أخبار عاجلة
الرئيسية | الحدث | العزلة وطريق تهذيب القلب والسلوك زمن الوباء

العزلة وطريق تهذيب القلب والسلوك زمن الوباء

د- وليد بوعديلة* /

عندما يتحدث كتاب الرقائق الصوفية والتربوية او العلماء الذين بحثوا سبل الصحة القلبية في الاسلام، عن طريق مجاهدة النفس واركانها، يتوقفون كثيرا عند معاني العزلة وآثارها على الفكر والسلوك، وقد وجدنا عند الداعية والمفكر سعيد حوى، في كتابه التربوي الدعوي القيم «تربيتنا الروحية” إحالة مشرقة مميزة للعزلة ودورها في الهداية القلبية الى الله ورضوانه.
لنتفق أن الاسلام حرص على جعل الخلطة الصالحة هي الأساس، لكن قد يضطر الانسان لتجنب الاختلاط والاجتماع لغايات محددة، والدخول في العزلة، داخل مكان مغلق مثل المنزل، يقول الشيخ الامام سعيد حوى”: ان الحالات التي تجب العزلة المطلقة على الانسان حالات عارضة أو طارئة، او مؤقتة، ولذلك فنحن نبحث في معرض السير الى الله موضوع العزلة كركن من أركان المجاهدة كدواء لقلب الانسان ونفسه وضرورة ذلك أحيانا في حياة المسلم”.
وقد ننظر للوجه الآخر لما أحدثه وباء كورونا في يوميات البشر عبر العالم، حيث ألزمنا على الدخول للحجر المنزلي، كوقاية حتمية لتجنب العدوى، في ظل غياب اللقاح والعلاج، وهنا اكتشف الناس فضاء العزلة بين الجدران والأبواب المغلقة، بعيدا عن فوضى الشوارع وازدحام الطرقات، فارتاحت المدن وتنفست الطبيعة، بل إن الحيوانات دخلت مدنا وسيطرت عليها، في منظر غير مألوف!!. كما بدأت معالم وملامح العزلة وأثرها تتجلى.
لا نريد البحث في مسائل العنف والغضب والصراع ومشاكل الأولاد، زمن الحجر المنزلي، وما عرفته بعض الأسر من عراك، أو عنف ضد المرأة، كما تناقلت مواقع التواصل والقنوات، أو ما شهدته بعض الدول الأوربية من ظواهر مجتمعية ناتجة عن الحجر المنزلي، فهذا من شأن الدراسات الاجتماعية، وهي ستكشف الفرق بين الفعل ورد الفعل زمن كورونا في كل مجتمع وتباين المواقف بين مجتمعات تسيطر فيها النصوص والرمزيات الدينية ومجتمعات مادية علمانية.
نريد ان نكتفي بالحديث عن مجاهدة النفس و العزلة داخل المجتمع المسلم ومنه مجتمعنا الجزائري، لنقدم الصورة التي قد تكون عليها بعض القلوب و العقول، والايجابيات التي قد تتحقق زمن عزلة كورونا، يقول ابن عطاء تلله السكندري في حكمه :” ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته، أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله ولم يتطهر من جنابة غفلاته أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته «،صدقت ايها الشيخ الجليل والعالم البصير.
وإن كشف الحجر المنزلي للأولياء عن قيم ومشاعر وميول أبنائهم، فقد أمدتهم العزلة-ومعهم كل من في البيت محاصرا خائفا من الوباء-بفرص مكاشفة عوالم روحية وفكرية لكي يرتقوا مع نفحات شهر رمضان، نحو الأجواء القرآنية، وليعرفوا بعضا من الصمت والهدوء وليدخلوا في بعض من التأمل في الماضي الحاضر، حاصر الوباء وآثاره، واستشراف المستقبل، وغيرها من القيم التي تجلت بعد أن غيبتها مشاغل الحياة ومشاكلها وضوضائها.
لم تكن لنا -قبل كورونا الخبيث-فرصة تنظيف القلب والالتفات للمحتاج والمريض و الفقير، كما لم تكن لنا الأوقات للنظر في مصيرنا بعد الموت، بل أخذتنا الدنيا بوهجها الزائف، وقست قلوبنا، ثم خنقنا روحنا وجسدنا بمظاهر زائفة. من صميم الدنيا الفانية وشهواتها الراحلة؟؟
