتجهيزها، ناهيك أن الطعام هناك مصنوع في غالبه من مواد طبيعة لم تتلاعب بها المورِّثات أو الجينات الصناعية، ولم تعبث بها المواد الكيماوية.. بل هي صُنْعُ البُيوتات، ومهاراتُها التقليدية الموروثة..حتى الدجاج كان دجاجا طبيعيا “بَلَدِيًّا”، لا ذلك المسكين المسجون في المستودعات المنفوخ بأنواع الأعلاف الصناعية.
والأكل الطبيعي كَافٍ وَافٍ مهما كان قليلا أو بسيطا.. فكيف إذا كان كثيرا وفيرا.
ولا يتوقف أمر الولائم على بيوتات القرية، بل تصل دعواتٌ من خارج قريتنا المرجة، فسيدي الشيخ محمد نوري رجلٌ عالمٌ مربي، له وزنه في المنطقة، وشيخ من وُجَهَاء المحافظة.. فتَنْثَالُ عليه الدعوات في شهر رمضان من شخصيات مرموقة، وشيوخ القبائل، الكردية والعربية..وكان الشيخ يَسْعَدُ باصطحاب طلابه “الفقاقي” إلى تلك المساحات، أحيانا بيوتا، وتارة رِبَاعَ القومِ، وتارة أُخرى خَيمة الضيوف الكبرى.
من العشائر الكردية التي تعرفت عليها الكوشر “الكوجر”، والديمان، وعلى رأس قبائل العرب قبيلة شَمَّر، وطَيْء، وبني عدي، وبني هلال “الشرابية”.
يكون الإفطار على الرُّطَبِ والحليبِ الطبيعيِّ، أو اللَّبَنِ الحامضِ، اللَّبَن العَيْرَان.. أحيانا تُقام صلاة المغرب مُباشرة، وأحيانا بعد وجبة الإفطار، فالقوم هناك على مذهب الإمام الشافعي -رضي الله عنه – الذي وقت المغرب عنده موسعا كالجمهور.
هناك أكلتُ لأول مرة “الثريد” حسب الطريقة المعتادة هناك، وهو عبارة عن رقائق الخبز العريضة الدائرية، التي يُوضع بعضها فوق بعض في القِصَعِ الحديدية، ثم تُنَثَرُ فوقها قطع اللحم المطبوخ، ثم يسكب مرق اللحم على الكُلِّ، حتى تطرى رقائق الخبز، ويُوضع أعلى اللحم رأسُ الخاروف.
وأحيانا الأرز المطبوخ بالسمن البلدي الأصلي، وكذلك يُصَفُّ أعلاه قطع اللحم الذي يُتَوَّجُ برأس الخاروف.. والأكل طبعا بالأصابع كما هي العادة.. وهو الأمر الذي لا أُحسنه، فإذا أحسَّ أصحاب الوليمة بتعسر أكلي بالأيدي يأتونني بالمعلقة، التي يطلقون عليها “الخَاشُوق”.. هذا فعَّالٌ مع الأرز، أما مع الثريد فهيهات..
بعدها تُسْكَبُ كؤوس الشاي الأحمر “الأُكْرُكْ عَجَمْ”.. وتُقدَّم بدءا بالشيخ، ثم على يمينه، أو للفقاقي بعده..
وبعد لحظات يؤذن للعشاء، فيُصلي بنا الشيخ العشاء، ثم يؤمنا في صلاة التراويح عشرين ركعة، بقراءة خفيفة لآيات قصيرات.
ثمّ تُوَزَّعُ فناجين القهوة الْمُرَّة، وعند القبائل العربية تُحَمَّصُ حَبَّات القهوة على مقربةٍ منك، ثمّ تُدَقُّ في المهراس، فتَفُوحُ رائحةُ القهوة الطازجة.. رائحة لا يمكن أن تشمها إلا في تلك المجالس.
يبدأ المجلس بالمجاملات عن الأحوال.. ثمّ تكون أسئلة للشيخ فقهية، أو دينية، ثم تطرح مشاكل اجتماعية، أو قضايا سياسية..أحيانا قضايا في الجنايات، والخلافات، وأحيانا الثأر والانتقامات والنَّعَرَات..
تُثيركَ المشاكل التي تُذكر، وتُحَيِّرُكَ الأسئلةُ التي تُطرح، ثم طريقة تعامل الشيخ معها، وكيفية أجوبته عليها.. فالشيخ كما يتولى الإفتاء يقوم بمجالس الصلح، ويَنُوبُ عن القضاء الشرعي في تلك البقاع النائية.
هكذا حتى إذا طال المقام يُخْتَمُ المجلس بدعواتٍ من الشيخ لأصحابِ العُزُومة، وأهلِ الدار، والحضورِ، ثمّ نعود مع الشيخ في البيكآبات.. السيارات مفتوحات الخلف..
إنّ مثل هذه المخالطة مع عالم مُحَنَّكٍ يعيش في أجواء ملؤها الوداعةُ والهدوء أحيانا، وأحيانا أخرى الصراعات والتحديات، تتعلم منه الكثير والكثير.. ومجالساتُ شيوخِ القبائلِ ووجهاءِ العشائرِ هو تجربة ثرية لا سيما مع صفاءِ الفطرة، وسلامة البواطن، وآدابِ المجالس، وحضور العقل والحكمة، والاحترام الكبير..
هناك تَعَرَّفْتُ على شَتَّى الأعراف، ومختلفِ العقليات، وأَدَبياتٍ وأخلاقياتٍ ربما قرأتُ عنها في الكتب فرأيتُها مُجَسَّدَةً أمام ناظري رأي العين.
كانت فوائد هاته الجلسات وازِنَةً، لا تُقدر بثمن.. تُنْصِتُ لأقوال كبار السن، وتَستمعُ للمحنكين، وتُطْرِقُ لكلماتِ المجَرِّبِين، وتُحكى أمامك وقائع تاريخية ممن لابسها وكنتَ قد قرأتها في الأوراق وتأملتها بين الأسطر.. فكم سمعتُ هناك مشافهةً عن أصداء ثورة التحرير الجزائرية، ومساهمات أهل تلك المناطق لدعمها والوقوف مع إخوانهم في الجزائر أيام المحتل السوداء..
كان زادا كبيرا لي، ورصيدا أضاف إليَّ خِبرةَ أعوامٍ وأعوامٍ من عمري وعقلي، لو مَكَثْتُ سنوات وسنوات بدونها لن يتيسر لي جمعها أو فهمها.. لا في الحلقات ولا في المحاضرات..إنها عِبَرٌ مُبَاشِرَةٌ، ودروسٌ واقعيةٌ لأشخاصٍ يتحركون ويتنفسون..
ومن أعظم عِظَاتِ هذا اللقاءات الفَهْمُ العمليُّ والشُّعورُ الحقيقيُّ والإدراكُ العميقُ لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).
صَدَقَ رَبُّ الخلق جل جلاله، إن كرامة البشر بسلوكهم لا بأصولهم، لقد عاشرتُ في حياتي شعوبا وأجناسا وعشائر وقبائل فوجدتُ الخير والشر والصالح والطالح..فالمعيار ليس الجنس ولا الآباء ولا المظاهر، وإنما المخابر وتصرفات الأفراد ومواقفهم.. فلا ينتهي عَجَبي ممن يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ بقَوْمِيَّتِهِ، ويجعلها مِقياسَ مُفاضلةٍ، عِلما بأن الأصل واحد، فالأب واحدٌ والأم واحدةٌ.. آدم وحواء..إنَّه أمرٌ مُضْحِكٌ أن يَفتخرَ أخٌ على أخيه بأصلِهِ.
لا أنسى من شخصيات المرجة البارزة في رمضان “الملا أحمد” مُؤذنُ مسجدِ القرية، لو كانت منزلةٌ بين البشر والملائكة لكان من أصحابها هو و”حجي عَبْدِيَّة”، حَمَامَتَا المسجد -رحمهما الله تعالى – لصفائهما وطُهر مَعدنهما، رُفْقَةَ ثُلَّةٍ أخرى من “كبارية” القرية و”ختايرها”.
من ذكريات “الملا أحمد” في شهر رمضان الإيقاظُ للسحور، فقبل أذان الفجر يبدأ بتلاوات وتسبيحات.. ثمّ يقطعها ويصيح باللغة الكردية، صيحات تُفزع النائم وتَخلع اليقظان بقَرْعٍ ونبرات خاصةٍ.. “رَابَنْ”.. “رَابَنْ”.. أي قوموا.. قوموا.. “بَاشِيف”.. “بَاشِيف” أي لطعام السحور.. ثمّ يقول ما معناه باللغة الكردية: ها قد أيقظتُكم، فلا تَقولوا في الصباح أني لم أوقظكم للسحور..
