الرئيسية | المرأة و الأسرة | في انتظار الفرج.. لننجز

في انتظار الفرج.. لننجز

أ. صباح غموشي /

في اللحظة التي أعلن فيها عن تقديم العطلة الربيعية للتلاميذ كإجراء وقائي ضد تفشي فيروس كورونا، بدا أن الخطر اقترب من ديارنا.. لكن لم يكن يشغلني في تلك اللحظة هذا الهاجس بقدر ما كنت متوترة بداخلي بسبب هذه العطلة المفاجئة التي أربكت كل حساباتي وعطلت كل مشاريعي وأجل كل مشاغلي وأوقفت فجأة يومياتي المتسارعة التي لا أكاد أجد فيها لحظة راحة أو لحظة فتور..
كيف سأستيقظ صباحا ولا أذهب لعملي الذي هو جزء من يومياتي.. سأفتقد فنجان قهوتي الصباحي مع أحبتي الذي يفتح عقلي وهمتي للعمل.. سأفتقد تلاوات الأطفال للقرآن وإبداعاتهم في كل الأنشطة اليومية، وسأفتقد آيات القرآن تتلى غضة طرية من أفواه الصغار والكبار ساعات النهار كلها خلال الأسبوع وفي نهايته.. سأفتقد جلوسي بين يدي أستاذتي أقرأ عليها بقلبي قبل لساني ونفحات المسجد تظلله وتزيده طمأنينة وفرحا.. سأفتقد ندوات كقطرات الندى تمسح عن قلوبنا همومها وأحزانها وتزيل عن شرايينها رانها وذنوبها وتضخ في دمها كريات الأمل والعزيمة والإيجابية.. سأفتقد لمجالس علم تزهر فيها خلايا العقل والقلب معا لتزيد النفس ابتهاجا وتزيد الروح تألقا وتزيد الشخصية قوة واتزانا.. سأفتقد لمسات خفية بيني وبين أحبتي وبيني وبين ربي لا يعلمها غيره.. هي رسالتي في تلك المدرسة وتلك اللجنة هي أنفاسي التي أتنفسها وروحي التي تحيا بين أضلعي.. سأفتقد إلى صلاة الجمعة أين الراحة النفسية والزاد الإيماني الذي نتزود به أسبوعيا.. وسأفتقد مسيرات الحراك التي نعبر فيها عن رفضنا لممارسات خاطئة وسياسات ظالمة ونراها صمام أمام لحرية شعب انتفض لأجلها وضحى بالكثير للحفاظ على مكتسباتها.. وأحسست بشيء من الضيق في صدري أظلمت له الروح للحظات..
لكني تعلمت من خطوب الحياة وتقلباتها ومن رصيد الإيمان وبركاته ومن درر الكتب وحكمها، أنه مهما أظلمت الحياة بنا علينا أن نبحث بداخلنا عن فتيل الشعلة التي تنيرها من جديد ولا ننتظر الضياء من الخارج فقد يطول انتظارنا.. فاستغفرت ربي وخلوت إلى نفسي فترة أتفكر فيما نحن فيه.. فوجدتني أحيا في ملك الله وقد علمت أنه لن يحدث في ملك الله إلا ما يشاء فاطمأنت نفسي وارتاح قلبي وهو يقترب الهوينا إلى رب الأرض السموات ويناجيه فيجده قريبا يسمع النجوى ويرفع البلوى ويجزي عن الإحسان إحسانا.. ففهمت الرسالة ووعيت الدرس وعرفت أن البلاء يكون للمؤمن رحمة منبها له ليعود من غفلته إلى رحاب ربه فعدت واستقر قلبي بباه سبحانه فارتاح وكانت هذه أولى الخطوات.. ثم بدا لي أنّ الأمر جلل وخطير وقد تطول فترة الحجر الصحي والبقاء في المنزل فقلت لعلها فرصة.. فرصة لكل شيء فاغتنمتها.. فعاد لطاعاتي سكونها من صلوات وأذكار ودعوات تأخذ كل وقتها وخشوعها فتثمر راحة وطمأنينة وسلام داخلي كان أكبر مضاداتي الحيوية التي عززت مناعتي ضد فيروس القلق والتذمر والإحباط في هذه الفترة الحرجة.. استمتعت كثيرا بصلاة الصبح وقرآن الفجر ودعوات السجود فأحسست أني في ذمة الله فارتحت.. وتذوقت حلاوة صلاة الضحى والسنن الرواتب وفرحت بخطوات بناء البيت في الجنة .. وعشت مع آيات القرآن مرتين في اليوم أحفظه مرة وأراجعه أخرى فتريحني آياته ومعانيه العظيمة التي تتجلى لي لتشرح كل موقف وتهدي لكلّ حل.. ثمّ أكرمني الله بأن استخدمني في مواصلة خدمة القرآن بتحفيظه وقد خصصت حصصا ثلاثة في الأسبوع يستظهر الطالبات على حفظهن وكذا أوصيت معلمات القرآن بالمدرسة التي أديرها أن يفعلن الشيء نفسه فتحقق الحلم بأن لا تهجر المصاحف وإن أغلقت المدارس..