كما تجبرت الدول الغربية، وداست الدول الضعيفة، وسار قطار التقدم و الحداثة الليبرالية، و لم تترك أمريكا ساحة دولة إلا ونشرت فيها الجنود وتحكمت في الأنظمة ونهبت الثروات ونشرت مشاريعها السياسية والفكرية (العراق، افغانستان، سوريا…).
وبسبب بعض الأعمال والمناصب، غرق الناس في المهمات والاتصالات والصراعات، وضاعت أوقات العبادة والذكر، بل غابت التوبة وانتشرت كل أنواع المفاسد، لدرجة بنينا الشركات والمصانع و الجامعات، وغيرها من كبرى الهياكل، من دون ان يفكر رؤساء ومدراء مؤسساتنا في بناء مصلى صغير، نعود فيه لخالقنا ونصلي صلواتنا، لترتاح قلوبنا واجسادنا من ضغط عمل لا ينتهي، وكأن العامل او الموظف آلة كهربائية او الكترونية، لا روح فيه ولا أشواق ربانية؟!
يحتاج الانسان للعزلة لكي يفكر في حياته ومصيره بعد الموت، كما يحتاجها للبحث في زلاته واخطائه، سيجد بعضنا مثلا مايلي :البعض لم يزر أبويه ولم يسأل عن احوالهم، البعض ملء خزائنه بالمال ووفر الملبس و المأكل له ولزوجه و للأبناء ولم يهتم للتربية و لعواطف الحب والمودة، البعض شيد العمران ولم يبن الأخلاق والفضائل، فالبعض كدس المال بالنهب والسرقة و نسي هادم اللذات ومفرق الجماعات…والكل بقي خائفا مترقبا من فيروس خطير، لا يرى بالعين؟؟
يقول الامام ابن القيم الجوزية في فصل” النفوس الشريفة والنفوس الدنيئة” من كتابه الفوائد: “فلو كانت النفس شريفة كبيرة لم ترض الدون، فأصل الخير كله بتوفيق الله ومشيئته وشرف النفس ونبلها و كبرها، وأصل الشر خستها ودناءتها وصغرها، قال تعالى:” قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها”، أي أفلح من كبرها وكثرها ونماها بطاعة الله، وخاب من صغرها وحقرها بمعاصي الل ه”، انتهى كلام الشيخ، ونحيل القارئ الكريم لفصل هام عنونه الامام ب “من لا يعرف نفسه كيف يعرف خالقه”، لذلك نقول بأن العزلة فرصة كبيرة لكي نكتشف هذه النفس وتحولاتها ونبضها، ونعيد حساباتنا مع الناس وعلاقاتنا وميزان الحكم في تعاملاتنا، ولنتأمل قبل هذا علاقتنا بمن خلقنا وأنعم علينا، دون أن نشكر؟؟؟
أخيرا…
أبناء وطني…إن الحجر المنزلي فرصة للعودة لله، زمن رمضان الكريم، وزمن الوباء الزاحف الخطير، وعندما تترتب المصالح مع العزلة تكون واجبة، بالمفهوم الوطني و الديني، لتجنب انتشار الوباء، وللاستفادة من الوقت لكل ما يفيد من قراءة للقرآن والكتب الهامة في كل تخصص وعلم و ومراجعة لمحطات الحيات المختلفة بأفراحها وأحزانها، ولعل الحجر المنزلي فرصة ثمينة لعلاج القلوب من وسخ ازمنة سابقة، حوصرت فيها بالنميمة و الغيبة والحقد والحسد ،وكل اخلاق التخريب و التهديم، عبر التسكع في الشوارع و الجلوس في المقاهي ،والغرق في مظاهر الزيف ،فتكون تجربة الصراع مع الوباء بمثابة محطة إيجابية لكشف اسرار النفس ومحاورتها ومجادلتها، عن ما قدمته لمجتمعها ووطنها، وما أعدته للقاء خالقها، و يبدو أن الكثير من المصلين قد وعوا مؤخرا ابعاد ودلالات الرسائل المكتوبة على جدران المساجد، وهي تقول لهم:” اغلق الهاتف ،اترك المخلوق و اتصل بالخالق”. اللهم احفظ الوطن وجنبه الوباء والبلاء.
* جامعة سكيكدة

عن المحرر

شاهد أيضاً

يا فرنسا قد مضى وقت العتاب .. التاريخ يعيد نفسه، لكنه لا يكتب بصيغة الحاضر، فهل من معتبر؟؟

أ. محمد مصطفى حابس: جنيف / سويسرا/ بعد الحملة المسعورة على الاسلام والمسلمين في فرنسا، …