أخبار عاجلة
الرئيسية | قضايا و آراء | كُــتـــب عـشــــتُ معهــــا (1) / «أنـــا» لعبــــاس محمـــود العقــــاد

كُــتـــب عـشــــتُ معهــــا (1) / «أنـــا» لعبــــاس محمـــود العقــــاد

أد. مولود عويمر /

كتاب «أنا» للأديب عباس محمود العقاد أهداه إليّ أخي الصغير لما تحصلت على شهادة الباكالوريا في جوان 1987. وكان يعرف شغوفي بأدب العقاد لذلك أختار لي هذه الهدية. تأثرت بهذه اللفتة الكريمة وتأثرت أكثر لما سلم إليّ الكتاب وقال لي كلاما رقيقا ذرفت له عيناي: أنا لم يسعفني الحظ أن أنال هذا العام شهادة الأهلية (التعليم المتوسط)، ومع ذلك أنا فرحان لأن نجاحك هو نجاح كل العائلة».
نعم كنت شغوفا بأدب العقاد منذ سنوات الدراسة في المتوسطة، واشتريت سلسلة العبقريات المنشورة في مجلد واحد وقرأتها بنهم، واقتنيت كتبه الأخرى مثل: ساعات بين الكتب، الإنسان في القرآن، التفكير فريضة إسلامية… الخ.
وقرأت ما كُتب حول حياته وأدبه في المجلات العربية، واستمتعت بقراءة كتاب «في صالون العقاد كانت لنا أيام» لأنيس منصور، والذي أهديته لصديقي العزيز عبد المجيد إحدادن لما تحصل على شهادة الباكالوريا في عام 1989.
كان كتاب «أنا» يختلف عن كُتب العقاد التي قرأتها من قبل، فهذا الكتاب مذكرات يروي فيها قصة حياته بشيء من التفصيل، ووجدت فيه محطات ومعلومات لم أقرأها في الكتب الأخرى. وكشفت لي صورة مغايرة عن شخصيته المثالية التي رسمتها في ذهني.
كان العقاد في نظري شخصا صارما وجادا، كوّن نفسه بنفسه، وصنع مجده الأدبي والفكري بالعمل والقراءة والكتابة والحزم والشجاعة…ولا فضل لأحد عليه، ولم أتصوّر أنه كان إنسانا بشريا يتأثر كما يتأثر الآخرون: يبكي ويضحك ويمزح ويحب…. ولذلك استغربت في البداية لما عرفت أنه كتب كتابا عن «سارة»، وأنه ألف كتابا عن «جحا» الذي لم أفتحه، وبقيّ سنوات في مكتبتي ولم قرأه إلا بعد قراءة هذه المذكرات. كنت تمنيت لو كان الكتاب لصاحبه إبراهيم المازني وليس للعقاد.
كان العقاد أحد أبطالي في الشجاعة اقترن اسمه عندي بعنترة بن الشداد وطارق بن زياد ونابوليون بونابرت وعمر المختار..، فهو لم يكن فقط كاتبا وأديبا وإنما كان أيضا عندي مناضلا سياسيا واجه الظلم الاجتماعي في مصر وانتقد الملك وأدخل السجن وعانى فيه معاناة شديدة قرأت عنها حينئذ في كتابه: «عالم السدود والقيود».
وترسخت هذه الصورة المثالية التي لم أجدها في كتاب «أنا» لما أدمنت على مشاهدة مسلسل «العملاق» الذي كان مبرمجا في التلفزيون الجزائري في منتصف الثمانينيات، وانبهرت بمشاهده وأحداثه وشخصياته وعلى رأسها الممثل القدير محمود مرسي الذي أدى دور العقاد أداء باهرا.
صححت لي قراءة كتاب «أنا» الصورة المثالية التي كنتُ أتخيّلها عن العقاد واطلعت على الجوانب الأخرى في حياته، واكتشفت قصص كتبه التي قرأتها، وعرفت علاقاته بالأدباء المصريين الذين انتشرت كتبهم في الآفاق.
واستحضر الآن 3 مشاهد من الكتاب أنقلها من ذاكرتي وليس من الكتاب الذي هو الآن بعيدا في مكتبتي القديمة في البلد، ولا أريد العودة إلى النسخة الإلكترونية لأحتفظ بتلك الذكريات الجميلة معه ولأكون وفيّا لملح العيش.
عاش العقاد أعزبا وكان له رأي خاص في المرأة أقل تطرفا من توفيق الحكيم، وهذا ما كان دائما مصدر قلق لوالدته الكريمة، وكان دائما متأدبا معها ويقول لها أنها ستفرح به قريبا إن شاء الله. ولما طال الأجل القريب، سألته والدته: ومتى تتزوّج إن شاء الله؟ فقال: سأتزوّج حينما أعثر على امرأة عظيمة مثلك.
وقد تأثرتُ في البداية بفلسفة العقاد في الزواج حتى كدت أن أكون ضحية لولا إصرار والدتي التي نجحت في التأثير عليّ بينما لم توفق أم العقاد في التأثير على ولدها العبقري ليقدم على الزواج وتفرح بأحفادها.
قام العقاد بإعادة تنظيم مكتبته وترتيب كتبه الكثيرة، فنادى من الشرفة حارس العمارة وطلب منه أن يصعد إلى بيته ليساعده في عمله.
ولما وصل الحارس ودخل البيت أمره العقاد أن ينقل كومة من الكتب إلى مكان آخر في البيت فاعتذر الحارس وقال بفطرته السليمة: يا سيدي أنا لا أستطع أن ألمس الكتب لأنني لست طاهرا. حقا قداسة الكتاب لا يعرفها إلا العاقلون والمتطهرون.
زار العقاد السودان ليقدم مجموعة من المحاضرات، ولما بدأ يلقي محاضرة في نادي من النوادي الثقافية لاحظ في الصف الأول شخصا من الأعيان يتحدث من حين إلى آخر مع صديقه الجالس بجنبه. انزعج العقاد من هذه الثرثرة وتوقف عن المحاضرة وخرج من القاعة غاضبا!
قدرت هذا الموقف واعتبرته حينما قرأته مثالا في الشجاعة، لكن لما وجدت نفسي في نفس الموقف عشرين سنة من بعد كان تصرفي مغايّرا تماما. في سبتمبر 2008 قدمت في المكتبة الوطنية في عصرها الذهبي محاضرة عن كتابي «الإسلام والغرب بين رواسب التاريخ وتحيات المستقبل».
وبينما أنا منشغل بعرض أفكاري وتحليلها، كان مثقف معروف ومناضل سياسي صادق جالسا في الصف الأول، ويتحدث من حين إلى آخر إلى جاره الروائي الكبير حتى أشعره بالحرج الشديد. وقد رصد صحافي جريدة الشروق هذا المشهد ونشر في مرصد الشروق كلاما في معناه محاضرة الدكتور عويمر رائعة لولا ثرثرة الأستاذ….
كانت ردة فعلي في ذلك المجلس مختلفة عن ردة فعل أستاذي الملهم العقاد لأنني صرت بعد تجارب الحياة ألزم نفسي بالمثل الأمريكي: « لا تسأل الله أن يخفّف عنك الحِمل، بل اسأله أن يقوِيّ ظَهرك!».

عن المحرر

شاهد أيضاً

سورة العهد الأسبوعي…(1) واصبر نفسك

مداني حديبي / سورة الكهف سماها شيوخ العلم بسورة العهد الأسبوعي لأنك تعاهد الله على …