الرئيسية | حوار | الدكتــــور مـختــــار حـمحــــامــــي فــــي حــــوار لـ”البصائر”:

الدكتــــور مـختــــار حـمحــــامــــي فــــي حــــوار لـ”البصائر”:

“نمتــلك شـــرف الإســـلام والتــاريخ البطولـــي الشامخ واستراتيجيــــة الجغرافيــــا للبنــاء الحضاري والتفـــوق”

 

 

حاوره: جـمال بوزيان /

 

 

نستضيفُ اليومَ أستاذ التَّعليم العالي بجامعة وهران؛ تَخصُّص علوم إسلاميَّة. له مُشارَكات في عِدَّة ملتقيات عِلميَّة أصدر مطبوعات؛ منها: «القرائن وأثرها في فهم الـخِطاب الشَّرعيِّ» عن دار ابن حزم ببيروت عام 1430 هـ 2009 م؛ و»تذليل العِبارة في مباحث الكِتاب والسُّنَّة. دراسة دلاليَّة في عِلم أصول الفقه» عن دار الـمختار للطِّباعة والنَّشر والتَّوزيع بالـجزائر عام 2010 م. وللأستاذ الجامعيِّ مقالات كثيرة نشرها في مَجلاَّت عِلميَّة؛ وقدْ تَناول فيها جُملة مِنَ القضايا والـموضوعات كتعليم عِلم أصول الفقه؛ والشَّخصيَّة الإسلاميَّة في العصر الرَّاهن بيْن الخلفيَّة الـمعياريَّة والطُّموحات الحضاريَّة؛ و»الـمدرسة الـمالكيَّة في منظور الشَّيخ الأطرش السُّنوسيِّ»؛ و»دراسة عرضيَّة لمخطوط «الجامع» للشَّيخ خليل بن إسحاق؛ و»الرَّقابة الشَّرعيَّة للسُّوق وأثرها في حـماية المستهلك»؛ و»التَّفسير.. تَطوُّره ومناهجه»؛ و»الطَّلاق، مفهومه ومقاصده»؛ و»التَّيسير والاحتياط في مَخارج الفتوَى»؛ و»حوار الذَّات ومَعالِم الاجتهاد عند الأمير عبد القادر؛ و»التَّأويل الـمجازيُّ في قراءة الـخِطاب الشَّرعيِّ»؛ و»النَّظر الاستدلاليُّ بيْن قيْد النَّصِّ وتنـزُّلاَّت الوقائع»؛ و»سلطة مجريات الأعمال في الفقه المالكيِّ بيْن الاعتبار وبيْن الإهمال»؛ و»المرتكزات الشَّرعيَّة لتفعيل مقاصد الشَّريعة في الاجتهاد والفتوَى»؛ و»مناهج المدارس الأصوليَّة».. وغيرها.

 

