أخبار عاجلة
الرئيسية | المرأة و الأسرة | إدارة الأزمــــــــات في زمــــن الأوبئــــــة

إدارة الأزمــــــــات في زمــــن الأوبئــــــة

أ. أمال السائحي /

 

يقول الله -عز وجل -: ((وَإِذا أَذَقنَا النّاسَ رَحمَةً فَرِحوا بِها وَإِن تُصِبهُم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَت أَيديهِم إِذا هُم يَقنَطونَ، أَوَلَم يَرَوا أَنَّ اللَّهَ يَبسُطُ الرِّزقَ لِمَن يَشاءُ وَيَقدِرُ إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِقَومٍ يُؤمِنونَ)) الروم 36-37.
ويرى ابن كثير -رحمه الله- في قوله سبحانه: ((وَإِذا أَذَقنَا النّاسَ رَحمَةً فَرِحوا بِها وَإِن تُصِبهُم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَت أَيديهِم إِذا هُم يَقنَطونَ))، إن هذا إنكار على الإنسان من حيث هو، إلا من عصمه الله ووفقه؛ فإن الإنسان إذا أصابته نعمة بطر وقال: (ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور). أي: يفرح في نفسه ويفخر على غيره، وإذا أصابته شدة قنط وآيس أن يحصل له بعد ذلك خير بالكلية؛ قال الله: ((إلا الذين صبروا عملوا الصالحات)). أي: صبروا في الضراء، وعملوا الصالحات في الرخاء، كما ثبت في الصحيح: «عجبا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» وأنه عند ذكر النعمة من الله على عباده لم يذكر سببا لها لتفضله بها عليهم وهذا إحسان منه ((وَإِذَا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا)). وعند ذكر العذاب والسيئة ذكر سببًا ((وَإِن تُصِبهُم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَت أَيديهِم))، تحقيقا للعدل. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد القدر إلا الدعاء، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه». رواه أحمد وغيره وقال ابن القيم لا بأس بإسناده.
إنّ لله سبحانه -عز وجل – الحكمة البالغة فيما عرضنا له اليوم من هذه الجائحة، التي قد يراها البعض أنها أيام عصيبة ويراها البعض الآخر أنها العكس، وشتان ما بين الرؤيتين، شتان بين الرؤية السلبية والرؤية الايجابية..وخاصة اللذين أنعم الله عليهم بالحجر المنزلي، لا الحجر الصحي، فرق بين أن تبقى سليما معافى بين أبناءك وأهلك وعائلتك، هذا الحجر المنزلي الذي بفضله، الذي قرب الزوج من زوجته، والأبناء من آباءهم، فلماذا لا نغتنم أوقات هذا الحجر المنزلي بجلسات حوار مع أبنائنا؟ خاصة في أيام رمضان المباركة هذه، والتي كانت فيما مضى ننشغل فيها بالامتحانات؟ ونتشتت فيها بين الأبناء وبين مستلزمات البيت، ونضطر فيها إلى الخروج الطارئ للعمل، مما جعلنا في الكثير من الأحيان إلى نسمات الخير والبركة في الشهر الفضيل خاصة.
من الجميل أن يستغل المسلم هذه الأيام ببرامج واضحة المعالم، مع الأبناء والزوجة والإخوة والجد والجدة، يتضمن نشاطات خفيفة على النفس، ويتخللها بعض اللعب والمرح، و قراءة القصص الهادفة، والحوار المتزن، مع الأبناء اللذين لا طالما بعدت المسافات بينهم وبين أوليائهم، بسبب ضيق الوقت والتعب، وباستطاعتنا تحويل منصات شبكات التواصل إلى جلسات عائلية عبر الفايبر أو السكايب للعائلات الموجود ذويهم في دول أخرى، ولنجعل ذلك الوقت المكرس لهم فرصة لنعزز انتماءهم لحضارتهم، عن طريق تذكيرهم بأمجادها، وما تميزت به من قيم، ونساعدهم على تفقههم في الدين على سبيل المثال لا الحصر..
كما يمكن للشباب التفاعل مع مختلف الأنشطة في هذه الظروف بالتحديد، وذلك من خلال الجمعيات الخيرية، الكافلة لليتيم، أو الكشافة الإسلامية، أو مع دور المسنين، يقول الأستاذ خالد سعد النجار في مقالته التي تحت عنوان « من تجاوزت أعمالهم أعمارهم»: ((من الفطناء من يعيشون بأعمالهم الصالحة مرَّات وكرات.. يعيشون في مصرهم وغير مصرهم، ويحيون في عصرهم وفي غير عصرهم، وكلما مرَّ الزمان عليهم، طال عمرهم في الخير والثواب أكثر، وغنموا مزيدا من الأعمال المباركة التي يتعاظم ثوابها ويتبارك فضلها)).
إنّ الآية التي افتتحنا مقالنا هذا بها وما ورد في سورة سيدنا يوسف من حديث عن رؤيا الملك وتأوليه لها وتكليف الملك له بتولي زمام الشؤون التموينية تتآلف وتتآزر جميعها لتستوقفنا عند قضية هامة وهي:
إنّ الإنسان عامة والمسلم خاصة مدعو في الظروف الصعبة التي تفرضها الأوبئة الطارئة أو الكوارث الطبيعية المفاجئة، أو الحروب المدمرة، أن لا يستسلم للأمر الواقع، بل عليه أن يقدح ذهنه في البحث عن وسائل تساعده على التأقلم مع الظروف الطارئة، وتكفل له حمايته من الأخطار، وتساعده على تلافي ما يتوقع من أضرار، وتضمن له بعد جلائها مواصلة المشوار، وهذا بالضبط ما نعنيه بإدارة الأزمات، وليست الدول وحدها المطالبة بإتقان هذا الفن، بل على الأفراد أن يتعلموه حتى يتمكنوا من حسن التصرف في الأوقات العصيبة فيحفظون أنفسهم ويحمون مصالحهم…

عن المحرر

شاهد أيضاً

وأصـــدق مــا استخلــص مــن عبـــر.. مشاكــــل النطـــق مــن قلــــة التــــواصـــــــــــــل ..

بقلم الأستاذة صباح غموشي/   كانت المعلمة تسلم الأطفال لأوليائهم الواحد تلو الآخر في الفترة …