الرئيسية | قضايا و آراء | كُتب عشتُ معها (2) «الاسـتـشـراق» لإدوارد سعيد

كُتب عشتُ معها (2) «الاسـتـشـراق» لإدوارد سعيد

أد. مولود عويمر /

اشتريت كتاب: (الاستشراق) لإدوارد سعيد في عام 1988 من مكتبة الإمام علي بن أبي طالب المقابلة لجامع كتشاوة بقصبة الجزائر.
وعرفت ثلاثين سنة من بعد أن صاحب هذه المكتبة الصغيرة اسمه حنفي فراد وهو ابن عم صديقي المؤرخ المعروف الدكتور محمد أرزقي فراد.
لقد صدر هذا الكتاب في عام 1978 في الولايات المتحدة الأمريكية، وترجم إلى لغات عديدة،ومنها اللغة العربية التي صدرت في عام 1981.
قرأت هذا الكتاب رغم صعوبة بعض فصوله على شاب مثلي في بداية تحصيله الجامعي، ثمّ وجدت نفسي مسوقا إلى قراءة كتبه الفكرية الأخرى خاصة في مرحلة البحث والتأليف. وقرأت سيرته الذاتية: (خارج المكان)، كما اكتشفت جوانب أخرى من حياته في كتابات أخته الأستاذة جين مقدسي.
وسمعت محاضرتين حول كتاب»الاستشراق»، المحاضرة الأولى قدمتها مستشرقة فرنسية، وأما المحاضرة الثانية فقد ألقاها إدوارد سعيد نفسه.
في عام 1994 زارت مستشرقة من جامعة ليون وباحثة في التاريخ العربي المعاصر جامعة بواتييه التي كنتُ أدرس فيها آنذاك، وألقت محاضرة حول المفكرين العرب المعاصرين ونظرتهم للاستشراق.
وركزت في مداخلتها على إدوارد سعيد الذي تناولته بشيء من الانصاف على عكس العديد من المستشرقين الفرنسيين الذين انتقدوه بشدة خاصة لما ربط علم الاستشراق بالمؤسسة الاستعمارية، وانتقد بابا المستشرقين الفرنسيين: لويس ماسينيون.
وبعد المحاضرة والمناقشة رافقنا الأستاذة مع بعض الزملاء إلى باب مكتب العميد. ولما عرفت الأستاذة أني جزائري قالت لي أريد أن أعرف رأيك في محاضرتي.
تعجبت منها، وقلت في قرارة نفسي دون أبدها لها: كيف لطالب في مستوى الماجستير أن يقيّم أستاذ كرسي الفكر العربي في واحدة من أعرق الجامعات العالمية؟.
شعرت الأستاذة بحيرتي، فاستدركت وقالت: أنت العربي الوحيد هنا، والموضوع تعرفه أكثر من غيرك، فضلا عن ذلك أريد أن أعرف تقييمك للمصطلحات العربية التي استعملتها في مداخلتي.
أجبتها بكلّ صدق أن محاضرتها كانت قيمة، وأسلوبها كان جذابا، ونطقها للكلمات العربية كان موفقا إلاّ أنني لا أوافقها على طريقة كتابتها لبعض الأعلام العربية في السبورة. رحبت بملاحظاتي الإملائية ووعدتني بمراجعتها.
زار إدوارد سعيد فرنسا للمرة الأخيرة في عام 2002 وألقى في المدرسة العليا للأساتذة بشارع أولم بباريس محاضرة حول كتابه الاستشراق في طبعته الأخيرة المزيّدة.
حضرتُ فعالياتها واستمعتُ إلى محاضرته القيّمة رغم ما كان يحس به من الإرهاق بسبب السفر والمرض. لذلك لم يجب إلاّ على سؤالين فقط.
كان يوما مشهودا في تاريخ هذه المؤسسة العلمية العريقة التي تخرّج منها أشهر المفكرين الفرنسيين، فقد اكتظت قاعة المحاضرات وامتلأت المقاعد والممرات والمنصة حتى كاد المرء لايرى المحاضر من كثرة الطلبة الواقفين حوله. كما اجتمع بساحة المدرسة الطلبة والمهتمون بفكر إدوارد سعيد.
لم أشاهد مثل هذا الإقبال على محاضرات العلماء والمفكرين في المؤسسات الجامعية الفرنسية إلاّ في محاضرة عالم الاجتماع المعروف بيير بورديو في جامعة بواتييه في عام 1994.
لقد كانت قاعة المحاضرات الكبرى «رنيه ديكارت» امتلأت على آخرها حتى شعرت كأنني في المسجد فكان عدد الطلبة والأساتذة الجالسين على الأرض يقارب عدد الجالسين على المقاعد.
لقد أثار كتاب الاستشراق عند صدوره نقاشا كبيرا ولا يزال النّقاش حوله قائماً إلى اليوم، واختلف المفكرون والباحثون حول الأفكار والآراء التي طرحها صاحبه بين مؤيد ومعارض ومحايد.
وإذا كنت أعرف مواقف العلماء الغربيين والعرب تجاه أطروحة هذا المفكر الفلسطيني الأمريكي الشهير، فإن مواقف الشرقيين الآخرين منها، خاصة اليابانيين، ظلت مجهولة عندي إلى أن قرأت مؤخرا دراسة قيمة لباحث ياباني من جامعة هيروشيما تناولت هذا الموضوع.
وتتمثل خلاصة هذه الدراسة في عرض ترجمات مؤلفاته إلى اللغة اليابانية،وبيان رواج فكر ادوارد سعيد بين النخبة اليابانية بغض النّظر عن توجهاتها الأيديولوجية، وإبراز مدى مساهمة فكره في تحرير النّقاش الفكري في اليابان حول ثلاث قضايا أساسية، وهي: العلاقة بين الأدب والتاريخ، الوجود الغربي في منطقة شرق آسيا، وتداعيات الامبريالية اليابانية على مستقبل الشعوب التي استعمرتها.
والآن يبقى السؤال: متى يستفيد العرب والمسلمون من فكر إدوارد سعيد البناء؟.

عن المحرر

شاهد أيضاً

سورة العهد الأسبوعي…(1) واصبر نفسك

مداني حديبي / سورة الكهف سماها شيوخ العلم بسورة العهد الأسبوعي لأنك تعاهد الله على …