مَرحبًا بكُم.
-أهلا.. ابتداء شكرا جزيلا لك، ولصحيفة “البصائر” على هذا اللقاء الطيب والحوار الهادئ.
بدايةً؛ ما الفَرقُ بيْن العقلِ في القرآن الكريم وعند الفلاسفة والـمُفكِّرين؟
mm كان سؤالك عن العقل محور التّخاصم بين الملل والنّحل، ممّا أدّى إلى عقلانيات متنافرة متناقضة، القرآن العظيم يصرّح بأنّ العقل هبة الله للإنسان، قال الله تعالى:﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[النحل: 78]، وهو ههنا يسميه “الفؤاد”، ويسميه تارة أخرى “القلب”، وتارة “حِجر”، ويصف أصحاب العقول تارة بأولي “الألباب” وهكذا، وبالعقل وقع التّكريم للإنسان على كثير من الخلق، والقرآن ينيط هداية الإنسان بالعقل السّليم الذي يكشف لصاحبه عن الحقائق من خلال تعامله مع المدركات الحسيّة الظاهرة والوجدانية، ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[البقرة: 164]، وهذا العقل مخلوق محدود إدراكه، ولهذا تتفاوت عقول النّاس بتفاوت إدراكاتهم للحقائق المحيطة بهم في عالم الشّهادة، هناك عقول محجوبة عن الفهم الصّحيح وهذا حال الرّافضين لهداية القرآن، قال الله تعالى:﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾[الأعراف: 179] والقلب في هذا السيّاق يُراد به العقل من حيث هو قوة التّمييز في الإنسان، وهناك عقول ليس بينها وبين الحقائق حجاب وفيها قال الله تعالى:﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾[آل عمران]، ولكون العقل محدود فهو بطبعه غير مهيأ أن يتجاوز عالمه المشهود إلى عالم يفتقر فيه إلى وسائط الإدراك، وهو عالم الغيب، حيث تتعطّل الحواس دونه ولا له مثال في عالم التّعقلات، هو مقطوع عن أسباب معرفة الغيب، حينئذ يفتقر العقل إلى الوحي ليخبره عن حقائق ما وراء عالم الشّهادة، ولهذا جاء فيما بعد الآيتين السابقتين قوله تعالى:﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾[آل عمران: 193]، أولوا الألباب الذين شهدوا لله بأحقيّة الخلق يتلَقّون الإيمان المطلوب شرعا بالاستماع للوحي، إذن العقول أدركت الحكمة ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ والانقياد للوحي يحققّ الإيمان المطلوب شرعا. أمّا الفلاسفة عبر التاريخ والمفكرون غير المسلمين يشتركون في تقديس العقل باعتباره طاقة مفكّرة في المحسوسات أو الوجدانيات دون قيد آخر، لا يتجاوزون في تعقلاتهم عالم الشهادة، حتى الذين يؤمنون بخالق ما فإنّهم يتكلمون عن الأخلاق لحاجة ضبط المجتمعات البشرية التي تحتاج للبعد الغيبي لا لكون أنّ العقل يقرّ بهذا، هذا فولتير يرى ضرورة اختراع الإله إذا لم يكن موجودا، وإنّ العقلانية الديكارتية قد عدمت فكرة كون الإله هو مبدأ الوجود والمعرفة لتقيم مقامها كون الإنسان الفرد المفكر مبدأ، ولهذا صارت الحقيقة الإلهية تابعة لإدراك الإنسان الفرد، هذا العقل الغربي الذي تطوّح في تموجاته من الإنسانوية التي ألَّهت الإنسان إلى الطبيعية وتأليه الطبيعة إلى الوضعية باعتبارها فلسفة أعدمت الدِّين لتستسلم للتقنية المادية.
هلْ نال التُّراث العربيُّ والإسلاميُّ حصَّته الكافية مِنَ الدِّراسات العلميَّة الرَّصينة؟
– لا شكّ أنّ جهودا كثيرة صرفت في خدمة التّراث الإسلامي العربي من أهل المعرفة الباحثين الجامعيين وغيرهم، كانت من نتائجها إخراج جزء كبير من هذا التراث من عالم المخطوط إلى عالم المطبوع، وكثيرا ما تجرى عليه دارسة علمية منهجية، غير أنّ هذه الحركة العلمية لم تزل ضعيفة في مجال التّحقيق وأشدّ منها في مجال الدراسة النّقدية التي تثمر مشاريع النّهضة وتنوّر مراحلها وأجزاءها بالمبادئ العامّة والخطط الإجرائية القادرة على تجاوز الاستضعاف الحضاري عندنا، ولا ننسى أنّ هذا التراث يتعرّض لعوائق ذاتية في الأمّة، وأخرى خارجية تُصدِرها المدارس الاستدمارية التي بدأت منذ فجر النّهضة الغربية على يد الحركة الاستشراقية، والآن قد كوّنت قاعدة عريضة من الفكر الاستغرابي المتحكّم في مفاصل الحركة الثقافية والعلمية الأكاديمية داخل المجتمعات العربية الإسلامية.
بِمَ تُفسِّر رفض “الثَّقافة الغربيَّة” للحُجج العقليَّة الَّتي يَستند عليها الإسلام في فكرته
– الثقافة الغربية مبنية على أفكار وليدة المدارس الفلسفية منذ بداية عصر النّهضة، هذه الأفكار قد وقفت معادية للفكر الديني أساسا، حيث جعلت الإنسان محور الوجود وليس الإله، حتى تلك التي لا تعادي الدِّين في ظاهرها فإنّها لا تتخذ الدِّين إلاّ ضابطا أخلاقيا بين النّاس، ولا تؤسس نظرتها له على العقل أو المقررّات العلمية، هذا ما يعطي التيّارات الإلحادية مبررات التهجم على الدِّين والاستهزاء بفكرة الإله (فالإله لديها قد مات)، على هذا الأساس لا تلقي الثقافة الغربية بالا للحجج العقلية ولا غير العقلية التي يقدمها الإسلام، بل إنّ تيارا قويا يحاول أن يقنع المسلمين بكون الديانات كلها سماوية وغير سماوية تهدف لغاية واحدة وتتفق في مقاصد العبادة فيها، وتسعى لفرض فكرة وحدة الأديان بطرق متعدّدة.
كيْف تَرَى نقد الفلاسفة والكُتَّاب للإسلام بصفته دِينًا في هذا العصر؛ وليس للفكر الإسلاميِّ؟
– نقد الفلاسفة للإسلام بصفته دِينا وليس بصفته فكرا، هذا لا يستقيم بل هو تبرير مقلوب، الفكر ليس إلاّ نتاجا للنّصوص الدينية أي المصادر الإسلامية التي هي القرآن العظيم والسنّة النّبوية، لا يوجد نتاج للفكر الإسلامي إلاّ وهو ينطلق من المصادر الإسلامية حتى الفلسفة (الإسلامية) فإنّها تدّعي أنّها لا تتناقض مع المصادر الدينية المعرفية الإسلامية، وهذا ابن رشد الفيلسوف الفقيه القاضي المتوفي عام 595 هـ الذي اتكأت أوروبا على كتبه قرونا في نهضتها- يعلن أنّ الشّريعة متفقة مع الفلسفة في كتابه المشهور الموسوم “فصل المقال فيما بين الحكمة والشّريعة من الاتصال”، إذن لا يمكن أن يوجّه النّقد للإسلام دينا مع تبرئة منتجاته الفكرية التي هي فهوم علماء الإسلام لنصوصه المعصومة لكونها وحيا منزّلا على رسول الله -صلّى الله عليه وآله وسلّم-.


اجتهدَ عبْر التَّاريخ فقهاء مُسلِمون في “تقنين الشَّريعة الإسلاميَّة”؛ هلْ تَرَى ذاك ضروريًّا اليومَ في ظلِّ انتشار “فتاوَى لغير الـمُتخصِّصين”؛ وكيْف؟ وماذا تقول لـمَن يَلوِي عُنقَ التَّعبير القرآنيِّ “النَّصِّ” بِداعي الاجتهاد؟
– تقنين الأحكام الفقهية محاولة بدأت أواخر العهد العثماني تقريبا في النّصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي في ما يسمّى “مجلة الأحكام العدلية”، ثمّ اختفت هذه المجلّة وخاصّة في عهد أتاتورك، وبعد استقلال الدول الإسلامية نشطت حركة التّقنين في الأحوال الشخصية دون الفروع الأخرى للقانون، وهل هذا التّقنين ضروري أم لا؟ أرى أنّ الجواب عن هذا السؤال ليست مجدية ما دام العمل بالشّريعة معطّلا، نحن لم نزل تحت آثار الاستدمار المتعدّدة ومن أوضحها هيمنة المنظومة القانونية الاستدمارية، إذ الضّرورة يجلبها الواقع العملي وهذا مغيّب في حياة المجتمعات الإسلامية، أمّا ظاهرة الفتاوى من غير أهلها ناتجة عن غياب السلطة العلمية الشّرعية ذات المصداقية التي يرجع إليها المسلمون، الفقهاء لا تربطهم إلاّ الهيئات الحكومية الرسمية التي يسيرها الفكر العلماني القائم على إبعاد الشّريعة عن شؤون الاقتصاد والسياسة والاجتماع وغير ذلك في مختلف مناحي الحياة العامّة للمسلمين، هذا الوضع أفقد الثقة بالفقهاء الرسميين وفتح باب الفوضى داخل النّسيج الاجتماعي في تمثيل المرجعية الفقهية، ولا يمكن معالجة هذا الإشكال إلاّ بإصلاح شامل وصحيح وصادق للمنظومة التّعليمية الشّرعية من جهة وتمكين الأمّة من أن تتحاكم إلى الشّريعة الإسلامية في شؤونها.
ألا تُلاحِظ الإسلام بِصفته فكرًا حيًّا مُتعايشًا ومُنتشرًا بحركيَّة تَتزايد كُلَّ حينٍ في أصقاع الأرض عبْر آفاق يَفتحها بنفسه وبمعاييرَ تَعجز الأفكار الأخرى عن تقليده ومسايرته؟
– أجل، الإسلام دِين الله الذي رضيه لعباده أن يتديّنوا به، وتعهّد سبحانه أن يحفظ كتابه النّاطق بمقاصده من التّحريف، وقد أخبر الصّادق المصدوق -صلّى الله عليه وآله وسلّم–:(إنّ الله يبعث لهذه الأمّة على رأس كلّ مئة سنة من يجدّد لها دينها).. هذا مقرر شرعا والواقع يدلّ عليه، والفكر المبني على مضامين الإسلام من غير تحريف ولا تبديل فكر يجد طريقه إلى الفطرة البشرية ويتخلّل إلى النّفوس مع كثرة الشّبهات المثارة ضد الإسلام، ولا تغلبه الأفكار الفلسفية المختلفة المتعدّدة وهذا ملاحظ في واقع الثقافات.

هلْ تأثير «القِيم اليهوديَّة والنَّصرانيَّة» الَّتي تَعتمدها «الثَّقافة الغربيَّة» عمومًا تَمنع تَعايشًا حقيقيَّا مع الثَّقافات الأخرى بما فيها الإسلاميَّة؟
-القِيم من حيث أنّها قِيم لا تمنع من التّعايش بين الديانات والثقافات، والدليل على ذلك فترة الحضارة الإسلامية قد تعايشت فيها مختلف الديّانات حتى عبّاد النّار (الـمجوسية) كان لهم حق العيش وفق معتقداتهم ومنهم اليهود والنّصارى الذين كانوا موجودين حتى في مجالس الخلفاء والسلاطين مستشارين وأطباء وغير ذلك.. ولهذا نقول إن الثقافة الغربية بخلفيتها اليهودية النّصرانية تمنع التّعايش الحقيقي مع الإسلام بسبب العنصرية الدينية وحتى العرقية المسيطرة على حملة الثقافة الغربية والتحكّم في صناعة القرار السياسي في الغرب، كيف نفسر منع فرنسا المرأة المسلمة ارتداء الخمار وتسمح دول أخرى أوروبية بذلك؟، إن القِيم الثقافية واحدة، ولكن الطّبقة السياسية الفرنسية قد غلبتها عنصريتها وليست اليهودية والنّصرانية التي تنتمي لها ثقافيا.
بمعايير التَّفوُّق؛ والنَّجاح على الأقلِّ؛ كأنَّ ثِمار الباحثين والعلماء في العالَم العربيِّ والإسلاميِّ تَذهب سُدًى.. كيْف تَرَى ذلك؟
-استثمار نتائج البحث العلمي –في كلّ المجالات العلمية– يحتاج شروطا عديدة من أهمّها صلاحية البيئة المكونة من ثقافة وتأهيل العنصر البشري وقدرة الوسائل التقنية لذلك مع وجود تشجيع حقيقي في السياسات التنفيذية للمنتجات البحثية، خاصّة المنظومة القانونية الناجعة وصلاحية دواليب الإدارة التنفيذية، وكلّ هذا غائب في عالمنا العربي الإسلامي حتى وإن وجدت النيّات المخلصة فإنّها لا تكفي في واقع عاجز لاستثمار أي معطى إيجابي يتوفّر لديها.
ما النَّقائص في بُلدان العالَم العربيِّ والإسلاميِّ لتأهيل جيل مَعرفيِّ مُنتِج؟
– صناعة أجيال المعرفة المنتجة تتطلب الصدق في التّوجه والخبرة المؤهلة لذلك، الواقع لا يحتاج استدراك النّقائص، لأنّ هذا لا يكون إلاّ عملية تلفيقية سرعان ما تخفق، كما ثبت ذلك في كلّ التّجارب السّابقة منذ الاستقلال، لكون الأساس الذي يقوم عليه التّرميم غير سليم، وهو لا ينطلق من مؤهلات الأمّة، إنّما جيء به من خارج محيط الأمّة كما تستورد البضائع المصنّعة.
يُحافِظُ الإسلامُ على النَّفس والعقل والشَّرف والدِّين والـمال؛ في حين يَقودُ «الإلحاد» الإنسانَ نحو الـمُسكِرات والـمُخدِّرات والرَّذائل… مَن يَضمنُ تَوازن الإنسان؟ وما ملامح الـمنظومة الصِّحِّيَّة في الإسلام؟
– لقد ذكرتَ أن الإسلام يحافظ على النَّفس والعقل والشَّرف والدِّين والـمال، وهذه مقومات بقاء الوجود البشري على كوكب الأرض مستمرا على هيئة تكرّم الإنسان دون أن تختلّ توازناته، والإسلام قد وضع القواعد العامّة التي لا بدّ منها لحفظ صحّة الأبدان، حافظ على العقل بجملة من الأحكام كوجوب طلب العلم وحرمة ما يفسده من مشروبات ومطعومات، وحرمة قتل النّفس بغير حقّ لا بسفك الدّماء ولا بالانتحار:﴿ولا تقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيما﴾، وأمر بأخذ الحظ من الأكل النّافع والشرب السّائغ، وفي الوقت ذاته حرّم التّبذير فقال: ﴿كلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾.. وهكذا، وتبقى تفاصيل الحياة المتنوّعة والمتجدّدة على مرّ الزّمان واختلاف الأماكن تبقى تابعة للاجتهاد توضع لها أحكامها الخاصّة بها الموافقة لتلك القواعد العامّة الحافظة لصحّة الأبدان وما يلحق بها من دِين وعقل ونسب ومال.
هلْ تَرَى الـمُجتمَعات العربيَّة حاليًا بدائيَّة؛ وقدْ لا تُساعِد على مُقاوَمة فيروس «كورونا» أَمْ أنَّ العجز كامِن في «منظومات الـحُكم»؟
– المجتمعات العربية تعيش حالة متدهورة في مستويات الحضارة المعاصرة غير أنّها ليست بدائية بالمصطلح الاجتماعي، الفوضى المحكومة بها ليست ذاتية فيها بل هي عارضة بإمكانها تجاوزها، وهي تملك مقدرات الاستئناف الحضاري على المستوى البشري ومستوى الثروة، تتجاوزها بشروط موضوعية ينبغي أن تتوفّر في طريق التّغيير، فيروس «كورونا» من منتجات العالم الغربي وليس وليد البيئة العربية وهناك فيروسات غربية أشرس خطورة من «كورونا» وسائر الصناعات البيولوجية الفتاكة، هي فيروسات الاستلاب الحضاري والغزو الثقافي المسلّط على الأمّة.. فيروس «كورونا» يهمّ العالم جميعا والآن فتك بالغرب أكثر من العرب، ولهذا مواجهته هي أممية عالمية وليست الدّول العربية وحدها حتى وإن كانت أنظمتها فاشلة.
ما الأسباب الرَّئيسة لارتهان القرارات والـمَواقف في العالَم العربيِّ للأجنبيِّ؟ ومتى تُحْدِثُ الأُمَّـةُ تَوازنًا يَليقُ بها؛ وتَنتهي «التَّبعيَّة الـخاذلة»؟
-القرارات والـمَواقف في العالَم العربيِّ مرتهنة بالأجنبيِّ لأنّ هذا الأخير مستدمر لها منذ نهاية القرن الثامن عشر الميلادي أو أزيد لبعض الدول العربية، وهي لا تمتلك حريتها واسقلاليتها، هي في سياساتها ونوع أنظمة حكمها وتوزيع ثرواتها وأنظمة تعليمها وغير ذلك، أمّا متى تَنتهي التَّبعيَّة؟ نحن لا نحددها بتاريخ وإنّما تتحدّد مسافة الانعتاق طرديا مع ما نقدمه من الأسباب الصّحيحة لذلك، لقد كانت معارك ضارية بيننا وبين الاستدمار الغربي غير أنّها لم تكن كافية لإقامّة استقلال تام وسيادة حقيقية.
لـماذا يُقصَى الإسلامُ في كثير مِنَ الشُّؤون العامَّة في العالَم العربيِّ؛ ويُحارَب «باسم الإسلام» في الـمَساجِد؛ وعبْر مَنابِرَ أُخرى؛ ويُحارَب أيضًا في مَناهِج التَّربية والتَّعليم؛ ويُحارَب اللِّسان العربيِّ الفصيح؟
– هذه هي مظاهر الصّراع، الاستدمار الغربي خلّف في الوطن العربي من يحمل مشروعه يستميت لإقصاء الـهُـوِيَّـة العربية الإسلامية عن التّفاعل الحقيقي لصناعة الاستقلال، الاستغراب متغلغل في هياكل صناعة القرار وإصدار القوانين لإِحكام السيطرة على إبقاء الاستضعاف في جسم الأمّة.. حتى في حالات التّعامل مع المناسبات الإسلامية هو على أساس «الفلكور» الشّعبي وليس على أساس انتماء حضاري.. المولد النبوي الشريف وعاشوراء والأعياد.. كلّ ذلك صار وسيلة تخدير للشعوب وذريعة تجهيل وتسطيح لمعطى الانتماء الحضاري للإسلام، وعلى هذا ليس غريبا أن توظف المساجد والرموز الدينية لمحاربة مشاريع نـهضة الأُمَّـة.
على قلَّة مَراكِز الدِّراسات في العالَميْن العربيِّ والإسلاميِّ؛ يَكادُ يَنتفِي التَّعاملُ معها لـمَعرفة الرُّؤى الـمتنوِّعة لبِناء الدُّول على أُسُسٍ متينة… ما رأيكَ؟
– القلّة هذا واقع، والأكثر منه أنّ تكون هذه المراكز لا تحمل مشروع النّهضة انطلاقا من هُـوِيَّـة الأُمَّـة، وإنّما هي ملحقات لمثيلاتها في العالم الغربي، تقوم بالدراسات المختلفة لتوضع في رفوف المكتبة عندنا في الوطن، ولكن تؤخذ في المؤسسات البحثية الغربية محمل الاستفادة في تطوير البرامج المعدّة التي تصدر للعالم العربي قهرا عبر المعاهدات المختلفة.
لا حضارة دون ثقافة؛ لكنِ الثَّقافة في العالَم العربيِّ كأنَّها مُشكِلة؛ أو يُراد «ثقافة مُستورَدة أو مَحلِّيَّة مُحنَّطة وعلى الـمَقاس»… كيْف تَرى ذلكَ؟
– مشكل الثقافة عندنا مشكل أساسي، منه يكون الانطلاق نحو تحقيق الذات، المستوى الحضاري للأمّة يتناسب مع المستوى الثقافي قوة وضعفا، وواقع العالم الإسلامي تزاحمنا فيه ثقافة المستدمر الغالبة بشراسة لا تهادن مع ضعف المناعة الثقافية داخل المنظومة التّعليمية بل تمييعها إلى حدّ استهداف الخواء الفكري وعدمية الرّصيد الثقافي في مخرجات البرامج التي وضعت لصناعة الأجيال.. الحقّ أنّ المؤسسات التي يديرها العقل الغربي لا تريد ترقية الجانب الثقافي عند العرب للتفوّق وإنّما تريد تهيئة أجيال الخدمات في النّسيج الحضاري الغربي، تستفيد من الذكاء العربي ضمن القوالب الغربية وتريد اليد الماهرة في التكنولوجيا والطب وغيرها مغرقة بالقِيم الثقافية الغربية.
كثيرًا ما تَظهر الـخرافة زمنَ الحروب والاضطرابات والفتن والأمراض الـمُعدية والأوبئة الفتَّاكة.. ما تفسيركَ؟
–  انتشار الخرافة دليل على عموم الجهل، وما ذكرته من الحروب والاضطرابات والفتن والأمراض الـمُعدية والأوبئة الفتَّاكة جالبة للجهل إذ يفنى أهل العلم والفكر السليم فيُهجر طلب العلم وتخرب مدارسه، فلم يبق إلاّ الجهل معششا في رؤوس القوم.
تَزداد الصِّراعات الفكريَّة والدِّينيَّة والسِّياسيَّة حتَّى أثناء الأزمات العالَميَّة عِوض تَضامن الـمُجتمَع الدُّوليِّ «مُقاوَمة جائحة كورونا أنموذجًا».. ما رأيكَ؟
– الصّراعات لا تتوقف، بل علاقات الدول لا تحكمها إلاّ التّوازنات والمصالح.. وأطماع التّوسع لا توقفها إلاّ قوة أكبر رادعة، وأرى أنّ الدّول الكبرى في هذه الآونة ليس لها سبيل إلاّ التّعاون لمواجهة وباء «كورونا»، والأخبار تنبئ بذلك، وفي ظل تبادل التّجارب والتّعاون لا تتوقف المنافسة على الغلبة، هذه طبائع الدّول في سُنَّة التّدافع.
الإسلام بفكره الـمَرن لا يَتفرَّجُ حِيالَ الأخطار والأزمات والـمُشكِلات؛ بلْ له حلول؛ لكن أهله مُغيَّبون… كيْف تَرَى ذلك؟
– أهل الإسلام مغيّبون حقيقة.. أمّا الإسلام دِين الله في نفسه مهيمن على الأديان كلّها، وهو هداية الله إلى البشر، ومن أعرض فلا يهلك إلاّ نفسه، والدنيا دار ابتلاء وامتحان وليس بالضرورة أن يحكمها المسلمون.. ﴿وتلك الأيام نداولها بين النّاس﴾.. أمّا الآخرة فهي للأتقياء.. ﴿تلك الدّار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون عُلُوًا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتّقين﴾.
وصيّةٌ مُوجَزةٌ منكم إلى كُلِّ العاملين في مجالات الدَّعوة الإسلاميَّة بشأن تطوير الـخِطاب؛ والتَّضامن خاصَّة لإنقاذ البشريَّة في هذا الزَّمن الكورونيِّ القاتل؟
mm مضمون الخطاب الدّعوي لا يتغيّر لثبات غايات الإسلام ونصوصه السرمدية، وإنّما التّطوير يكون في الوسائل وترتيب أولويات المهام المتعلّقة بالأحداث المتزامنة.. والدّعوة إلى التّضامن من شعائر الإسلام ﴿وتعاونوا على البرّ والتّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾، والمسلمون لا يمنعون خيرهم ما وجدوا من يأخذه عنهم، إلاّ أنّ الاستضعاف الذي يطبع واقع المسلمين لا يؤهلهم أن يكونوا في قيادة التّضامن العالمي وإنّما لا يتجاوزون مستويات دفع «الفاتورات» المالية لـمنتجات المستحضرات الطبية وما يتبع ذلك للمخابر العالمية.
في وصفةٍ؛ ما رؤيتكَ لتوجيه بوصلة الأُمَّـة نحو تغيير تربويٍّ وتعليميٍّ وصِحِّيٍّ وفكريٍّ وثقافيٍّ وإعلاميٍّ وصحفيٍّ وقانونيٍّ وتكنولوجيٍّ وعِلميٍّ وصناعيٍّ وزراعيٍّ وغيره بدل «الصِّراعات الاثنيَّة القاتلة»؟
mm»الصِّراعات الاثنيَّة القاتلة» هي من المطبّات التي نصبها الاستدمار داخل المجتمعات العربية، وإبعاد الأمّة عنها مسؤوليات الجميع وعلى مستويات مختلفة، لا بد من إشغال الرأي العام للأمّة بما يقويها في كلّ المجالات التي ذكرتها في سؤالك، بداية من المنظومة التّعليمية إلى التّرسانة القانونية وتصفية دواليب الإدارة من العوائق المانعة للنّجاح إلى بث ثقافة الأمّة دون أن تقتل خصوصية الثقافة المحلّية.. ويكون الاستحقاق قائما على الكفاءة بعيدا عن الولاءات الجهوية وغير ذلك ممّا هو معروف في هذا المقام.
كيْف تُقيِّم جهود «جـمعيَّة العلماء الـمُسلِمين الـجزائريِّين» في الـحفاظ على الـمُقوِّمات الـحضاريَّة للشَّعب الـجزائريِّ؟ ورأيكَ في ما تَبذله مِن جهود لـمواجهة «الجائحة» حاليًا؟
– “جـمعيَّة العلماء الـمُسلِمين الـجزائريِّين» تختزن تاريخ الأمّة الجزائرية، هي الرّوح التي بثها علماء الإصلاح في عروق الجزائر فأحيى الله تعالى بها شعبها الأبي الذي شيّد المدارس وفتح النّوادي العلمية واعتنى بالمجلاّت الإصلاحية فأثمرت هذه الروح جهاد الثورة التّحريرية المظفرة.. ثمّ استأنفت عملها على أمل المشاركة في توجيه الأمّة لاستكمال مشروع الـهُـوِيَّـة تحت شعارها المعروف (الإسلام ديننا والجزائر وطننا والعربية لغتنا).
أمّا ما تبذله مِن جهود لـمواجهة «الجائحة» حاليًا هو معلن عنه في نشرياتها الرّسمية، وهي لم تألُ جهدا في ذلك عبر شُعبها الولائية في كامل الوطن، غير أنّ إمكانياتها محدودة جدا كبقية الهيئات المجتمعية الأخرى، ومع ذلك فإنّها عند مسؤولياتها الدّعوية والأخلاقية تجاه هذه الأزمة الوبائية.. نسأل الله العليّ القدير أن يسدّد العاملين فيها إلى خدمة الأمّة.
بِصفتكم أستاذًا جامعيًّا .. يَودُّ القرَّاء معرفة كيفيَّة قضاء أوقاتكم أثناء الحجر المنزليِّ الصِّحِّيِّ؛ وماذا قرأتم؟ وماذا كتبتم؟
– الجامعة –الآن – قد أعدّدت منصّة إلكترونية للتّعليم عن بعد، وأنا أتواصل من خلالها مع طلبتي لتّحصيل المحاضرات المتبقية في هذا السداسي، بالإضافة للوسائط الرقمية التي كانت بيننا قبل هذه الكارثة الوبائية، ثمّ هناك مشاريع بحثية نشتغل فيها ضمن وحدات البحث الأكاديمي الجامعي، إنّها أبحاث مستمرّة لسنوات في برامج الجامعة، وكذلك مشاريع طلبة الدكتوراه، أُشرِف على هذه الأبحاث غالبا ما تكون عبر وسائط التّواصل الإلكتروني، وهي لم تتأثر بالوضع إذ الأصل فيها الاشتغال في أماكن متفرقة تجمعنا شبكة «الإنترنت».. في الحقيقة، إنّ الباحث الجامعي لا يجد ضيقا من الحجر لكونه قد وفّر له وقتا ثمينا لحساب متابعة الأبحاث وإتمام إنجازاته العلمية، هذا من جهة العمل البحثي.
أمّا في الأُسرة، هناك أمر متابعة الأبناء في دراستهم، ولا بد من إحلال محلّ المعلم المدرسي والأستاذ في المتوسطة، وهذا الجانب أشق من العمل العلمي الخاص بي، وهو يتطلّب صبرا وكفاءة لذلك.
رسالة لكلِّ النَّاس داخل الوطن وخارجه مِن أجل حـماية أنفسهم وغيرهم.
– حماية النّفوس واجب على إنسان مسلم كما أشرنا إلى ذلك في أول الحديث، والحكمة تقول:(العقل السّليم في الجسم السّليم)، والحياة الطّيبة في الدنيا القائمة على عبادة الله تستدعي نفوسا قادرة على الاستخلاف في الأرض.. ولهذا من شروط تحصيل ذلك يجب المحافظة على النفوس والله تعالى يقول:﴿من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعا، ومن أحياها فكأنّما أحيا النّاس جميعا﴾.
سعيدٌ بكَ اليومَ دكتور؛ كرمًا لا أمرًا؛ كلمة ختامية
– أقول:إنّ الله تعالى كرّمنا بهذا الدِّين، وكرّمنا بهذا البلد الطيب أهله وترابه، نحن نمتلك شرف دِين الإسلام وشرف التّاريخ البطولي الشّامخ وشرف استراتيجية الجغرافيا.. نمتلك كلّ هذا قاعدة للبناء الحضاري، نمتلك قوّة دافعة ومبررات التّفوق فلا بد من العمل بجدّ لننال شرف المنزلة.. وشكرا جزيلا.

عن المحرر

شاهد أيضاً

أحمد الشمري مدير مشروع صناعة القراء العالمي في حوار للبصائر

إن المناخ الفكري والنفسي الذي نحيط به الأبناء والبنات، هو الذي يؤثر سلبا أو إيجابا …