الأحد 15 شوال 1441ﻫ 7-6-2020م
أخبار عاجلة
الرئيسية | وراء الأحداث | هل انتهــــت محاسبـــة رمـــوز النظـــام السابـــق؟

هل انتهــــت محاسبـــة رمـــوز النظـــام السابـــق؟

أ. عبد الحميد عبدوس /

سنة كاملة مرت على سقوط عبد العزيز بوتفليقة الذي كان عهده بمثابة كارثة على الجزائر استمرت لمدة 20 سنة … فمن كان يتصور أن فترة حكم الرئيس المطرود شعبيا والمعزول رسميا في 2أفريل 2019 ذلك الكابوس الذي سمته الدعاية الرسمية «عهد العزة والكرامة» سيتمخض عن كل ذلك التعفن السياسي والفساد المالي والانهيار الأخلاقي. لم يجد عبد العزيز بوتفليقة سوى كلمات الندم ليودع بها الشعب الجزائري بعد نهاية أربع عهدات رئاسية كاملة وبذل قصارى جهده لانتزاع عهدة رئاسية خامسة كانت بمثابة القطرة التي أفاضت كأس الغضب الشعبي، قال بوتفليقة معتذرا في رسالة الاستقالة: «أطلب منكم وأنا بشر غير منزه عن الخطأ، الـمسامحة والـمعذرة والصفح عن كل تقصير ارتكبته في حقكم بكلـمة أو بفعل».
لم يطلب أي جزائري من بوتفليقة أن يكون منزها عن الخطأ، أو فوق مستوى الشر، كان المطلوب منه فقط ألا يخون أمانة الشهداء ويخون قسمه الرئاسي، ويسخر أغلب سنوات حكمه لتحويل الجزائر إلى غنيمة يحتكر خيراتها ويوزع ثروانها على أفراد عصابته الشريرة… ما فعله بوتفليقة وعصابته الفاسدة كان أكبر من الخطأ وفوق ما يمكن ان يبرر، وإذا كان بعض أفراد العصابة قد وقعوا في قبضة العدالة وهم يقبعون حاليا في المكان اللائق بين جدران السجون، وبعد سنة من تنحية عبد العزيز بوتفليقة ما زال السؤال مطروحا لماذا بقي زعيم العصابة وحامي الفساد فوق مستوى المساءلة والحساب؟
البعض يرجع عدم تقديم عبد العزيز بوتفليقة إلى المحاكمة إلى وجود اتفاق غير معلن بينه وبين الفريق الراحل أحمد قايد صالح نائب وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش الوطني الشعبي بتقديم الاستقالة مقابل ضمان عدم محاكمته ،والبعض الآخر يجد في الظروف الصحية المتدهورة للرئيس السابق العاجز عن الحركة وحتى الكلام مبررا لعدم إجراء المحاكمة ،بينما يرجع البعض الآخر إفلات بوتفليقة من المحاكمة إلى وجود مانع دستوري يتمثل في عدم وجودا لمحكمة العليا للدولة، صاحبة الاختصاص بمحاكمة رئيس الجمهورية وفق ما تنص عليه المادة 177 من الدستور الجزائري ولكن هناك فقهاء في القانون الدستوري يرون أن عدم وجود المحكمة العليا للدولة التي تستحدث بقانون عضوي، لا يمكن أن يحول دون اتباع إجراءات التحقيق مع رئيس الجمهورية والوزير الأول، في حال وجود شبهة تخص جريمة أو جنحة، ولهذا فالمحكمة العليا هي الجهة الأنسب للتكفل بهذا الملف.
إن الأخطاء الفادحة والجرائم الصارخة التي ارتكبها عبد العزيز بوتفليقة في حق الشعب والوطن هي التي مكنت عصابة الفساد من نهب الجزائر بطريقة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الجزائر، حتى المرحوم الفريق أحمد قايد صالح أصيب بالصدمة عند اطلاعه على ملفات الفساد في عهد بوتفليقة وصرح آنذاك قائلا إنه اطلع على :»ملفات فساد ثقيلة بأرقام خيالية في نهب الأموال»
ورغم انه تم في عهد بوتفليقة إنشاء العديد من الأجهزة والآليات الخاصة بمكافحة الفساد كالديوان الوطني لقمع الفساد (2011) والهيئة الوطنية للوقاية من الفساد (2016) التي وضعت تحت وصاية رئاسة الجمهورية بدل أن تتمتع بالاستقلالية، كما تم استصدار ترسانة من القوانين الخاصة بمكافحة الفساد في الجزائر غير أن القانونيين النزهاء أكدوا أن الجزائر ليست بحاجة إلى مؤسسات لمكافحة ظاهرة الفساد والرشوة، بل تحتاج فقط إلى عدالة قوية ومستقلة.
ومن أهم النصوص التشريعية التي صدرت لمحاربة الفساد نظريا، قانون الوقاية من الفساد ومكافحته الذي صدر في 20 فيفري 2006 والمتكون من 73 مادة، غير أن حماية الفساد تم تضمينها في قانون محاربة الفساد حيث أصبحت المادة 6 مكرر التي جاءت بها تعديلات قانون الإجراءات الجزائية في سنة 2015أغلقت كل الأبواب أمام تحريك الدعوى العمومية من طرف النيابة أو أي طرف، ماعدا الهيئات الاجتماعية للمؤسسة المعنية وشكلت حجر عثرة أمام هيئة مكافحة الفساد وأمام النيابة العامة وأمام الموظفين والمواطنين الذين يكشفون ملفات لقضايا فساد.
والملفت للانتباه أنه بعد صدور قانون الوقاية من الفساد ومكافحته في2006 تراجعت مكانة الجزائر في التقارير السنوية التي تعدها منظمة الشفافية الدولية سنويا حيث تدهورت رتبة الجزائر من المرتبة 84 في سنة 2006 إلى المرتبة 112 في سنة 2018، من بين 180 دولة، أي أن الجزائر بدل من أن تحسن ترتيبها بين الدول المكافحة للفساد تراجعت بما لا يقل عن 28 رتبة.
وعلى سبيل المثال ففي سنة 1991 فجر عبد الحميد إبراهيمي الوزير الأول في حكومة الرئيس الشاذلي بن جديد قضية نهب 26 مليار دولار وسرعان ما انتشر هذا الخبر انتشار النار في الهشيم و ملأ وسائل الإعلام وشغل الناس على مدى شهور وكان له وقع الصدمة على الشعب بسبب ضخامة رقم النهب الذي كان يعادل حجم الديون الخارجية للجزائر آنذاك، وفي عام 2014 تحدث اللواء المتقاعد حسين بن حديد قائد الناحية العسكرية الثالثة الأسبق عن نهب 37 مليار دولار، ولم يحرك هذا الخبر جهاز العدالة، بل لم تتناقله أغلب وسائل الإعلام، ولم يسمع به الكثير من المواطنين، لان هذا الرقم المعلن كان في خارطة الفساد أشبه بجبل الجليد الذي يكون جزؤه المخفي أكبر بكثير من جزئه الظاهر، لأن قضايا الفساد أصبحت تتابع ويتم التحدث فيها عن اختلاسات بملايير الدولارات على غرار قضية بنك الخليفة (2007)، قضية سوناطراك (مارس2015) قضية الطريق السيار(ماي2015) . كما كشفت جلسات محاكمات افراد العصابة في الأشهر الأولى من السنة الجارية ( 2020 )عن مسؤولية أحمد أويحيى وعبد المالك سلال اللذين عملا تحت سلطــــة بوتفليقة ، وتداولا خلال عدة سنوات على ترأس حكومات بوتفليقة إضافة إلى عشرات الوزراء المشاركين في حكومتي أويحيى وسلال عن تبديد مئات الملايير من الدينارات التي منحت لرجال الأعمال أو على الأصح «كمشة « من رجال الأعمال في شكل قروض غير مستردة. كما كلفت عمليات النصب والاحتيال التي نفذها افراد عصاية بوتفليقة تحت ما سمي «تركيب السيارات» الخزينة العمومية اكثر من 128 مليار و 983 مليون دج . وتسبب المتهمون في قضية اللواء عبد الغني هامل، المدير العام الأسبق للأمن الوطني، في تبديد 2000 مليار سنتيم، تكبدتها الخزينة العمومية
ورصد مبلغ مليون دينار 750مليون دينار( 75000مليار سنتيم) لتمويل حملة بوتفليقة في العهدة الخامسة الملغاة.
لقد قدر البعض الأموال المنهوبة من طرف عصابة بوتفليقة 200 مليار دولار وهوما يقارب مداخيل الجزائر في خمس سنوات.
من ألطاف الله أن مخطط العصابة لم ينجح في تجديد عهدة رئاسية خامسة لعبد العزيز بوتفليقة، أو تمديد عهدته الرابعة بسنة إضافية. من المرجح أنه لولا الهبة الشعبية المباركة في 22فيفري 2019 والمساندة والحماية من مؤسسة الجيش الوطني الشعبي لهذه الانتفاضة التاريخية، لامتدت يد العصابــة إلى آخر دولار من ال 60مليار الباقية في صندوق احتياطي الصرف بالعملة الصعبة ،و لدخلت الجزائر من جديد في نفق الاستدانة الخارجية بشكل أسوأ مما كان عليه الأمر قبل وصول بوتفليقة إلى سدة الرئاسة في سنة 1999.
بعد الطفرة الكبيرة التي عرفتها أسعار النفط ، أصبحت الجزائر مرشحة لأن تدخل قائمة الدول الصاعدة، وبعد النهب الخرافي وغير المسبوق لأموال الدولة لم تعد الجزائر مرشحة حنى للترشح للدخول في عداد الدول الصاعدة. ولذلك تبقى محاكمة بوتفليقة بصفة رمزية حضوريا أو غيابيا إشارة قوية على دخول الجزائر في مرحلة إعادة الاعتبار للعدالة التي تضمن تقدم الجزائر الجديدة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مجـــازر الثــامـــن مـــــاي 1945 … مازال قانون تجريم الاستعمار الفرنسي معطــــلا !

أ. عبد الحميد عبدوس / رغم أن مظاهر إحياء ذكرى مجازر الثامن ماي 1945 في …