أخبار عاجلة
الرئيسية | مساهمات | العالــــم بيـــن فــــزع (كــورونــا) وأمــل (الحيـــاة) (3)

العالــــم بيـــن فــــزع (كــورونــا) وأمــل (الحيـــاة) (3)

مصطفى العبودي / داعية باحث /

 

3) الوظيفة الأساسية للإنسان:
نتناول في هذا العنوان مباحث أساسية لا تخرج عما يتضمنه العنوان.
المبحث الأول: حياة الإنسان ابتلاء:
الآيات في أن الحياة ابتلاء كثيرة نكتفي بما يلي:
*) قال الله تعالى: (وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم). [البقرة:49].
نقل القرطبي في قوله تعالى (بلاء) عن أبي الهيثم أنه قال: البلاء يكون حسنا ويكون سيئا، وأصله المحنة، والله عز وجل يبلو عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره، ويبلوه بالبلوى التي يكرهها ليمتحن صبره، فقيل للحسن بلاء، وللسيئ بلاء، حكاه الهروي…»
*) قال الله تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين). [البقرة:155].
قال القرطبي(م1.ج1.ص381): «… والبلاء يكون حسنا ويكون سيئا. وأصله المحنة. وقد تقدم. والمعنى لَنَمْتَحِنَنَّكم لنعلم المجاهد والصابر علم معاينة حتى يقع عليه الجزاء… (من الخوف) أي خوف العدو والفزع في القتال، قاله ابن عباس. وقال الشافعي: هو خوف الله عز وجل. (والجوع) يعني المجاعة بالجذب والقحط، في قول ابن عباس. وقال الشافعي: هو الجوع في شهر رمضان. (ونقص من الأموال) بسبب الاشتغال بقتال الكفار. وقيل: الجوائح المتلفة. وقال الشافعي: بالزكاة المفروضة. (والأنفس) قال ابن عباس: بالقتل والموت في الجهاد. وقال الشافعي: يعني بالأمراض. (والثمرات) قال الشافعي: المراد موت الأولاد، وولد الرجل ثمرة قلبه كما جاء في الخبر، على ما يأتي. وقال ابن عباس: المراد قلة النبات وانقطاع البركات. قوله تعالى: (وبشر الصابرين) أي بالثواب على الصبر». وذكر القرطبي أن الصبر يكون عند الصدمة الأولى للحديث الذي رواه البخاري «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». أي إنما الصبر الشاق على النفس الذي يعظم الثواب عليه إنما هو عند نجوم المصيبة وحرارتها، فإنه يدل على قوة القلب وتثبته في مقام الصبر، وأما إذا بردت حرارة المصيبة فكل أحد يصبر إذ ذاك، ولذلك قيل: يجب على كل عاقل أن يلتزم عند المصيبة ما لا بد للأحمق منه بعد ثلاث….». اهـ
*) قال الله تعالى: (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير* الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور) [الملك: 1-2].
استهلت السورة بثناء الله على نفسه وبما يدل على عظمة ملكه الذي يتضمن التصرف المطلق في كل شيء بما يشاء وفق قدرته وحكمته، وهذا أدعى للانتباه أكثر لما سيذكر، ومن ثم فهو أدعى للاحتياط في طبيعة العمل المنجز. كيف والمُخاطِب هو من (بيده الملك وهو على كل شيء قدير)؟ هذا هو المعنى العام الذي تدور حوله الآيتان. أما شيء من التفصيل فهو:
(تبارك): يقول ابن جزي الكلبي في التسهيل (ج4.ص133): (تبارك) فعل مشتق من البركة، وقيل معناه تعاظم وهو مختص بالله تعالى (خلق الموت والحياة)، يعني موت الخلق وحياتهم… (ليبلوكم) أي ليختبركم واختبار الله لعباده إنما هو لتقوم عليهم الحجة بما يصدر منهم… روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها فقال أيكم أحسن عملا وأشدكم لله خوفا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله». انتهى.
وقال الشعراوي (الشعراوي. م19.ص5): (تبارك): يدل على المبالغة في وفرة الخير، وهو في مقام الثناء، وقد يكون إخبار عن عظمة الله تعالى وكماله.
(الذي خلق الموت والحياة):
ونقل القاسمي عن الطبري في قوله تعالى (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير. قوله: «أي: تعاظم الذي بيده ملك الدنيا والآخرة، وسلطانهما، نافذ فيهما أمره وقضاؤه، وهو على ما يشاء فعله ذو قدرة، لا يمنعه مانع، ولا يحول بينه وبينه عجز.» اهـ. فكيف لا يعمل حسابه العامل بين طرفي الصلاح والفساد الفوز والخسران؟
وكما قال السعدي: (ليبلوكم أيكم احسن عملا). أي: أخلصه وأصوبه، فإن الله خلق عباده، وأخرجهم لهذه الدار، وأخبرهم أنهم سينقلون منها، وأمرهم ونهاهم، وابتلاهم بالشهوات المعارضة لأمره، فمن انقاد لأمر الله وأحسن العمل، أحسن الله له الجزاء في الدارين، ومن مال مع شهوات النفس، ونبذ أمر الله، فله شر الجزاء.». اهـ (تفسير السعدي. ص 1033).
