أخبار عاجلة
الرئيسية | في رحاب الشريعة | معالجات إسلامية | يوم الأسير… في ظلّ وباء الكورونا

يوم الأسير… في ظلّ وباء الكورونا

د. يوسف جمعة سلامة*

أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي مُوسى الأشعريِّ -رَضِيَ اللَّهُ عنه- عنِ النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: (أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَريضَ، وَفُكُّوا العَانِيَ)، قال سُفْيانُ: والعَانِي الأَسِيُر.
هذا الحديث حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، في كتاب الأطعمة، باب قول الله تعالى: (كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ).
وافق يوم الجمعة الماضي السابع عشر من شهر أبريل (نيسان) يوم الأسير الفلسطيني، وتُعدّ هذه الذكرى من أهمّ المناسبات التي تجمع الفلسطينيين وتُوحدهم، فهي تقع على سُلَّمِ أولوياتهم، كما أنها قضية تَمَسّ كل أسرة فلسطينية، فلا تكاد أسرة واحدة تخلومن أسير، سواء كان أخًا أوابنًا أوأبًا أوزوجًا، أوأختًا أوقريبًا أوصديقًا أوجارًا.
حُسْنُ معاملة الأسرى
من المعلوم أن ديننا الإسلامي الحنيف هوأول مَنْ حَثَّ على إكرام الأسرى والإحسان إليهم منذ أربعة عشر قرنا، كما أوجب على المسلمين إطعام الأسير وعدم تجويعه، وأن يكون الطعام مُمَاثلاً في الجودة والكَمِّيَّة لطعام المسلمين، أوأفضل منه إذا كان ذلك مُمكنًا، استجابة لقول الله تعالى في سورة الإنسان: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)، ولنا في رسول الله –صلى الله عليه وسلم- القدوة الحسنة في معاملته للأسرى حيث كان يُحْسن إليهم، ويأمر بإطعامهم وكسوتهم وعلاجهم والرّفق بهم، فقد أطلق – عليه الصلاة والسلام- سراح عددٍ من الأسرى في مناسبات مختلفة، كما أوصى-صلى الله عليه وسلم – أصحابه بحُسن معاملة الأسرى فقال -صلى الله عليه وسلم-: (اسْتَوْصُوا بِالأَسْرَى خَيْرًا)(3)، كما نهى -صلى الله عليه وسلم – عن تعذيب الأسرى وامتهانهم، لما رُوِيَ عنه -صلى الله عليه وسلم – أنه رأى أسرى يهود بني قُرَيْظة موقوفين في العراء في ظهيرة يوم قائظ، فقال مخاطِبًا المسلمين المكلَّفين بحراستهم: {لاَ تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ وَحَرَّ السّلاَحِ، وَقَيِّلُوهُمْ وَاسْقُوهُمْ حَتَّى يَبْرُدُوا }(4).
وامتثل الصحابة -رضي الله عنهم – لقول النبي -صلى الله عليه وسلم – فكانوا يُحسنون إلى أسراهم ، فيقول أبوعزيز بن عمير أخومصعب بن عمير، وكان في أسرى بدر: (كُنْتُ مَعَ رَهْطٍ مِنَ الأَنْصَارِ حِينَ قَفَلُوا، فَكَانُوا إِذَا قَدَّمُوا طَعَامًا خَصُّونِي بِالْخُبْزِ وَأَكَلُوا التَّمْرَ؛ لِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم – إِيَّاهُمْ بنَا، مَا يَقَعُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ كِسْرَةٌ إلاَّ نَفَحَنِي بهَا؛ قَالَ: فَأَسْتَحِي فَأَرُدُّهَا عَلَى أَحَدِهِمَا، فَيَرُدُّهَا عَلَيَّ مَا يَمَسُّهَا).
هذا هوتاريخنا المشرق في حُسن معاملة الأسرى، بينما تقوم سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحرمان أسرانا البواسل من أبسط الحقوق التي نَصّت عليها الشرائع السماوية والأعراف والقوانين الدولية ومؤسسات حقوق الإنسان، والتي تدعوإلى احترام الأسرى ومعاملتهم معاملة حسنة.
أسرانا الأبطال… وفيروس الكورونا
تأتي ذكرى يوم الأسير الفلسطيني وأسرانا الأبطال يخوضون معركة جديدة في ظلّ تفشي وباء الكورونا في العالم، بجانب معركتهم الأساسية ضد سلطات الاحتلال الإسرائيلي وسعيهم المتواصل لنيل حريتهم إن شاء الله.
ففي ظلّ الظروف الصعبة التي يعيشها أسرانا البواسل وانتشار هذا الوباء الفتّاك، فإن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تحرم أسرانا البواسل من أبسط وسائل الوقاية من هذا الوباء الخطير؛ لذلك فهي تتحمل المسئولية الكاملة عن حياة أسرانا الأبطال وسلامتهم، خاصة أن السجون من أكثر الأماكن عُرضة لانتقال هذا الفيروس نظرًا لاكتظاظها، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي لانتشاره في ظلّ الإهمال الطبي المُتَعمد، وعدم توفر أدنى شروط الصحة والسلامة، ومن المعلوم أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تُمْعِنُ وَتُصَعِّدُ من إجراءاتها ضدّ الأسرى لِتفتَّ في عضدهم وَتُثبط من معنوياتهم.
إننا نطالب المؤسسات الدولية ذات الصلة ومؤسسات حقوق الإنسان بالضغط على سلطات الاحتلال الإسرائيلي؛ للعمل على إنقاذ حياة أسرانا الأبطال من هذا الوباء الفتّاك، وضرورة الإفراج عن كافة الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
الأسرى والوحدة
لقد ضرب أسرانا البواسل أروعَ الأمثلة في حُبِّهم لعقيدتهم ووطنهم رغم القيد وظُلم السَّجَّان، فهم يعيشون آلام شعبهم وآماله ، فقد جَسَّدوا حقيقة الشعب الفلسطيني بوحدتهم داخل السجون.
وهل نَنْسى أسرانا الأبطال؟!.
وكيف لنا أن نغفل لحظة عن سِـيَرِهم العطرة، ومواقفهم المشرفة ؟!
من الذي كتب وثيقة الوفاق الوطني؟!.
من الذي يحثّ شعبه على الوحدة والتعاضد والتكاتف؟!
من الذي يُمسك بالبوصلة المتجهة إلى الأقصى والقدس العاصمة الأبدية للدولة الفلسطينية ؟!
إنهم إخوتنا الأسرى، فهم القابضون على الجمر، الصابرون على أَذَى الجلاد، الذين ينتظرون بصبرٍ ساعة الفرج القريب إن شاء الله، لأنهم مؤمنون بأنه لا سبيلَ إلى تحريرهم وفكّ أسرهم إلا بالوحدة.
ونحن نقول لأبناء شعبنا الفلسطيني وقادة الفصائل الأكارم: إنَّ خيرَ تكريم للأسرى هوتلبية نداءاتهم، والاستجابة لاستغاثاتهم، بضرورة الوحدة وتنفيذ وثيقتهم التي تمّ الاتفاق عليها، والعناية بأسرهم وذويهم، والعمل على إطلاق سراحهم إن شاء الله.
الأسرى والثَّوَابت
إنَّ هذه الشريحة العزيزة على قلوبنا قد ضحَّت بالغالي والنفيس في سبيل حرية وطننا الغالي فلسطين، وتمسَّكوا بثوابتهم ومبادئهم، وكان الكثير منهم قادراً على الخروج من السجن لوتنازل عن ثوابته، فهؤلاء هم الأبطال الغُرُّ الميامين، ويذكِّرني أسرانا البواسل في حبهم لوطنهم وإخلاصهم لقضيتهم، بموقف الصحابي الجليل زيد بن الدثنة -رضي الله عنه-، فقد سُئل أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: كيف كان حبُّكم لرسول الله- صلى الله عليه وسلم-؟ فقال: (والله إنَّ رسول الله كان أحبَّ إلينا من آبائنا وأمهاتنا وفلذات أكبادنا، وكان أحبَّ إلينا من الماء البارد على الظمأ)، وانتشر هذا الحبُّ بين صفوف المؤمنين، وأصبح ديدنهم والعلامة الدالة عليهم، والصفة البارزة فيهم، حتى شهد بذلك الحبّ زعيم مكة حينذاك أبوسفيان بن حرب- والفضل ما شهدتْ به الأعداء- وقال كلمته المشهورة: (والله ما رأيتُ أحداً يُحِبُّ أحداً كحبّ أصحاب محمد لمحمد)، متى قالها ومتى نطق بها ؟ حينما جِيء بزيد بن الدثنة أسيراً لِيُقْتَل ، فقال له أبوسفيان: أُنَاشِدُكَ الله يا زيد أَتحبّ أن تعود معافى لأهلك وولدك؟! وأن يُؤْتى بمحمد هنا في مكانك لِيُقْتَل؟! فغضبَ زيدٌ أشدَّ الغضب، وقال: (واللهِ ما أُحبّ أن أرجعَ سالماً لأهلي وأن يُشَاكَ محمدٌ بشوكة في أصبعه).
وأنشدَ الشاعر قائلاً:
أسَرتْ قريشٌ مُسلماً في غــزوةٍ
فمضى بِلاَ وَجَلٍ إلى السَّيَّافِ
سألوهُ هلْ يُرْضيــكَ أنّكَ آمِـنٌ
ولكَ النبيُّ فِدىً من الإجحافِ
فأجابَ كَلاَّ، لا سلمتُ من الأذى
وَيُصَابُ أنفُ محمدٍ بِرُعَـافِ
تحية إلى أسرانا البواسل
تحية لكم يا أسرانا البواسل من أبناء شعبكم المرابط الصابر، ومن أبناء أمتكم العربية والإسلامية، ونقول لكم: بأننا لن يهدأَ لنا بال، إلا بخروجكم جميعاً إن شاء الله، كي تتنفسوا نسائم الحرية، وكي تساهموا في بناء وطننا الغالي الذي ضَحَّيتم جميعاً من أجله، ودافعتم عن ترابه الطاهر.
نقول لكم أيها الإخوة: نحن على العهد، فنحن ننتظر ساعة الفرج لكم، وإنها لقريبة … قريبة بإذن الله، ويسألونك متى هو؟ قُلْ عسى أن يكون قريباً.
ستخرجون بإذن الله، وسنفرح بخروجكم من السجن وحريتكم، وعودتكم سالمين إلى أهليكم، وسنعمل سوياً لإعادة بناء هذا الوطن الذي يحتاج إلى كل السواعد المخلصة الطيبة، فما بعد الضيق إلا الفرج، وما بعد العُسر إلا اليُسر، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا*إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}، وكما قال رسولنا -عليه الصلاة والسلام-: (لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ).
اللهم فُكَّ أسرَ المأسورين، وأعدهم إلى أهليهم سالمين غانمين.
اللهم حرّر مقدساتنا خاصة وبلادنا فلسطين عامة من كيد الكائدين وأطماع الطامعين وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين.

  • * خطيب المسـجد الأقصى المبـارك
    وزير الأوقاف والشئون الدينية السابق
    www.yousefsalama.com  

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحيـــاء… خُلُــق الإســـلام

د. يوسف جمعة سلامة*/ أخرج الإمام الترمذي في سننه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ قَالَ: …