أجمل ما في العطلة أنها أعطتني نفسا عميقا بعد لهث وراء يوميات مزدحمة قطعت أنفاسي، فوجدت شيئا من الراحة الجسدية التي أعطتني قوة إضافية لأواصل بقوة أكبر وبعزيمة أكبر .. كما كان فرصة غالية للبقاء مدة مع أسرتي أعادت سيروم العلاقة الوطيدة بيننا ومساحة الحوار المطول وتفاصيل أنهكتها من قبل مشاغل الحياة المتسارعة.. واشتركنا سويا في جزئيات من برنامجنا اليومي لم تتح لنا الفرصة من قبل لتنفيذها.. كما ساعدتني فترة الحجر الصحي على إنجاز أعمال المنزل على مهل دون انقطاع النفس سعيا لإتمامها من قبل لضيق الوقت وتسارع الأحداث.. وزاد من فوائدها ذاك النظام المتبع والنظافة التي التزم بها الجميع وقد بحت أصواتنا لسنوات نريد أن نفرضها في بيوتنا دون جدوى.. وما أسعدني بتلك اللحظات الصافية التي أخلو فيها في شرفتي مع فنجان قهوتي وكتاب أختاره ليرافقني سويعات أستمتع فيها بدرره..
شيء آخر تعلمته في الحياة وكان لي شعارا دائما ووجدته حاضرا معي في هذه الفترة.. هو أن الإنسان الرسالي لا بد أن تكون رسالته معه دوما في كلّ زمان وفي أي مكان وبأي ظرف من الظروف، فقلت في نفسي هذا أوان الزرع وهذا أوان العمل وها هنا تكون الرسالة حقا فشمرت على ساعد الجد وحاولت بما وهبني الله أن أساهم مع شعبي وأمتي في حملات التحسيس والتوعية وبث الأمل في النفوس والطمأنينة في القلوب وقد رأيت أنّ الناس بحاجة لمن يرفع معنوياتها ويزيد مناعتها ضد كورونا الإحباط والخوف والهلع.. فاتخذت من منصات التواصل الاجتماعي فضاء لبث الطمأنينة وزرع الأمل وتوعية الأهل والأحباب والمعارف والأصدقاء والمتابعين بما نستطيع، إضافة لمساهمتنا في نشر فيديو توعوي من إنجاز لجنة المرأة الأسرة والطفل. كما كانت لنا مساهمات بالقلم بمواضيع متنوعة تخص الظرف وهذه واحدة من النعم التي أنعم الله بها علينا أن وهبنا قلما وموهبة تكون لنا رسالة في كل حين.. وهي أيضا من الهويات التي نمارسها باستمتاع وقد أتيحت لنا فرصة خلو الذهن وسعة الوقت بعدما انقطعنا عنها دهرا بسبب انشغالاتنا.
هي رسالة بسيطة أردت أن أبعثها من خلال هذه السطور لعلها تجد قلوبنا واعية بأن الأزمة فترة وستمر بإذن الله وفي انتظار الفرج لا نضيع فرصة الفراغ وفرصة العطلة وفرصة البقاء في البيت، بل نستغلها استغالا كاملا فيما ينفعنا في ديننا ودنيانا.. وستمر المحنة بحول الله وننظر لإنجازاتنا فيها بفخر أو لتقصيرنا فيها بحسرة.. فطوبى لمن أنجز.

عن المحرر

شاهد أيضاً

روبـــــــــــورتاج الأجــــــــــهزة الالكـــــــترونيـــة/ سبل تحــــرير أطفالنا ومراهقينا من سيطــــــرة الأجهــــــــــزة الالكترونيــــــــــــة

أمال السائحي / إن ما يمر به جيل اليوم بتأثير التكنولوجيا الحديثة التي أحدثت زوبعة …