الحاصل: الحياة ابتلاء لحلاوتها وإقبال النفس عليها، والموت ابتلاء لمرارتها وكره النفس لها، وسبب ذلك الكره أن الموت هادم اللذات ومفرق الجماعات، وبين الحلاوة والمرارة حسن العمل وسوؤه. وبتعبير آخر: في الحياة ابتهاج لأنها تمكن صاحبها من النيل من النعم، هذا في عموم الناس مؤمنهم وكافرهم، وأما في خصوص الناس وهم الذين يريدون استغلال الحياة لنيل الجزاء في الآخرة، فإنها وسيلة تمكن صاحبها من العمل الذي نتيجته حصول النعيم الدائم، ولذلك تكون متراجحته الرياضية: الآخرة كـ من الدنيا. وهذه أفضل ما يعطي الإنسان توازنه النفسي المنسجم مع فطرته وشريعة ربه. فصاحب هذه المتراجحة من جهة لا يحرم نفسه من الدنيا فقد خصص لها قسطا يعطيه توازنا نفسيا مريحا، ومن جهة فقد عمل حسابه أن يكون من المفلحين بمجرد مفارقته للحياة، ذلك أن من مات فقد قامت قيامته. لأن النعيم أو العذاب يبدأ بمجرد الانتهاء من إهالة التراب على الجثة وقد تركه المشيعون وجاءه الملكان يسألانه. فالقبر أول منازل الآخرة. وقد ورد في السنة الصحيحة أحاديث عدة تخبر بهذا، نكتفي ببعضها. عن البراء بن عازب – رضي الله عنه- عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة“ .[إبراهيم: 27] نزلت في عذاب القبر”، يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ونبيي محمد، فذلك قوله- سبحانه- وتعالى-: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ)” [مسلم (2871)]. وعن أبي سعيد الخدري عن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال: “إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا فَلَوْلاَ أَنْ لاَ تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ“. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: “تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ“. قَالُوا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ فَقَالَ: “تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ“. قَالُوا: “نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ“ .[مسلم (2867)] وفي رواية للبخاري قال: “إذا أُقعد المؤمن في قبره أُتي ثم شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)” [البخاري(1369)]. وعن عائشة عن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال: “فَأَمَّا فِتْنَةُ الْقَبْرِ فَبِي تُفْتَنُونَ وَعَنِّي تُسْأَلُونَ” [مسند أحمد (25133) وصححه الألباني في صحيح الترغيب (3557)].
وعن البراء بن عازب- رضي الله عنه- قال: “خرجنا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم- في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يُلحد، فجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم – وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين أو ثلاثًا.
ثم قال: إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم إذا ولوا مدبرين، فيأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ قال: فيقول: هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيقولان: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، زاد في حديث جرير فذلك قول الله – عز وجل:- (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) [إبراهيم: 27]، الآية.
فينادي مناد من السماء: أن قد صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، وألبسوه من الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، قال: ويفتح له فيها مد بصره”. نسأل الله من فضله العظيم وستره الجميل.
وفي المقابل ذكر غير الطائعين، قال: “وإن الكافر فذكر موته، قال: وتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان: من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري: فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كذب، فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، قال: فيأتيه من حرها وسمومها، قال: ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه“, زاد في حديث جرير قال: “ثم يقيض له أعمى أبكم معه مرزبة من حديد، لو ضرب بها جبل لصار ترابا، قال: فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين، فيصير ترابا، قال: ثم تعاد فيه الروح” [أبو داود (4753) وصححه الألباني]. «. اهـ.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الرســــول الجـــديـــــد

خولة محمد فاضل /   الرسول الجديد المتوج الفريد الصامت القاتل يسافر بلا تذكرة ولا …