الرئيسية | عين البصائر | من بعيد … فوضى” الإجـــــازات العلمـــيــــــة ” !!

من بعيد … فوضى” الإجـــــازات العلمـــيــــــة ” !!

نجيب بن خيرة * /

أن يأخذ العلمَ لاحقٌ عن سابق، ويُسنِد الرواية خلفٌ عن سلف، فتلك مِنّة مَنَها الله على هذه الأمة، ومِيزة تفرّدت بها علوم الدين في حضارة الإسلام .
وإذا كان علم الإسناد سلاحا رفعه العلماء العدول في وجه الوضاعين و الكذبة و المدلسين، فإنه اليوم يشهد فوضى عارمة أضرّت بميدان الإفتاء و التدريس…وأصبح من شاء يقول ما شاء بدعوى أن له ” إجازة علمية ” عن هذا الشيخ أو ذاك، لينال شرف السند العالي في القراءات أو الفقه أو الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وتعجب عندما تقرأ أن أحدهم يعطي ـ هذه الأيام ـ إجازات علمية ( أون لاين –( On Line ,وكل من يفتح برنامج ( Zoom ) يشاهد الشيخ جالسا في غرفته، ووراءه مكتبة عامرة، ويلبس لباس المشايخ الكبار …وبعد قراءة الصفحة الأولى من كتابه أو مصنفه، يوزع الشيخ الإجازات كيفما اتفق …!!، ومن خانه ضعف الشبكة فليس له الحظ فيها…!!.
وقد كتب العالم الجزائري المحقق فضيلة الدكتور عبد العزيز دخان في منشور سابق عن هذا الموضوع، نقلا عن العلماء الأثبات أن كثيرا من مساوئ هذه الإجازات هو الحرص عليها دون النظر في عدالة رواتها وضبطهم وصدقهم، حتى كثُر الوضاعون و الضعفاء و المجاهيل ” !!.
وفي أيام الجامعة أخبرني أحدهم أنه زار في الفندق مع زميله أحد العلماء الذين قدموا زائرين إلى الجامعة، وفي جلسة شاي راقية، قُرئ عليه صفحات قليلة من كتابه ..فأعطاهما إجازة مكتوبة قبل أن ينصرفا ..!!
وحدثني طالب علم أن الأقدار جمعته بأحد العلماء المشهورين بالتحقيق في العالم الإسلامي في رحلة عبر الطائرة، فاقترب من الشيخ وحادثه طوال الرحلة، وما إن حطت الطائرة على مدرج المطار حتى كان الطالب النابه قد أخذ إجازة في التحقيق عن العالِم الكبير …!!.
وقد شاهدت أحد المشايخ في إحدى البلاد العربية، وقد جهّز نموذجا لإجازة مكتوبة بخط جميل، ومختومة بختم فاخر …ثم يكتب اسم ” الطالب المُجاز” وسط متنها، بعد ديباجة فاتنة في أولها، ودُعاء ضَارعٍ في آخرها …ويقدمها عند كل طلب..!!!.
لماذا لا يوجد هذا النوع من الإجازات في ميدان الطب و الهندسة و الطبيعة و الرياضة ؟ ونجدها تزحَم ميدان علوم الشرع فحسب ..؟!! مما أفرز لنا نابتة من الطلبة الأحداث اللاهثين وراء جمع الإجازات، ليوهموا عوام الناس أن لهم قَدَم صدقٍ في الإفتاء والتدريس و التوجيه..!!
إن هذه الفوضى في إعطاء الإجازات العلمية ينبغي أن يحسمها أولو النظر الفاقهون، وأهل الاختصاص العالمون ..فيضعون لها القوانين الحاكمة، والأنظمة المنضبطة، وتشرف عليها جهات معتمدة لها مصداقية في التخصص، وسمعة عاطرة بين الناس، كالجامعات المرموقة، والمعاهد المتخصصة، و المؤسسات الشرعية، وأفراد من العلماء و المشايخ يكونون أمناء يحفظون آثار الرُسل، ويجمعون الخلق عليها ….حماية للدين وصونا لعلومه من العبث والابتذال ….عملا بالأثر الوارد :” إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم”.
* جامعة الشارقة

عن المحرر

شاهد أيضاً

البروفيسور مولود عويمر ضيف برنامج «موعد مع الذاكرة»

شارك البروفيسور مولود عويمر في برنامج موعد مع الذاكرة على قناة الحياة الجزائرية، في حلقة …