الأحد 15 شوال 1441ﻫ 7-6-2020م
أخبار عاجلة
الرئيسية | في رحاب الشريعة | معالجات إسلامية | فضـل العشـر الأواخـر والعيد

فضـل العشـر الأواخـر والعيد

د. يوسف جمعة سلامة* /

أخرج الإمام البخاري في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ (كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ).
هذا الحديث حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب فضل ليلة القدر، باب العمل في العشر الأواخر من شهر رمضان.
إننا نعيش في ظلال العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك الذي فضلّه الله -سبحانه وتعالى- على سائر الشهور، وجعل العشرَ الأواخر منه أفضل أيامه ولياليه، حيث خَصَّها بمزيدٍ من الفضل ترغيباً في إحياء هذه الليالي المباركة والإكثار فيها من التقرُّب إلى الله بالذكر والصلاة وتلاوة القرآن وفعل الخيرات والطاعات، فعلينا اغتنام مواسم الرحمة في هذه العشر الأواخر من رمضان، وتحرّي نفحات الرحمن فيها، مُنيبين إليه مُخلصين له الدين حنفاء، مُقتدين بنهج رسولنا -صلى الله عليه وسلم- فيها.
فضل العبادة في العشر الأواخر
من المعلوم أن آخر شهر رمضان أفضله، لأنه خاتمة العمل والأعمال بخواتيمها؛ لذلك كان رسولنا –صلى الله عليه وسلم- يجتهد بالعمل في هذه الأيام المباركة أكثر من غيرها، كما ورد في الحديث الشريف عَنْ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ)، ومن هذه الأعمال: قيام الليل، وإيقاظ الأهل، وتلاوة القرآن، واعتزال النساء، والإكثار من الصدقات، والتضرع والدعاء إلى الله سبحانه وتعالى، والاعتكاف، كما جاء في الحديث الشريف: (أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ).
فضل ليلـة القــــــدر
في هذه العشر المباركة ليلة القدر التي شَرَّفها الله سبحانه وتعالى على غيرها، وَمَنَّ على هذه الأمة بجزيل فضلها وخيرها، فقد أشاد الله بفضلها في كتابه الكريم، كما تحدَّث عنها الرسول –صلى الله عليه وسلم – فقال:»(تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنْ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ)، فهي ليلة عظيمة الشأن، فهنيئاً لمن قامها حقَّ القيام.
إن ليلة القدر ليلة الشرف التي وصفها الله سبحانه وتعالى بأنها الليلة المباركة كما جاء في قوله تعالى: {حَمَ* وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ* إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ}، وقد شرَّف الله سبحانه وتعالى ليلة القدر بنزول القرآن الكريم فيها ، حيث جعل لها سورة كاملة باسمها ، وجعلها خيراً من ألف شهر، كما حثَّ رسولنا -صلى الله عليه وسلم- على قيامها، فقال: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) ، وقيامها إنما هو إحياؤها بالتهجد فيها والصلاة والدعاء والابتهال وقراءة القرآن.
وَسُمِّيت ليلةُ القدر ليلةَ القدر، لأنها ذات قدر عند الله سبحانه وتعالى وعند رسوله –صلى الله عليه وسلم – وعند أمة الإسلام جميعاً ، ومن شرفها العظيم أن الله خصَّ بها محمداً – صلى الله عليه وسلم – وأمته.
وقد أخفى الله ليلة القدر لحثِّ المؤمنين على الاجتهاد في طلبها وعلى إحيائها بالعبادة والطاعة، واختلف العلماء في تحديدها، حيث ورد أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم – قال: (تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنْ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ )، وقوله –صلى الله عليه وسلم – أيضا: (مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي لَيْلَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ).
وإذا هيأ الله للمسلم ليلة القدر فعليه أن يَتَّبعَ ولا يَبْتَدع، وجزى الله نبينا خير الجزاء فقد أرشدنا إلى كلّ خير، كما رُوِي عن عائشة –رضي الله عنها – قالت: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ ! إنْ عَلِمْتُ أيّ لَيلةٍ لَيلةَ القَدرِ ما أقولُ فيها؟ قالَ-صلى الله عليه وسلم: قولي: «اللَّهمَّ إنَّكَ عفوٌّ كَريمٌ تُحبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي».
فإذا علمتَ هذا الفضل العظيم لتلك الليلة فاحرص على قيام ليالي رمضان، وهذا لا يمنع ثواب من قام بإحياء غيرها من الليالي، وإنما لهذه الليلة ميزة في الحصول على الثواب الفريد لمن قامها.
زكــــاة الفطـــر
