الرئيسية | قضايا و آراء | بيــن التاريــخ والأدب والقـــراءات الـمتهافتـة 2

بيــن التاريــخ والأدب والقـــراءات الـمتهافتـة 2

عبد القادر قلاتي/

منذ سنوات كتب الروائي الجزائريّ المعروف وسيني الأعرج رواية «تاريخية» أثارت حيناها لغطاً كبيراً في الأوساط العلمية والأدبية، وتحديداً منها المشتغلة بكتابة التاريخ الوطني المعاصر أسماها: «كتاب الأمير – مسالك أبواب الحديد»، الرواية باختصار هي إعادة قراءة لتاريخ شخصية وطنية، لكنّها قراءة من موقع الايدولوجيا، وإن تشابك فيها -أي رواية الأعرج – التاريخ بالأدب في بنائها اللغوي، وفي مسالكها السردية والدلالية، فقد احتوت الرواية سيرة ذاتية -غير تفصيلية ولا دقيقة – لمؤسس الدولة الجزائرية المعاصرة -كما تصفه الكتابات التاريخية الأصيلة – السيّد الأمير عبد القادر الجزائري، وهذا الوصف -مؤسس الدولة الجزائرية المعاصرة – هو محلّ الخلاف بين التيار التغريبي والتيار الأصيل، كما أنّه مربط الفرس في التداخل بين السياسيّ والثقافيّ في تاريخنا المعاصر، منذ خضوعنا للمشروع الاستعماري الغربي، وأدواته التخريبية التي عبثت أكثر ما عبثت بالمسألة الثقافية، وقد يكون الأعرج بهذه الرواية قد فضح نفسه وفضح الثلة المؤدلجة التي تسعى دائماً للبحث عن المداخل التي تفضي إلى مساحة من القراءات المفتوحة والمغلّفة بأدوات حداثية تحدث -دائما – تشويشاً على ثقافة الأمة وتاريخها، فالرؤية التي يتبناها الأعرج ومن معه من تيار العلمنة في تأويل التاريخ تتقاطع مع المدرسة الكولونيالية في كتابة التاريخ، وهي معروفة ومعلومة لكلّ باحث حصيف، والتيار العلماني بكلّ تصنيفاته لا يخرج عن دائرة هذه المدرسة، لذا يسعى -هذا التيار – إلى تحويل المعركة بينه وبين تيار الأصالة إلى حقل معرفيّ آخر يرى نفسه أقدر على التحكم فيه…
والعجيب أنّ الأعرج -عندما سئل عن إقبال القراء على الرواية التاريخية – أجاب إجابة مبهمة لكنّها تختصر علينا فهم المشروع التغريبي ومراميه قائلاً: «يُقبلون عليها لأنّهم لا يثقون في التاريخ»، يريد أن يدلّل على أنّ ما هو محسوم من تاريخنا المعاصر، ليس إلاّ قراءة سياسية ودينية، ومن ثمّ لا يمكن مجابهتها في ميدان كتابة التاريخ، لتحالف السلطة السياسية والقوى الدينية -بتعبير هذا التيار – على الاستحواذ على هذا المجال، لذا أصبح الأدب المجال الأكثر حرية في جدلية العلاقة بين التراث والحداثة الموهومة التي يبشرنا بها المثقفون العرب، والأعرج أحدهم، والقائمة طويلة لكننا أخذنا الأعرج كعينة لتفسير هذا التّحول الخطير في الكتابة التاريخية، لأنهّا ببساطة تشكّل عند هذا الجيل حالة من الاغتراب نحو انتمائه الحضاري والثقافي والديني…وللحديث بقية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

سورة العهد الأسبوعي…(1) واصبر نفسك

مداني حديبي / سورة الكهف سماها شيوخ العلم بسورة العهد الأسبوعي لأنك تعاهد الله على …