الرئيسية | قضايا و آراء | الذكـــرى الـ 75 لـمذابـــــح 8 ماي 1945 / وقـــائـــع لا انســـانـيــة فــي يوم دمــوي عاشـــه الجزائريــــون

الذكـــرى الـ 75 لـمذابـــــح 8 ماي 1945 / وقـــائـــع لا انســـانـيــة فــي يوم دمــوي عاشـــه الجزائريــــون

إعداد: فاطمـة طاهي /

يعد شهر ماي 1945م تاريخ كتبته فرنسا بدماء الشهداء، في حق شعب أعزل، وفصل من فصول الصراع المرير بين الشعب الجزائري الأبي التواق الى الحرية والاستقلال بزعامة نخبة من الوطنيين، الذين أخذوا على عاتقهم النضال والكفاح، والسهر على توعية الجماهير وتهيئتها لساعة الحسم، هذه الأحداث التي أكدت أن كل ما سلب بقوة لا يُسترجع الا بالقوة، كما أثبتت عن مدى فضاعة وهمجية المخطط الاجرامي المنظم، الذي طبقته السلطات الاستعمارية على الشعب الجزائري، فلم تفرق بين الأطفال أو شيوخ والنساء، لتطبق عليهم برنامج الابادة بالتعذيب والقتل والتشريد، لا تزال هذه المجازر الرهيبة راسخة في أذهان الجزائريين يتذكرونها كل الثامن ماي، وستبقى العديد من المناطق خير شاهد للتاريخ على حقد وهمجية المحتل الغاصب سيما مضائق خراطة.

 

خلفية أحداث 08 ماي 1945
وفي الفاتح من شهر ماي 1945م بادر حزب الشعب الجزائري بتنظيم مظاهرات عبر التراب الوطني، وهو اليوم العالمي للعمال، وقد تم اعداد العلم الوطني وحضروا الشعارات التي يرفعها الجزائريون ومن بين هذه الشعارات «استقلال الجزائر» «نهاية الاستعمار» «تحرير مصالي»، وقد أكدت هذه الشعارات أولا على النضج السياسي والوعي المتزايد لدى الجماهير الشعبية والمناضلين، وثانيا عبرت على امال معظم زعماء الأحزاب في ذلك الظرف العصيب ومطالب الحركة الوطنية.
وغيرها، شارك فيها عشرات الآلاف من الجزائريين في مختلف أنحاء الوطن: في الجزائر، وهران، بجاية، تلمسان، قسنطينة، مستغانم، قالمة، غليزان، سطيف، باتنة، بسكرة، عين البيضاء، خنشلة، سيدي بلعباس، سوق أهراس، شرشال، مليانة، سكيكدة، واد زناتي، سعيدة، عنابة، تبسة، سور الغزلان، ولم تتوقف المظاهرات ففي ولاية عنابة تظاهر حوالي 500 شخص، وذلك يوم 3 ماي وفي ولاية قالمة في الرابع ماي، وفي ولاية سطيف مرة أخرى في السابع ماي.

وقائع المجازر في قالمة وسطيف وخراطة
خرج الجزائريون ورفعوا رايتهم عاليا وعبروا عن اهدافهم والمتمثلة في الحرية والاستقلال، هذا الحق الذي قاتلو لأجله في صفوف بشجاعة واقدام في الحرب العالمية الثانية، ففي ولاية سطيف اكتظت الشوارع وبالتحديد على الساعة الثامنة والنصف من هذا اليوم أخذت افواج من المناضلين والعمال والفلاحين تتجمع في المسجد القريب من المحطة، وقد حضر فيه مناضلي حزب الشعب وكذا الكشافة الاسلامية، وانطلقوا وقد شارك فيها ما بين 7 الى 8 الاف شخص، وكانت الكشافة الاسلامية في مقدمة المظاهرات حتى وصلوا الى الشارع الرئيسي»جورج كليمونصو» وكان أحد أشبال الكشافة حاملا العلم الوطني والمتظاهرون يحملون باقة من الورد، وفجأة أطلق الرصاص على أول شباب وهو بوزيد سعال حامل العلم الوطني.
وفي خراطة كان يوم الثامن من شهر ماي 1945 يوم السوق الأسبوعي لمدينة خراطة كما في مدينة سطيف وهو يوم عطلة أيضا بمناسبة انتهاء الحرب العالمية الثانية، خرج فيها الجزائريون وما ان حلت الساعة 11.00 صباحا حتى قدمت القوات الفرنسية الى مدينة خراطة، وبواسطة رشاشاتها الثقيلة اطلقت النار على السكان فقتلت المئات، وقد شملت أعمال الابادة دون تمييز بين رضيع أو شيخ أو شاب وكان السكان يحفرون قبورهم بأيديهم.
وفي ولاية قالمة وأين بدأت المظاهرات من خلال تجميع عدة الاف من الجزائريين بمركز المدينة المسمى «الكرمات»، ورفعت خلالها الشعارات التي رفعت في خراطة وسطيف، وكان المستوطنون في نفس اليوم يقيمون حفلا في ساحة محمية بالرشاشات، وعند وصول المسيرة الى عين المكان، أقيم استجواب بين شخصين كانا في الحفل أحدهما قال للآخر: هل توجد فرنسا هنا أم لا؟ فأجابه الثاني بنعم، فأطلق مباشرة النار على أول شهيد.
مذابح 08 ماي في نظر الشيخ البشير الابراهيمي
يعتبر البشير الابراهيمي صاحب المقولة المشهورة « لو أن تاريخ فرنسا كتب بأقلام من نور ثم كتب في آخر فصل من هذه الفصول المخزية بعنوان مذابح سطيف وقالمة وخراطة، لطمس هذا الفصل ذلك التاريخ كله»، وهذه المقولة تبرهن ما ارتكبته فرنسا من جرائم وحشية تكفي لتلطيخ تاريخ فرنسا كله بالسواد، فقد قامت بإحراق الديار واتلاف المحاصيل الزراعية وقتلت الجزائريين، وانتهكت الحرمات الانسانية، وبالتالي هذه المجازر في نظره هو عمل جبان من الفرنسيين، ففي الوقت الذي كانت الحرب منذ لغة اختفوا عن الساحة تاركين الجزائريين يحاربون النازية والفاشية بكل شجاعة، وعندما توقفت الحرب ظهروا فقاموا بالقتل والاعدام ولقد لخص ما جرى في الثامن ماي بأسلوب حزين وقال: يا يوم …. لله دماء بريئة فيك، ولله أعراض طاهرة انتهكت، ولله أموال محرمة استبيحت فيك، ولله يتامى فقدموا العائل الكافي فيك …. ولله أيام فقدت بعولتهن فيك ……»
كما أقسم البشير الابراهيمي بأن هذه المجازر ستبقى تلطخ جنين الحضارة الفرنسية إلى الأبد مهما حاول المدافعون عنها أو المعجبون تلميع صورتها، وعليه فإن هذا اليوم سيبقى محفوظا في ذاكرة الجزائريين مهما تعاقبت الأيام والسنين، حيث عبر عن ذلك بقوله «يا يوم لك في نفوسنا السمة التي ال تمحى والذكرى التي ال تنسى فكن من أي سنة شئت فأنت الثامن ماي وكفى وكل ما علينا من دين أن نحيي ذكراك… لئن ال يمسحه النسيان من النفوس».