زكاة الفطر واجبة على كل مسلم قادرٍ على إخراجها سواء أكان صغيراً أم كبيراً، ذكراً أم أنثى، حراً أم عبداً، كما جاء في الحديث الشريف عن عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما -: (أنَّ رَسُولَ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -فَرَضَ زَكَاةَ الفِطرِ مِنْ رَمَضَانَ على النَّاسِ صَاعًا مِن تَمرٍ، أوْ صَاعًا مِن شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أو عَبدٍ، ذَكَرٍ أو أُنثَى مِنَ المُسلِمِينَ)، وقد فُرِضت في السنة الثانية من الهجرة في رمضان قبل العيد بيومين، وفُرضت زكاة الفطر طُهْرة للصائم كما روى ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:»فَرضَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم – زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ»، وَيُخرجها المسلم عن نفسه وعمَّن تلزمه نفقته كزوجته وأبنائه ومن يتولى أمورهم والإنفاق عليهم كالوالدين الكبيرين أو الأخوة القُصَّر.. الخ، ويجوز إخراجها من أول شهر رمضان، وَيُسْتَحَبُّ تأخيرها إلى أواخر شهر رمضان، والأفضل إخراجها قبل صلاة العيد، ليتمكن الفقير من شراء ما يحتاجه في العيد لإدخال السرور على عائلته، لقوله -صلى الله عليه وسلم -: «أَغْنُوهُمْ عَنْ الطَوَافِ في هَذَا الْيَوْمِ».
ومقدارها هو صاعٌ من غالب قوت أهل البلد وَيُقَدّر الصاع بـ (2176) جراماً، وقد جَوَّز الأحناف إخراج قيمتها نقداً؛ لأنها أكثر نفعاً للفقراء في قضاء حوائجهم.
وداع شهر رمضـان المبارك
من المعلوم أننا سنودع بعد أيام هذا الضيف الكريم شهر الخيرات والبركات، فيه تتضاعف الحسنات، وفيه تكتظ المساجد بالراكعين الساجدين من أهل القرآن، وفيه يظهر التكافل الاجتماعي في أبهى صوره.
لك الحمد ربنا، ذِكْراً وشكراً، بما أنزلتَ، وبما تفضَّلْتَ به علينا من أجر الصائمين القائمين والعاكفين والركّع السجود، سلاماً منك ورحمة في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
فأحسنوا توديعه بالصدقة والزكاة كما أحسنتم استقباله بالصيام والقيام، ورحم الله القائل:
وَدِّعوا يا إخوتي شهرَ الصيام
بدمـوعٍ فائضـاتٍ كالغَمَـــام
وَسَلُوا اللهَ قبولاً في الختــام
فالكريـمُ مَنْ رجــاهُ لا يُضـام
اللهم اكتبنا من عتقاء شهر رمضان، واكتبنا في قوائم الأبرار، واكتب لنا سعَة الحال من الرزق الحلال، ربنا وارفع الإِصْرَ عن أمة حبيبك محمد –صلى الله عليه وسلم -، واسلك بهم صراطك المستقيم ليكونوا من الذين أنعمت عليهم، آمين… آمين… يا رب العالمين.
الجوائز والمكافآت في العيد
لقد وعد الله من صام رمضان وقام لياليه بجوائز سخية يقبضها الصائمون في عيدِ فطرهم فرحين مستبشرين، لما روي عن سعد بن أوس الأنصاري عن أبيه -رضي الله عنه – قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْفِطْرِ وَقَفَتِ الْمَلائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ الطُّرُقِ، فَنَادَوْا: اغْدُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى رَبٍّ كَرِيمٍ يَمُنُّ بِالْخَيْرِ، ثُمَّ يُثِيبُ عَلَيْهِ الْجَزِيلَ ، لَقَدْ أُمِرْتُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَقُمْتُمْ ، وَأُمِرْتُمْ بِصِيَامِ النَّهَارِ فَصُمْتُمْ، وَأَطَعْتُمْ رَبَّكُمْ، فَاقْبِضُوا جَوَائِزَكُمْ، فَإِذَا صَلَّوْا، نَادَى مُنَادٍ: أَلا إِنَّ رَبَّكُمْ قَدْ غَفَرَ لَكُمْ ، فَارْجِعُوا رَاشِدِينَ إِلَى رِحَالِكُمْ،فَهُوَ يَوْمُ الْجَائِزَةِ، وَيُسَمَّى ذَلِكَ الْيَوْمُ فِي السَّمَاءِ يَوْمَ الْجَائِزَةِ ).
وفي هذا اليوم، يظهر الناس وقلوبهم مُتَحابة، وصدورهم مُتَصافية، وأيديهم مُتَصافحة ، فتبدو أخوة المسلمين كأقوى رابطة وأوثق صلة، ومن المعلوم أن العيد في الإسلام مناسبة طيبة لجمع الشمل وصفاء القلوب، وبرّ الوالدين واجتماع الإخوة، ووسيلة للتعارف وصلة الأرحام.
إن العيد مناسبة مباركة يجمع الله بها شمل المؤمنين، حيث يتقابلون في المساجد والمُصَلَّيات والأسواق والطُرقات فيصافح كلٌ منهم الآخر، ويتبادلون التهاني والتبريكات، ومن السُــنـَّة أن تقول لأخيك المسلم يوم العيد مهنئاً: (تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ).
اللهم اكتبنا من عتقاء شهر رمضان، واكتبنا في قوائم الأبرار، واكتب لنا سعة الحال من الرزق الحلال، اللهم تقبّل منّا الصلاة والصيام والقيام، وكل عام وأنتم بخير.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

* خطيب المسـجد الأقصى المبـارك
وزير الأوقاف والشئون الدينية السابق
www.yousefsalama.com

عن المحرر

شاهد أيضاً

مِنَح الرحمن في شهر رمضـان

د. يوسف جمعة سلامة* / أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله …