الرئيسية | أقلام القراء | المقدمة بتوقيع “السديس”/ الأستاذ محمد الحسن أكيلال

المقدمة بتوقيع “السديس”/ الأستاذ محمد الحسن أكيلال

 

 

 

 

لقد نجح النظام السعودي أخيرا في تأليف السيناريو وفي إخراجه بعد أن أخفق في ذلك خلال السنوات الخمسة عشر الماضية في سيناريو مبادرة السلام العربية التي ألفها الأمير “عبد اللـه” ولي العهد قبل أن يتحول إلى ملك للملكة العتيق، ربما لأن الأمير “عبد اللـه الفيصل” وزير الخارجية الذي كان من جيل غير جيل “الجبير عبد العزيز”، وليس من طينته، ولا علاقة له بالملك “فيصل” رحمه الله.

 

إن النظام السعودي الجديد اختار أن يعتمد القوى الناعمة في مملكته، ويا ليتها كانت القوة الناعمة فعلا، حتى ولو وضع على رأسها رمز كل المملكة وإمامها في الحرم الشريف، الشيخ العلامة “عبد الرحمان السديسي” الذي كان والحق يقال رمزا لكثير من الشباب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يأتمرون بأوامره ويتناهون بنواهيه، بل ويعادون غيره من العلماء المسلمين الذين تشهد عليهم شهاداتهم الأكاديمية ومؤلفاتهم وكتبهم في علوم الدين والشريعة.

 

لقد فعلها “السديس”، وكان له الحظ للقبض على قصبة السبق بالإعلان من أمريكا بأن بلاده والولايات المتحدة الأمريكية ستقودان العالم إلى بر الأمان ويشتركان معا في صنع السلام في الشرق الأوسط.

 

إنها مقدمة متينة وبليغة لخطاب متين وبليغ ألقاه من على منبر الأمم المتحدة الشاب اليافع وزير الخارجية السعودي “عبد العزيز الجبير” الذي لخصه في عبارة قوية جدًّا هي: لا مبرر للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي ما دامت دول العالم متفقة على حل الدولتين.

 

حدث هذا بعد أن ظهر جليا تغير منحنى النظام في المملكة بإزاحة ولي العهد السابق واستخلافه بولي العهد الحالي “محمد بن سلمان” الذي ذاع خبر زيارته السرية إلى دولة الكيان الصهيوني، وينتظر أن يتنازل له والده الملك “سلمان عبد الملك” ليصبح أول شاب في آل سعود يتولى المملكة بالطريقة التي أرادها أبوه والبقية الباقية من العائلة التي يبدو أن ما زرعه فيها “بندر بن سلطان” وسلطان نفسه و”الوليد بن سلطان” من أفكار أعلن عنها سفير الإمارات العربية المتحدة في واشنطن في حديث لقناة تلفزيونية أمريكية من أن المملكة بصدد التحول بنظامها إلى العلمانية، رغم أن العلمانية لا تبرر لهذا النظام أن يتملص من التمسك بالمبادئ المقدسة لكل الأمة العربية والإسلامية وأهمها على الإطلاق: تحرير فلسطين والمسجد الأقصى من التهويد الذي ينتظر الصهاينة المحتلون فرصة كهذه التي منحتها لهم المملكة للإجهاز عليه وهدمه لبناء هيكل سليمان على أنقاضه؛ ربما لأن اليهود الصهاينة أقنعوا النظام في المملكة، الأسرة الحاكمة و النخبة على رأسها “السديس” بحقائق التاريخ المشترك قبل الإسلام، وفي ذلك الكثير من التهديد والابتزاز، بالإيحاء بالمطالبة باسترجاع الأراضي والمناطق التي كان تقيم فيها الشعائر اليهودية قبل الإسلام، وربما بالتخويف بإيران أو بتحريك الشارع السعودي للمطالبة بإسقاط النظام الذي لم يعد له مبرر للبقاء وإطلاق اسم العائلة على أرض شبه الجزيرة العربية.

 

كان يمكن للإعلاميين والمثقفين والمفكرين العرب الذين سقطوا في بركة، بل مستنقع الدعاية الخليجية خلال العقود الثلاثة الماضية أن يتفطنوا لمحاولات صياغة السيناريو الرديء منذ الإعلان عن مشروع المبادرة العربية للسلام، حتى قبل أن يتبناها مؤتمر القمة العربية في بيروت عام 2002 لسبب بسيط هو غياب الرئيس الراحل “ياسر عرفات” رحمه الله، الذي منعته قوات الاحتلال من الخروج حتى من مقره في رام اللـه الذي أحيط بالدبابات التي دكت أسواره وبعض مكاتبه.

 

كان يمكن لهؤلاء أن يتفطنوا لهذا السيناريو حين كانت القوات الصهيونية في جنوب لبنان تحاول القضاء المبرم على المقاومة اللبنانية (حزب الـلـه) الذي أمكنه الله من الصمود والمقاومة حتى النصر لأول مرة، ثم بعد ذلك نفس القوات تقوم بشن حربين متتاليتين على قطاع غزة المحاصر وتدمير كل شيء فيه والإبادة الجماعية لعائلات بأكملها دون أن ينبس النظام السعودي ببنة شفة، بل كانت وسائل الإعلام السعودية والخليجية باستثناء “الجزيرة” القطرية تصور ما يحدث بالكثير من التشفي.

 

كان يمكن أن يتفطن هؤلاء (النخبة) لما حدث للعراق بتواطؤ سعودي وخليجي واضح، لكن يبدو أن هذه الأمة قد أصابها العقم، ولم تلد الخلف الحقيقي للسلف الصالح لنخبتها من هؤلاء المحسوبين على الإعلام والثقافة والفكر القومي التقدمي، وأصبح هم هؤلاء البحث عن الدولارات والإقامة في الفنادق الفخمة والتمتع بالملذات المختلفة.

 

المشيئة الإلهية وحدها أرادت كشف المبيت له وفضح النوايا بدعوة المملكة لمؤتمر قمة إسلامية في الرياض يكون فيها ضيف الشرف الرئيس الأمريكي الجديد “دونالد ترامب” الذي لم يقنع أغلبية الناخبين في بلاده، وتعطي له المملكة شرف الإشراف على المؤتمر الذي لم يجف حبر ما كتب فيه وعنه حتى أعلنت المملكة والإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين ومصر عن حصار دولة قطر وتهديدها بكل الوسائل إن لم تخضع لشروط هؤلاء الأربعة، وأهمها لمن لا يعلم التوقف عن دعم حركة “حماس” الفلسطينية لأنها من الإخوان المسلمين الذين زج بهم في السجون في مصر العربية، وأغلب الدول المتقدمة ممتعظة من ذلك بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس السابق “باراك أوباما”.

 

هذا هو السيناريو الذي كتب مقدمته الشيخ “السديس” وألقى عرضه الجيد في الأمم المتحدة لتمنح دولة الكيان الصهيوني صك الاستسلام العربي لإرادتها ومشيئتها وتحرر أيديها نهائيا من كل قيد يمنعها أو يكبحها في زيادة الأعمال الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل.

 

إن نكبة عام 1948 ونكسة عام 1967 واتفاقية “كامب ديفيد” و”وادي عربة” كلها لم ولن تحدث الكارثة التي سيحدثها هذا الانقلاب الجديد الذي قامت به المملكة العربية السعودية في المنطقة وفي العالم أجمع، وهي بتصرفها هذا لا تستطيع أن تتحجج أو تبرر فعلتها إلاّ بحجة واحدة هي تواطؤها القديم مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب الإمبريالي الصهيوني في كل الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا وقبلها الجزائر والصومال والسودان والصحراء الغربية لأن السيناريو الإمبريالي واحد والهدف واحد هو إيصال المنطقة إلى ما وصلت إليه، والبداية في العراق التي سيعلن الأكراد فيها الانفصال وستليها في المستقبل قوميات وطوائف أخرى: يعني أن التقسيم الجديد للمنطقة كما تريد إسرائيل وأمريكا لن يكون دون مشاركة المملكة التي تعتقد بأنها القوة الإقليمية الأقوى في المنطقة، وقوتها طبعا بزعامتها المزيفة للعالم الإسلامي، لأنها تتحكم في الحرمين الشريفين.

 

على الفلسطينيين الآن وخاصة السلطة مراجعة مواقفهم من كل ما حدث خلال العقود الثلاثة الماضية، والعودة إلى حيث كانوا قبل “أوسلو” بالممكن من أساليب ووسائل المقاومة، وإلاّ فإن الإعصار القادم سيزيلهم نهائيا في أرضهم المحتلة.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

سلسلة تاريخ الحلقات العلميّة في ورقلة/ إبراهيم بن ساسي

في هذه الإطلالة الموجزة وفي هذا الشهر الرّمضاني الكريم نورد — إن شاء الله — …