أخبار عاجلة
الرئيسية | الحدث | كورونـــا وانهــــزام الـتمــدّن: إلـمـاحــة سـوسيــولـوجـيـــــة

كورونـــا وانهــــزام الـتمــدّن: إلـمـاحــة سـوسيــولـوجـيـــــة

أ. زيتــــوني محمد عادل *

 

بعد إعلان الصين مع انصرام الشهر الأول من العام الجديد حالة الطوارئ على إثر ظهور فيروس كورونا المستجد، حدت العديد من دول العالم نفس هذا الحدو معلنة هي الأخرى عن تعطيل المدارس وحظر التجمعات الكبرى، دينية كانت، علمية، ثقافية أو رياضية، فضلا عن تعليق خطوط النقل البري، البحري والجوي، إلى أن صنَّفت منظمة الصحة العالمية بداية الشهر الماضي»كورونا» كوباء عالمي، حينها شهد العالم أكبر انهزام للمتروبوليتانية على مرّ التاريخ. نعم، مدن العالم اليوم أصبحت فارغة من تمدّنها بعد أن شُلّت جُلّ خدماتها وفقدت معظم خصائصها الديموغرافية، الاجتماعية والاقتصادية. لقد غدَت كبرى حواضر العالم في سابقة نوعية أشبه ما تكون ببوادي خرسانية؛ لا مصانع منتجة ولا جامعات نشطة، لا شوارع مكتظة بالمارّة ولا طرق مزدحمة بالمركبات، لا مطاعم فاخرة ولا فنادق فخمة، كل شيء مغلق إلى أجل غير مسمى. فعلا، لقد خيّم الظلام على المدن اللّيلية وحلّ الصّمت على مراقصها الصّاخبة، وفقدت المدن السياحية ضيوفها بعدما خلت معالمها الأثرية من السيّاح ومنتزهاتها من الزوار، وغاب العبّاد عن المعابد والحجّاج عن أطهر بقعة على وجه الأرض. كما عمّ السكون على حركية العواصم الصناعية والتجارية، دما أرخت الطائرات أجنحتها وأخمدت القطارات السريعة محركاتها، وغابت الاختناقات المرورية عن الطرقات والأزقة. ليس هذا فحسب، بل حتى ما تسمى بـــــ «ثقافة المدينة» Culture urbaine، ذلك النسق الخاص من المعايير، القيم والسلوكات؛ عرفت هي أخرى ارتباكا غير مسبوق. أجل، لقد ساهم «كورونا»في استرجاع المجتمعات الحضرية شيئاً من العلاقات الاجتماعية الأولية Relations primaires، لاسيما على مستوى الأسرة، حيث التمّ شمل أفرادها بعضهم مع بعض، بعدما أبعدت ضغوط المدينة والعمل الآباء عن أبنائهم،وفرّقت دور الحضانة المنتشرة في جُلّ أحياء المدن الأمهات عن فلذات أكبادهنّ، اصطلحت الأسرة اليوم مع نفسها في مشهد منقطع النظير. من جهة أخرى، الأسرة هذه الأثناء تستعيد العديد من وظائفها المفقودة من جرّاء التمدّن الحديث، وأضحت تضطلع بالكثير منها، لاسيما وظيفتها التربوية، من تنشئة اجتماعية، تعليم، متابعة، توجيه ومراقبة الأبناء،إضافة إلى استرجاعها لشيء من وظيفتها الاقتصادية،بعدما كانت من قبل وحدة مستهلكة بشراسة، تحولت اليوم إلى وحدة شبه مكتفية غذائيا، حين عمدت أغلب الأسر إلى صنع خبزها وطعامها بنفسها.لكن،رغم استرداد الأسرة الحضرية لشيء من علاقاتها وبعضٍ من وظائفها في ظل هذا الانكسار الصّارخ للتمدّن، لا تزال إحدى دعائم هذا الأخير تفرض سلطتها وحتميّتها في عقر الأسرة والحياة الاجتماعية بوجه عام؛ ألا وهي «الأنترنت»، هذه الأخيرة التي لطالما عملت على تغيير قواعد اللعبة فيما يتعلّق بعلاقة الفرد بأسرته، ما انفكّت اليوم رغم التقارب الفيزيقي، تُسهم بشكل كبير في تباعد أفراد الأسرة وانعزالهم عن بعضهم البعض، مزاحمة إياها كعادتها في التنشئة الاجتماعية للأبناء، وكل ذلك نتيجة التنوع الخدماتي الهائل الذي تتيحه هذه التقنية والجاذبية الكبيرة التي تتمتع بها، مما جعل منها المتنفس الوحيد لأفراد الأسرة وملاذهم الأوحد أثناء هذا الحجر المفروض عليهم بين جدران المنازل، هذه الأخيرة التي لم تعد في «عصر المعلومات» سوى بيوتا واهِنة قوامها شبكة عنكبوتية مترامية الأطراف على مختلف زوايا العالم، مُلغية للمسافات التي لطالما اجتُصّت من طرف أحدث المواصلات، محرِّرة للمعلومة من بين رفوف المكتبات وأسوار الجامعات. وكأن «كورونا» اليوم لم يهزم سوى عمران المدينة، ناسيا أن روحها المتمثلة في «تكنولوجيات المعلومات والاتصالات» قد قفزت بالعالم من عصر المكان إلى عصر «أزمة اللّامكان»، بل ونفي المكان تماما.

*أستاذ علم الاجتماع، جامعة جيجل
sociurb@yahoo.com

عن المحرر

شاهد أيضاً

يا فرنسا قد مضى وقت العتاب .. التاريخ يعيد نفسه، لكنه لا يكتب بصيغة الحاضر، فهل من معتبر؟؟

أ. محمد مصطفى حابس: جنيف / سويسرا/ بعد الحملة المسعورة على الاسلام والمسلمين في فرنسا، …