الشاذلي المكي عن الثامن ماي 1945
يقول الشاذلي المكي عن الثامن ماي: «ففي هذا اليوم يوم الثامن ماي 1945، خرجت جموع الشبان والفتيان والكهول والشيوخ متظاهرون في مدن سطيف وخراطة وقالمة ….. وينشدون أغاني الحرية والاستقلال، وما كانوا يظنون أن الكثير منهم سوف لا يرجع إلى أهله وذويه، وأن الرد منهم بالمرصاد، ذلك أنه لم تمض ساعات قلائل من خروجهم من دواويرهم حتى تبدل الحال من مظاهرات سليمة إلى معارك دامية دارت رحاها في نواحي كثيرة في القطر الجزائري»، ويضيف: « وأما في مقبرة قالمة فلقد رأينا عربات نقل يملكها الجيش الفرنسي، ترمي على الأرض بأكياس كبيرة ولقد هالنا أن لا تحدث هذه الأكياس ساعة إلقاءها على الأرض أي صدى، فاقتربنا من العربات فاذا بالداخل جثث ممزقة منهوشة مزقها الرصاص وأحراب نهشها الغراب».
حصيلة مجازر 08 ماي 1945
صرحت جريدة ” البصائر” لسان حال جمعية العلماء المسلمين أن عدد ضحايا مجازر 08 ماي 1945 هو ـ 85 ألف، واختلفت التقارير عن عدد القتلى والجرحى نتيجة أحداث الثامن ماي، فوزير الداخلية الفرنسي ، ذكر في تقريره أن عدد الجزائريين الذين شاركوا في الحوادث قد بلغ 50 ألف شخص، ونتج عن ذلك مقتل 88 فرنسيا و 150 جريحا. أما من الجانب الجزائري فمن 1200 إلى 1500 قتيل ( ولم يذكر الجرحى). أما التقديرات الجزائرية فقد حددت بين 45 ألف إلى 100 ألف قتيل أما الأجنبية فتختلف أيضا، وهي في الغالب من 50 ألف إلى 70 ألف، تضاف إلى حوالي 200 ألف بين قتيل و جريح و مختل عقليا من المجندين أثناء الحرب العالمية الثانية لإنقاذ فرنسا من سيطرة النازية.
أما جريدة ” البصائر” لسان حال جمعية العلماء المسلمين فقد قدرت عدد القتلى بـ 85 ألف، وذكرت الكاتبة “فرانسيس ديساني” في كتابها ” La Paix Pour Dix Ans”: أن السفير الأمــريكي في القاهرة “بانكنـي توك” (Pinkney Tuck ) أخبر رئيس الجامعة العربية “عزام باشا” بأن هناك 45 ألف جزائري قتلهم الفرنسيون في مظاهرات 8 ماي 45، مما أغضب الجنرال ديغول من هذا التصريح بإعتبارها «قضية داخلية».
هذه المجازر جعلت الجزائريين يدركون بأن الاستعمار الفرنسي لا يفقه لغة الحوار و التفاوض، و ما أخذ بالقوة لا يسترجع إلا بالقوة و عليه ينبغي التحضير للعمل العسكري،وبحق كان الثامن من ماي المنعطف الحاسم في مسار الحركة الوطنية و بداية العدّ التنازلي لاندلاع الثورة المسلّحة التي اندلعت شرارتها في الفاتح من نوفمبر 1954ولم تخبو إلا بعد افتكاك الاستقلال كاملا غير منقوص من قبضة المستعمر الفرنسي.

عن المحرر

شاهد أيضاً

سورة العهد الأسبوعي…(1) واصبر نفسك

مداني حديبي / سورة الكهف سماها شيوخ العلم بسورة العهد الأسبوعي لأنك تعاهد الله على …