كُنتُ لا أشعر بألم فراق رمضان إلاّ بنشيد “الملا أحمد” بعد النصف من رمضان، حيث يبدأ يُغَرِّدُ بين ركعات صلاة التراويح..”سُبوح، قُدوس، ربُّ الملائكة والروح”.. “الوادع يا شهر رمضان.. الوداع يا شهر الصيام.. الوداع يا شهر القرآن”.. بنغمة يتفطر لها القلب حزنا وكمدا..
كنتَ تجده في المسجد ـوهو الضرير ـ إما تالياً للقرآن، أو مُمْسِكا لمسبحته يَذْكُرُ، أو يُسَمِّعُ لأطفال القرية القرآن الكريم، حيث العادة أن يختم الطفل قراءة القرآن حاضرا من المصحف بتصحيح “الملا أحمد” لهم قراءتهم.. فكم له من فضل كبير على أهل القرية وأطفالها، وكم له أيضا من آثار عَضٍّ لآذانهم وأَذْرُعِهم عند أخطائهم.. قالوا إن له فَكًّا فُولاذيا لا يمكن التفلت منه إذا أَحْكَمَ الإِطْبَاقِ به..
ذاك السحور.. أما ذكريات ساعة الإفطار الغريبة..فكنا إذا أفطرنا في القرية نصلي المغرب في المسجد، وتجد حوله بعض كبارية القرية ينتظرون الأذان، وقد أَعَدَّ أكثرُهم دَخِينَتَه “سيجارة”، فالتدخين بلاء منتشر في الصغار كما في الكبار.. وكانوا يُحَبِّذُوا تجهيزَ الدخان يدويا، فيَلُفُّون التبغ “التتن” في أوراق خاصة رقيقة شفافة، الكل يلف دَخِينَةً صغيرةً، إلا “حَجِّي محِيلَة”، وهو -ما شاء الله عليه -.. ضخم الجثة، طولا وعرضا، كأنه من بقايا سُلالة العماليق، فكانت دخينته سميكة، بحجم الأصبع الوسطى، وأحيانا يُعِدُّ اثنتين، يَسْحَبُهما بأنفاس سريعة، ما بين أذان المغرب والإقامة. ورغم ضخامته وتقاسيم وجهه الصارمة كان ذا دُعابة ورُوحٍ مَرِحَةٍ.. كلما مررتُ به يسألني باللغة الكردية “تِي تشَاوِي فقَّى عبد العزيز”.. كيفيك يا طالب عبد العزيز، فأجيبه “بَاشَم، الحمد لله”.. بخير والحمد لله، فيزيدني سؤالا.. دائما “تَشَوَايَا نَا زَارُوكْ..؟” كيف أحوال أولادك، فأجيبه “بِيرِيْكْ نِيْنَا.. زَارُوكْ نِيْنَا” أي لا تُوجد زوجةٌ، ومن ثمة لا يوجد أولاد، كان يَعلم أني وقتَها عَزْبٌ، وإنّما هو سؤال الْمُمَازِحِ.. رحمة الله تعالى عليه.
أسألُ الله تعالى أن يَمُنَّ بالعافية والمعافاة لكلّ مُبْتلًى بالدخان..
لم تَكْمُن الزيادة في قرية المرجة لعقلي وتجربتي فحسب.. بل لأول مرة في شبابي أُصابُ بالوزن الزائد، وبداية تراكم اللحم، وتراكب الشحم.. وهذا من إكرام أهل القرية وضيافتهم، مع قلةِ الحركة أيضا، فبين حُجْرَتِنَا والمسجد خطوات معدودات..
جزاهم الله تعالى جميعا خيرَ الجزاء، بَدْأً بالشيخ محمد نوري الديرشوي -رحمة الله تعالى عليه – وأهلِ بيتِهِ الكِرام، ثمّ بأحبابي الأكراد في قَريتي الغالية “الْمَرْجَة”.
ولي عَوْدٌ لقريتي الغالية المرجة وإخواني الأحباب الأكرد في مقالات قادمة بإذن الله تعالى.
* أستاذ بجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة وعضو المجلس الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

عن المحرر

شاهد أيضاً

وقفــــات مع الليلـــة الـمباركــــــــة

د. موسى عبد اللاوي * /   {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ …