أخبار عاجلة
الرئيسية | في رحاب الشريعة | ثبـــات الـمـــؤمــن بـيــن عـزيمــــة الــوعــي والتـــوكــل الله

ثبـــات الـمـــؤمــن بـيــن عـزيمــــة الــوعــي والتـــوكــل الله

الشيخ محمد مكركب أبران

من أهم عوامل ثبات المؤمن على دينه، ووعيه الذي يؤهله للحياة وهو يؤدي دوره بالتمام والكمال، لا يضعف أمام البلاء والفتن، ولا يضطرب أمام الشقاء والمحن، هو أن يكون على يقين بما أخبر به خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، وهو أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطاه لم يكن ليصيبه، مع اتخاذ الأسباب التي متناول قدرة الإنسان، وفي دائرة علمه، والله عز وجل لا يكلف نفسا ولا شعبا ولا أمة إلاّ بما تستطيع، ولايحاسب العبد إلا على التقصير في اتباع الأسباب التي منحها العزيز الوهاب.
من الحقائق المعلومة لدى كل مؤمن عاقل أن الظروف لا تسير وفق إرادة الإنسان، ولا أحد من البشر يستطيع تغيير نقطة مما هو من القضاء والقدر، وإذن وجب علينا أن نتعامل مع السنن التي سنها الله في الكون، ومع الابتلاءات التي يختبر بها عباده ليعلم الصادقين الثابتين من الكاذبين والمنحرفين عن سبيل المؤمنين.
أولا: أن الإنسان ما خُلق للخلود في هذه الدنيا، وإنما خلقه الله للعبادة بما كلفه فإن شاء أن يكلفه مدة ألف سنة فيبقيه في الدنيا ألف سنة، وإن شاء مائة أحياه مائة، وإنشاء له مدة ثلاثة وستين، أو أكثر أو أقل، لم يزد له لمح بصر، فإذا جاء أجل الإنسان لا يستأخر ساعة ولا يستقدم أبدا، وقد يشاء الله لعبد من عباده أن يعيش سنة أو ساعة، بعد الولادة ويموت. هل يتصور عاقل أنه يعترض على قضاء الله وقدره؟ وهل إذا أراد أن يعترض معترض هل يستطيع ؟. جاء سائل إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، قال له: {إنه قد ظهر قِبَلنا ناسٌ يقرءون القرآن، ويَتَقَفَّرُون (يتبعون) العلم، وذكر من شأنهم، أنهم يزعمون أن لا قدر، (أي: لا يؤمنون بالقدر) وأن الأمر أُنُفٌ (أي مستأنف لم يسبق به قدر ولا علم من الله تعالى وإنما يعلمه بعد وقوعه)، قال عبد الله: (فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني). والذي يحلف به عبد الله بن عمر (لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه ما قَبِلَ اللهُ منهُ حتى يؤمنَ بالقدر) (رواه مسلم:8)
ثانيا: ما هو القدر؟ القدر لغة: مقدار الشيء، وحالاته المقدرة له، وفي الاصطلاح: القدر هو تنفيذ قضاء الله الذي يقضي به على عباده، فيأتي كل شيء في حياة الناس وفق ما قضاه الله وقدره عن علم سابق منه، في الزمان والمكان والعدد والصفة، لا زيادة ولا نقصان. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ (سورة القمر:49)فالله سبحانه قدر الأشياء كلها، وعلم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجدها كما سبق في علمه، ومعنى هذا أنه لا يحدث حدث إلا عن علم الله تعالى وقدرته وإرادته، وأن الخلق ليس لهم في ذلك إلا اكتساب ما أراده الله تعالى. قال الله عز وجل: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (الأنعام:59)
ثالثا: ما هو المطلوب من المؤمن أمام البلاء؟ بعد الإيمان بما تقدم القيام بهذه الأعمال: 1 ـ الرضا بقضاء الله تعالى، بلا تأفف، ولا سخط، والسخط هو الاسْتِياءُ والتَّذَمُّر والغضب المصحوب بكلمات الكراهية لما أصابه. فلابد من حمد الله تعالى بقناعة قلبية تامة، ويستحضر المصاب النية بأن يأجره الله ويغفر له، فلا يفوت الفرصة على نفسه. ويقول كما علمنا الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فإن قال هذا من قلبه بنية صادقة وبنفس راضية، ينال ما وعد الله به، في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ ولنا في الأنبياء أسوة، وفي قصصهم عبرة، أخبرنا الله تعالى عن أيوب عليه السلام حين ابتلاه بمصائب كثيرة. ﴿إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (سورة.ص:44) والمعنى: إنا وجدناه صابرا على البلاء. وبذلك فهو نعم العبد إنه أواب،أي: تواب، رجاع، مطيع. واعلم أن الصبر على البلاء كالشكر على النعماء فيه خير كثير حسب مقدار النية والرضا.
وفي الحديث.عن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ عجبت لأمر المؤمن، إن أمر المؤمن كُلَّهُ له خيرٌ، ليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراءُ شكر، وكان خيرا، وإن أصابته ضراء صبر، وكان خيرا له.] مسند أحمد:18939)
2 ـ إن كان البلاء مرضا: يتخذ الأسباب التي في وسعه، ومهما اتخذ من الأسباب فلا ينسى مُسَبِّبَ الأسباب الذي هو الله سبحانه، فقد دعا إبراهيم ربه عز وجل فقال:﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ ويدعو ربه عز وجل، زمن الأدعية:عن عائشة، رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى، ويقول: [للَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ البَاسَ، اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لاَ شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لاَ يُغَادِرُ سَقَمًا] (البخاري:5743)
3 ـ وإن كان البلاء فقرا أو هموم دَيْنٍ: فالزم هذا الدعاء مع العمل في الحلال كن مُتَوَكِّلًا غير مُتَواكِلٍ، وكن مجتهدا واقنع بالقليل، إن رزقك موجود فاطلبه بالحلال، فلا أحد يأخذ رزق أحد. عنأنس بن مالك، قال: كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت أسمعه يقول:[اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ، وَالجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ] (البخاري:6363)
4 ـ علينا باليقين في الدعاء: فلنحذر، ثم فلنحذر، من عدم اليقين في الدعاء. معنى هذا عندما ندعو الله سبحانه يجب أن نكون متيقنين كل التيقن بأن الله يستجيب لنا ويعطينا ويرحمنا، فمن العيب والخطيئة أن يدعو الداعي ويسأل السائل ربه كمجرب، بل ندعو الله ونحن موقنون بالإجابة.عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: [اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم، والمأثم والْمَغْرَم، ومن فتنة القبر، وعذاب القبر، ومن فتنة النار وعذاب النار، ومن شر فتنة الغنى، وأعوذ بك من فتنة الْفَقْرِ، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، اللهم أغسل عني خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب.] (البخاري:6368)
من بين شروط الدعاء: اليقين، وعدم الاستعجال، إن الله يحب من المبتلى أن يدعوه، وفي ذلك أسرار وحكم، فادع ولا تستعجل. تدبر هذا الحديث. عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [لا يزال يُسْتَجَابُ للعبد، ما لم يَدْعُ بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يَسْتَعْجِل] قِيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: يقول: [قد دعوت وقد دعوت، فلم أَرَ يَسْتَجِيبُ لي، فَيَسْتَحْسِرُ عند ذلك ويَدَعُ الدعاء] (مسلم:2735)
وإذا أصبح العبد أو أمسى يقول:[بِسْمِ اللهِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ] (الترمذي:3388
5 ـ الصابرون عند البلاء لهم أجر الشهداء: ففي الحديث، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما تعدون الشهيد فيكم؟]قالوا: يا رسول الله، من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: [إن شهداء أمتي إذا لقليل] قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: [من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد.] (مسلم:1915) وفي الحديث:[الطاعون شهادة لكل مسلم.] (مسلم:1916)

عن المحرر

شاهد أيضاً

السياسة النبوية في الدعوة الإسلامية والغزوات الجهادية

الشيخ محمد مكركب أبران/ إن مفهوم السياسة النبوية تخص طريقة وآليات الدعوة إلى الله تعالى، …