الرئيسية | على بصيرة | الأمّـــة العــربـيــة الـمغبونة في زمن «الكورونا»

الأمّـــة العــربـيــة الـمغبونة في زمن «الكورونا»

أ.د. عبد الرزاق قسوم
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

ويح قادة الأمّة العربية من التاريخ!
وويح للتاريخ مما يفعله به الحكام العرب !
إنّ النّاظر إلى خريطة الوطن العربي، هذا الوطن الذي حباه الله جمال الطبيعة، والأخلاق الإنسانية الوديعة، يلاحظ أنّ هذه الخريطة الخصيبة الخضراء قد تحوّلت اليوم، إلى أرض قاحلة جرداء، يجللها السواد، وتطبعها بقاع الدماء في كلّ الأرجاء.
فما الذي جنى على أمتنا العربية، بعد عهد النماء والعطاء، فحوّلها إلى التقهقر نحو الوراء، بعد أن أسلست قيادتها إلى الأعداء، وأصبحت تقاوم من أجل الوجود والبقاء؟.

ماذا دهى أمتنا، حتى ساد فيها الغباء، وصار يطبع حياتها العنف والاعتداء؟.
لقد طاف على سماء أمتنا، طائف الظلم، الذي هو سوسة كلّ حضارة، وغاب فيها العدل الذي هو سياج العمارة، وسراج العبارة.
فقدت أمتنا –وا حسرتاه – معنى الأخوة التي هي صمام أمانها، فتفرقت شيعا، ودولا، وممالك، وأحزابا، يلعن بعضهم بعض، ويضرب بعضهم رقاب بعض.
دبّت بين أبناء العروبة، وحكامها وشعوبها شياطين شتى، من الأفاعي والعقارب، فأعلنت الحروب، التي أظلمت الدروب، وأوغرت القلوب، وأفلست الجيوب.
فهذه دماء في الساحات تسيل، ودمار من هول السلاح الثقيل، وسجون تعج بالحرّ الأصيل، وأنين المعذبين وصراخ الثكالى والعويل.
نكبت أمتنا، بحكام، نصبوا أنفسهم بقوة السلاح الغالب، فصار فيهم الحاكم النّاهب، والحاكم السالب، والحاكم الغالب، والحاكم الهارب، والحاكم الموارب، فزرع التقسيم بين مكونات المجتمع الواحد، بين الأستاذ، والعالم، والإعلامي، والكاتب، والتاجر، والمرأة، والزعيم السياسي، وما منهم إلا راجٍ يتعلق، وطامع يتملق، فساد في الوطن فريق أعوان التفريق وأعواد التحريق.
وهكذا، يطل علينا رمضان المبارك، في ظل الوباء المشؤوم، ونحن نعاني الحزن والاكتئاب، ونعيش التذبذب والاضطراب، لا وازع يردع المقاتلين، ولا إيمان يحصن الصائمين، إنه عتو الأقوياء، وكيد الضعفاء، وأطماع الفاسدين السفهاء.
ويحي من العروبة! وويح العروبة منا! أظلاماً بعد نور؟ ومغبة بعد محبة؟ وخصاما بعد وئام وسلام؟.
هل نستسلم لهذا الواقع المرير، ونتوقف بعد السعي والمسير، ونعطي رقابنا، وذممنا، لكلّ سفاك شرّير؟.
أيحدث هذا بعد أن أذلُّونا، وأظلونا، وظلمونا وفرقونا، فمكنوا بذلك لكلّ عدوان، بما في ذلك عدوان الكورونا؟.
وأين علماؤنا؟ وأين عقلاؤنا؟ وأين صلحاؤنا؟ وأين زعماؤنا؟ وهل نرضى الذلة في ديننا، وفي أوطاننا؟.
يا ويح المدجّنين من العلماء، والعقلاء، والزعماء، والصلحاء، من دعاة الوطنيات الضيقة، والمفاهيم الدينية المنغلقة!.
إنهم وقد استسلموا، أصبحوا يتخبطون في ظلمة لا صباح لها، وفي ضائقة لا انفراج لها، فهم يفتنون في كلّ يوم، أو شهر، مرة أو مرتين ثم لا يتوبون، ولا هم يذكرون.
لقد طفح الكيل، وفاض السيل، وعمّ الويل، فانزوى دعاة الأصالة والنبل، ومكَّن لأفراد العصابات من العبث بالإرث النبيل، والكنز الأثيل، ولم ينج من ذلك إلاّ النزر القليل.
أما آن لحكام العرب، أن يرعووا بعد كلّ هذه المصائب والمحن، فيعودوا إلى الله، بمنح الحقوق للمواطن والوطن؟
لقد استخفوا علماءهم، وزعماءهم، وكبراءهم، وأمراءهم، فأطاعوهم في معصية الله، وخيانة الأوطان، فانقادوا جميعا إلى النّار في الدنيا وفي الآخرة بشعرة.
كفى تقتيلا في ليبيا بين أبناء الشعب الواحد! كفى حروبا في اليمن بين اليمنيين الذين حولوا يمنهم السعيد إلى يمنٍ شقيٍ، بئيس، وتعيس.
كفى السوريين إلقاء البراميل على رؤوس الأبرياء، وتشريدا للأطفال والشيوخ والنساء!
ولا تسل عن الفتن التي تطل برأسها من مصر والسودان، ومن العراق وأفغانستان، ومن السعودية، وكلّ بلدان العربان.
لقد عانت هذه الأجزاء من وطننا العربي، ما عانت من الدماء، والأشلاء، ومن الهدم والردم، ومن الدموع، وكسر الضلوع، والزج في السجون بالأفراد والجموع، وإطفاء مصابيح العلم والشموع.
إنّنا من موقع المسؤولية أمام الله، نناشد كلّ القائمين على الشأن الوطني في أمتنا، أن حذار ممّا نحن ذاهبون إليه بعيون مغمضة، وقلوب مغلقة، وضمائر مقفلة.
لقد وصل السيل الزُّبى، ولم يعد الوطن يتحمل أكثر من هذا، بعد أن عمّ الخراب، وخيّم الظلام والضباب، وساد الوجود الوحوش واليباب.
إنّنا نطلق رصاصة الرّحمة، على كلّ من قد تسوّل له نفسه بعد كلّ هذا العبث بالمصير المشترك الذي نحن جميعا مؤتمنون عليه.
فكلّ المكاسب إلى زوال، وكلّ المناصب إلى مآل، والبقاء، سيكون للأصلح والأنفع، والأبقى.. والله غالب على أمره، ولكن أكثر النّاس لا يعلمون.

عن المحرر

شاهد أيضاً

تجدّد في شموخ ووفاء يا نوفمبر

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين / اُعْلُ –في شموخ وإباء- يا …