الرئيسية | في رحاب الشريعة | قـــــوام الانــتــصــــار وثـبــــات الأبــــرار في معـــارك الاصطـبـــــار

قـــــوام الانــتــصــــار وثـبــــات الأبــــرار في معـــارك الاصطـبـــــار

الشيخ محمد مكركب أبران/

الإنسان في هذه الدنيا يعيش حروبا حامية الوطيس، والأعداء فيها: شيطان الجن، وشيطان الإنس وهو أخطر الأعداء، والجهل، والفقر، والبلاء. وتُفْرض عليه معاركُ طاحنة، لايسلم منها إلا من أعد لها العدة الكافية، ومما يخوض به الإنسان معارك الحياة الدنيا: العلم، والتعاون، والصبر، وكل هذا مع الإيمان بالله وتقواه. فإذا تعلم العبد، وصبر، وتعاون مع إخوانه تعاونا متكاملا، صار من المفلحين.
شاء الله سبحانه أن تمر البشرية هذا العام 2020م بامتحان شديد في بلاء عصيب ابْتُلِىَ به البشرُ، فأكرم الله به من شاء بالشهادة رحمهم الله، ومَحَّصَ من شاء بالمرض ليطهرهم من الذنوب ويوقظهم من الْغَفَوَات وسَكْرَةِ الشهوات، وعاقب من شاء بهذا الوباء أولئك الذين كفروا بالله ورسله، من الذين دُعُوا إلى الإسلام فأعرضوا عن الكتاب وانحرفوا عن جادة الصواب، فكان ذلك الوباء درسا تطبيقيا لكل البشر، ولكنه درس غالي الثمن، لِمَا اجتمع فيه من قساوة المحن، وتعدد الفتن.
ففيالحديث:[الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ] (مسلم:2218)
قال محاوري: هل الخبر صحيح أن من مات بالطاعون ينال أجر الشهداء؟ وهل إذا كان الطاعون شهادة للمُؤْمِنِ فهل يجوز أنه إذا ابتلي به أن لا يتداوى،؟ ليفوز بتلك المرتبة؟ [الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ]،فعن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي -صلى الله عليه وسلم-، أنها سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الطاعون، فأخبرها: [أنه كان عذابا يبعثه الله على من يشاء، فجعله الله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع في الطاعون، فيمكث في بلده صابرا، يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد] (البخاري:5734) ولكن يجوز له أن يتداوى، بل يُستحب له العلاج، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:[إِنَّ اللهَ حَيْثُ خَلَقَ الدَّاءَ، خَلَقَ الدَّوَاءَ، فَتَدَاوَوْا] (أحمد:12596) وفي الحديث أيضا:[ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً](البخاري:5678).
قال محاوري: وإذا كان الذين يصابون بوباء الطاعون ينالون أجر الشهداء، فَلِمَ يحزن بعض الناس عندما يموت أحد أفراد عائلتهمبالوباء، وهم يعلمون أنه شهيد من حيث الأجر؟ قلت: لاينبغي أن يحزنوا بل الرضا بقضاء الله وقدره واجب وهو من الإيمان، ونحن معشر المؤمنين جميعا نعلم أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، ولكن من بين الأسباب التي جعلت بعض الناس يتخوفون ليس من الموت من قضاء الله، ولكن من نظرة الناس إليهم، على أن ميتهم لم يدفن في مشهد تشييع كبير، والناس يزدحمون على الصلاة عليه، ويعزي بعضهم بعضا، وغير ذلك، وخوفهم من بعض وسائل الإعلام على أن من مات بالطاعون، يلقى في حفرة ويرد عليه التراب بالجرافات، والناس يبتعدون عنه، وهم يتحرجون من القرب منه، وكأنه مصدر شر حتم عليهم. وأقول للمسلمين وكما سمعتم وعلمتم من الحديث أن الذي يموت في الطاعون شهيد، ولا ينبغي أن يتحرج من ذلك أبناء وأقارب الميت، فإنه إن مات صابرا محتسبا، فمقامه عند الله كريم، ويكفيه وساما أنه مبشر بالجنة، فإذا كان الناس يبتعدون عنه وقاية مشروعة وهم غير كارهين له، ولا محتقرين ولا مبغضين إياه، فإن الله يقربه إليه ويكرمه، ويغفر له ويرحمه، والسعادة له في الدار الآخرة، والواجب على الأطباء أن يطمئنوا الناس بأنهم دفنوا الموتى بكل احترام وبطريقة مشروعة، وقد غسلوهم، وكفنوهم، وصلوا عليهم، ودعوا لهم واستغفروا لهم، والحمد لله رب العالمين، وهل يبلغ الواحد منا من يموت بالطاعون إذا قدر الله له أن يموت بالطاعون هل هو أفضل من الصحابي الجليل أبي عبيدة عامر بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وغيرهم من آلاف من الصحابة والتابعين الذي استشهدوا في طاعون عمواس؟.
قال محاوري: وهناك أمر آخر يتحرج منه بعض العامة، مِما يشاهدونه عبر وسائل الإعلام. وهو الدفن الجماعي حيث يحفرون قبورا واسعة ويضعون فيها عدة جثث، فهل يجوز ذلك؟ قلت: وأيضا لا ينبغي أن يتحرج المسلمون من هذا ولا أن يحزنوا على موتاهم حزن القنوط، فليطمئنوا فإن الناس بإيمانهم وأعمالهم، يجوز دفن أكثر من واحد من المؤمنين في قبر واحد،فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أخبره: [أن النبي -صلى الله عليه وسلم – كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد] (البخاري:1345).
وسعادة الإنسان في قبره أو يوم القيامة أو في الدار الآخرة حسب عمله، وليس بحسب من يجاوره أو يدفن معه. فقد تغرق سفينة بكل من فيها، أوقد تسقط طائرة فيموت كل ركابها، وقد تصاب قرية بزلزال، أو بركان، ولكن الناس يُبْعثون على حسب نياتهم ويحاسبون بحسب أعمالهم، فلا يخشى المسلم على مصيره ما دام يتبع رضوان الله إيمانا، وإسلاما، وإحسانا. وفي الحديث [إن ناسا من أمتي يؤمون بالبيت برجل من قريش، قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم] فقلنا: يا رسول الله إن الطريق قد يجمع الناس، قال:[نعم، فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل، يهلكون مهلكا واحدا، ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله على نياتهم] (مسلم:2884).
قال محاوري: وأمر آخر، قلت: وما هو؟ قال الناس يريدون معرفة قبور أقاربهم، وقد يصاب الناس وهم غرباء عن أوطانهم في بلدان بعيدة ويُدفنون جماعيا، ولا يُعلم قبرُ هذا من هذا؟ قلت: وهل عُرِفَتْ قبور كثير من المؤمنين من عهد آدم إلى اليوم؟ فالميـت إذا خرج من هذه الدار فهو في حكم الله تعالى. قال الله تعالى:﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(سورة البقرة:112) آلاف من المؤمنين المجاهدين من جيش التحرير الجزائري أيام الثورة الذين قتلوا في الجهاد، لم تعرف قبورهم بأسمائهم. فهل هذا ينقص من قيمتهم وقدرهم وثوابهم؟﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ.﴾ (آل عمران:195).

عن المحرر

شاهد أيضاً

وثيقة الدستور وما يقتضيه التبيان في توثيق الأمور

الشيخ محمد مكركب أبران/ مما دأبت عليه المجتمعات وهو أساس، ومن ضروريات الحياة المجتمعية في …