الرئيسية | بيانات الجمعية | حكم الصيام في شهر رمضان للأطباء والممرضين

حكم الصيام في شهر رمضان للأطباء والممرضين

لجنــــة الدعـــوة والإرشــــاد والإفــتــــاء فــي جمعيــــة العـلـمـــــــــاء

حكم الصيام في شهر رمضان للأطباء والممرضين

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد؛
فلا شك أن ما أصاب العالم كله، ومنه الجزائر، بسبب وباء فيروس كورونا(COVID-19) من أشد الأوبئة العالمية التي أودت بحياة الآلاف من البشر، وكان لها تداعيات على مستقبل سياسات، واقتصاديات الدول، ومعاش أفرادها، وقد هب الجميع، كلٌّ من موقعه، وحسب تخصصه، للإسهام في مكافحة هذا الوباء الخطير، ودفع أضراره التي أتت على الأرواح، وأربكت الحياة الاجتماعية؛ فكان نازلة، لم يشهد العالم مثلها.
وقد وقف الأطباء والممرضون في الخطوط الأمامية لمواجهة فيروس كورونا، والقيام بواجبهم في المستشفيات لمعالجة المرضى، وحماية الأصحاء، من هذا الوباء المعدي الفتاك، الذي حتّم على الهيئة الطبية المتخصصة اتخاذ وسائل وقائية شاقة ومرهقة، احترازا من العدوى، فضلا عن ساعات العمل الطويلة المتواصلة، والانقطاع عن الأهل، وهو واقع قد يشق معه الصيام على بعضهم…
من أجل هذا اتصلت مجموعة من الأطباء والممرضين الموجودين في الأقسام الخاصة بمعالجة المصابين فيروس كورونا، بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين يستشيرونها حول إمكانية الأخذ برخصة الفطر في رمضان نظرا لوضعيتهم الخاصة.
قامت لجنة الفتوى على مستوى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بدراسة المسألة، وأجابت بما يلي:
– إن صيام شهر رمضان ركن من أركان الإسلام، ثبت ذلك بالكتاب والسنة والإجماع، وهو من المعلوم من الدين بالضرورة، من أنكر فرضية صيامه كفر.
قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[ البقرة: 183].
وقال كذلك: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾[البقرة: 185].
وعن عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا”[رواه البخاري و مسلم].
فقد أوجبت الآية صيامه على جميع المؤمنين، وعينت زمانه، وهو شهر رمضان.
كما نص كتاب الله في ذات السياق على رخصة الإفطار للمريض والمسافر، في قوله تعالى: ﴿…فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً اَوْ على سَفَر فَعِدَّة مِّنَ اَيَّامٍ اُ۟خَرَ…﴾[البقرة: 184].
فصيام شهر رمضان واجب على كل مسلم، بالغ، عاقل، صحيح، مقيم، ويضاف إلى هذه الشروط شرط الطهر من دم الـحيض، ودم النفاس، بالنسبة للمرأة.
وقد جاء بيان أحكامه مفصلة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما هو مبسوط في الكتب المتخصصة.
– أما فيما يـخص الـمسألة المطروحة، والـمتعلقة بإمكانية إفطار الأطباء والممرضين المرابطين في المستشفيات لتأطير العملية الاستشفائية الخاصة بوباء كورونا، نسأل الله أن يرفعه عنا وأن يشفي المرضى ويعافي الأصحاء، نقول وبالله التوفيق:
لقد دلت النصوص الشرعية من القرآن والسنة الصحيحة، دلالة قاطعة على أن الإسلام يسر لا عسر فيه، قال الله تعالى: ﴿يرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾[البقرة: 185].
وقال: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيف ﴾[النساء: 28].
وقال: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾[البقرة: 286].
وورد بهذه المعاني آيات أخرى في كتاب الله تعالى.
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: ” إنَّ الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة، والروحة، وشيء من الدلجة”[رواه البخاري].
ومما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل، لما بعثهما إلى اليمن قوله: “يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا”[رواه البخاري ومسلم].
وعن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: “ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلَّا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد النَّاس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، إلا أن تُنتَهك حُرْمَة الله فينتقم لله بها”[رواه البخاري ومسلم].
ومن أصول الشريعة الإسلامية الكلية ومقاصدها رفع الحرج، قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾[الحج: 78].
ورفع الـحرج مؤداه يسر التكاليف في جميع أطوارها.
والـحديث عن اليسر ورفع الحرج، يقودنا إلى الحديث عن الرخصة التي مؤداها تيسير ما شق على بعض النفوس عند تطبيق الأحكام الشرعية الميسرة ابتداء.
ومن أقسام الرخصة، الرخصة للضرورة. وهذا ما قَعَّدَ له الفقهاء بقاعدة: “الضرورات تبيح المحظورات”، وهي قاعدة متفرعة عن قواعد فقهية: “الـمشقة تـجلب التيسير” و”إذا ضاق الأمر اتسع” و”الضرر يزال”.
فإذا كان بعض المكلفين يشق عليهم ويعسر القيام بالعزيمة، التي هي الحكم الابتدائي العام الشامل للجميع، مثل وجوب الصلاة بهيئتها الكاملة، وصيام رمضان، والغسل والوضوء بالماء، وحرمة أكل الميتة والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، انتقل هذا المكلف إلى الرخصة التي هي مستثناة من الحكم العام، كالصلاة من جلوس، والتيمم بدل الوضوء، والإفطار في رمضان، وأكل الميتة للمضطر حتى لا يهلك.
قال عليه الصلاة والسلام: “إن الله يـحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه”[رواه أحمد وابن حبان].
وبِزوال العذر يصبح الرجوع إلى العزيـمة التي هي الأصل واجبا.
بناء على ما سبق نقول للمعنيين بالـمسألة: إن استمر الوضع الوبائي على ما هو عليه ونعوذ بالله من ذلك ونسأله العافية، فإن على كل فرد من الطاقم الطبي الـمتخصص في مكافحة وباء كورونا أن يُبَيِّتَ نية الصيام ويشرع فيه، فإن حصلت له مشقة شديدة أثناء العمل (مشقة حقيقية لا متوهمة) وخاف على نفسه الضرر أفطر، وعليه القضاء.
أما إذا احتاج أي فرد من الطاقم الطبي المتخصص في مكافحة كورونا إلى الفطر، تحقيقا لا توهما، وظنا غالبا، بسبب الإجهاد الشديد الذي يفقد معه القوة الكافية، والتركيز اللازم في عملية إنقاذ الأنفس، وغلب على ظنه فوات مصلحة المريض، وألجأته الضرورة إلى ذلك فله أن يفطر، والضرورة تقدر بقدرها، وعليه القضاء.
روى مسلم عن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه- قال: “سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة -يعني في فتح مكة– ونحن صيام فنزلنا منزلا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم، فكانت رخصة، فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلا آخر فقال: إنكم مُصَبِّحُونَ عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا، وكانت عَزْمَةً فأفطرنا”[رواه مسلم].
وروى أبو داود عن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: “رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر، وقال: تَقَوَّوْ لعدوكم”[صححه الحاكم وابن عبد البر].
والشاهد في هذين الحديثين أن أمره صلى الله عليه وسلم أصحابه بالفطر إنما كان من أجل التَقَوِّي على الجهاد، وليس من أجل السفر.
فالإخوة الأطباء والممرضون، ومن في محيطهم، نحسبهم إن شاء الله، في رباط عظيم، وجهاد كبير، نسأل الله لهم جزيل الثواب، وهو سبحانه القائل: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾[المائدة: 32].
فالنفس هي إحدى الكليات الخمس التي أوجب الإسلام حفظها وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال والعقل. وعند الاختصار يقول العلماء: “جاء الإسلام لحفظ الأديان، وحفظ الأبدان”.
فالمسلمون مطالبون بالحفاظ على دينهم، والمحافظة على أنفسهم وحمايتها، من كل ما يهلكها ويشقيها، قال تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾.[النساء:29].
ومع ما سبق ذكره ندعو الإخوة والأخوات المعنيين بالأمر أن يقدروا الضرورة، فهم أحق بذلك، لوجودهم في قلب المعركة، قال عليه الصلاة والسلام لوابصة: “استفت قلبك، والبر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأَفْتَوْكَ”[رواه المنذري وصححه بعض أهل العلم].
تنبيه: على كل من اضطر إلى الإفطار أن يقضي عدد الأيام التي أفطرها، من غير إلزام بالتتابع، خلال الأشهر التي تلي شهر رمضان، متى تَيَسَّرَ له ذلك، مع استحباب التعجيل.
-أما بالنسبة للسؤال الـمتعلق بصلاة الطبيب أو الممرض في اللباس الخاص إذا أصابته النجاسة نقول:
من الـمعلوم أن الطهارة بقسميها، طهارة الحدث، وطهارة الخبث، شرط لصحة الصلاة، وطهارة الثوب من طهارة الخبث.
فمن صلى في ثوب نجس، ذاكرا غير ناس، قادرا على إزالة النجاسة غير عاجز، بطلت صلاته، إلا إذا كانت النجاسة دما قليلا، أو قيحا أو صديدا، فيعفى عن ذلك، والصلاة صحيحة.
أما بالنسبة للأطباء والممرضين المرابطين في المستشفيات لمعالجة ورعاية مرضى كورونا (COVID-19)، وهم يرتدون ملابس خاصة، لا يمكن تغييرها في كل وقت، وقد تصيبها النجاسة، فيتعذر تطهيرها، لهم أن يصلوا فيها على حالها، ولا حرج.
وقد نص الفقهاء على أن ما تعم به البلوى، وما يعسر الاحتراز منه من النجاسات فهو معفو عنه؛ لأن كل مأمور به إذا شق على العباد فعله سقط الأمر به، وكل منهي عنه إذا شق عليهم اجتنابه، سقط النهي عنه.
وننصحهم بالأخذ برخصة الجمع، بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، تقديما أو تأخيرا.
فإن في ذلك تخفيفا عليهم.
ومن رحمة الإسلام وسماحته، أن في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم نصوصا كثيرة دلت على التيسير، والتخفيف ورفع الحرج، وقعّدت القاعدة الكلية: “الـمشقة تـجلب التيسير”
والله أعلى وأعلم
في الختام، نسأل الله تعالى أن يحفظنا جميعا، وأن يحفظ وطننا وسائر أوطان المسلمين، وأن يرحم أمواتهم، وأن يشفي جميع المصابين عبر العالم، وأن يعيذنا من كل وباء، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
حررت يوم: 18 أفريل 2020م
الموافـــق لــ: 24 شعبان 1441هـ
ع/ لجنة الدعوة والإرشاد والإفتاء .. ع/ المكتب الوطني
الشيخ بن عودة حيرش د/ عبد الرزاق قسوم

عن المحرر

شاهد أيضاً

بــيــــــان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

الرابط: Bayen aout 2020   قال الله تعالى: ﴿..إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ…﴾[سورة هود/ …