الرئيسية | الحدث | من هنا يأتي النصر على الكورونا وعلى كل الأزمات والجوائح

من هنا يأتي النصر على الكورونا وعلى كل الأزمات والجوائح

أ. حمزة مزوز * /

كلمة قالَها صلاح الدِّين الأيوبي وهو يتفقَّد أحوال الجند ليلاً، عندما وجد خيمة بِها عددٌ من الجند يقرَؤون كتاب الله ويَقُومون الليل، فسجَّل له التاريخ قوله: «من هنا يأتي النصر»، ومرَّ على أُخْرى، فوجدها نائمة لاهية، فقال: «من هنا تأتي الهزيمة»، فكان ذلك دلالة واضحة على أن الناس عند خوض المعارك أو في محاربة العدو أو زمن مجابهة النوازل والجوائح بل حتى وقت التغيير والتشييد والتعمير والإصلاح والبناء، ليسوا على قلب رجل واحد في الهمة والعزم والمقصد والهدف، فمنهم من عانق الثريا بل وعرش الرحمن قلبه ولبه، ومنهم من لا يريد إلا دنيا زائلة وشهوات فانية وشهرة واهية وسمعة مضللة، ولله الحمد في الأولى و في الآخرة أن جعل النصر بيده ويقربه لمن يشاء بأمره قال جل في علاه: {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}[آل عمران: 126]، فلم يجعله بيد أحد من خلقه، بل جعل جل في علاه للنصر أهلا يأخذون بأسبابه ثم يوفقهم إليه قال تعالى: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ }[الروم: 47]

والمؤمنون في هذه الأيام على غرار البشرية جمعاء يعيشون أزمة وجائحة كورونا التي أضحت عدوا يفتك بكل من يقف في طريقه ويأتي على الأخضر واليابس لا يفرق بين حاكم ومحكوم وصغير وكبير وغني وفقير ورجل وامرأة، مما جعل الجميع يتجند له بكل ما أوتي من قوى ووسائل وتدابير، عسى الله أن يحقق للناس النصر عليها ويرفعها عنهم عاجلا غير آجل، إلا أن الناس صوروا في ملحمتهم هذه مشهدا أخلطوا فيه بين مسببات النصر ومسببات الهزيمة والخذلان، لذا كان من الضروري التذكير بصفات أهل النصر للتحلي بها والتعريف بصفات أهل الخيبة والهزيمة لتجنبها.
مفهوم النصر في الإسلام:
أشار الإسلام إلى النصر من خلال بيان صوره العديدة في القرآن الكريم وفي السنة النبوية والتي تحقق بمجموعها مفهومه ، فيأتي بمعنى قهر العدو وتدمير معسكرات الكفر الغاشمة والمستبدة، كما يأتي أيضا بمعنى نجاة أهل الحق من أهل الباطل والزيغ والضلال وإهلاك المكذبين، كنجاة الأنبياء عليهم السلام نوح وهود وصالح وشعيب ولوط..، وإهلاك وتدمير أقواهم بمختلف أنواع العذاب والسخط، وهذان النوعان من النصر محببان إلى النفوس عكس بعض أنواع النصر الأخرى التي في ظاهرها هزيمة كـ: موت صاحب القضية واستشهاده أو طرده وتهجيره من أرضه…، وفي هذا نصر كبير له في الدنيا وفي الآخرة (يطول شرحه وتفصيله )، فالنصر في عمومه إذا: (قهر العدو والغلبة عليه والنجاة من مكائده وشروره، مع الثبات على الحق والمنهج القويم الذي ارتضاه الله لخلقه).
«والنصر في جائحة كورونا وعليها يكون بعد الأخذ بكل أسبابه الشرعية والوقائية من ضرر وأخطار هذا الفيروس، وتحقيق التوبة النصوح إلى الله تعالى والثبات بعدها على شرع الله ونهجه».
بين صفات أهل النصر وصفات أهل الهزيمة
(في ظل أزمة كورونا).
أ) بين الإخلاص والرياء:
لا شك أن الإخلاص في الأقوال والأعمال أساس قبولها، فلا يقبل الله تعالى من عباده إلاّ ما كان خالصا لوجهه لأنه هو من أمر بذلك حينما قال: «وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ « البينة 05 وقال أيضا :» فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا « الكهف 110، ولا شك أيضا أن من أهم أسباب النصر على كل من يقف في طريق الله ويعطل مقاصد الشرع الضرورية التي لا تكون الحياة إلاّ بها: «الإخلاص لله في المواجهة» وعدم إشراك معه تعالى غيره في ذلك شركا أكبر كان أو أصغر، ولعل أن ما ابتلي به الكثير من المسلمين اليوم الوقوع في الشرك الاصغر «الرياء» وذلك على هيئات كثيرة وأشكال عديدة دفعتهم إليها مخلفات العولمة من وسائل تواصل وانفتاح على الغير بشكل لم يسبق إليه من قبل، وذلك حينما أضحوا يهرعون إليها في إبراز محاسنهم ومفاتنهم الفكرية والاعتقادية والعملية والجمعوية من غير تورع وخوف في أن يخالط ذلك قصد غير الله والتوجه إلى ما سواه، وبلغ ذلك إلى مداه.
حتى أصبحنا نرى في هذه الأيام تسابقا عجيبا وتنافسا أضحى مذموما في نشر كل صغيرة وكبيرة جليلة وحقيرة في ميادين البر والعطاء ومن ذلك في مواجهة فيروس كورونا، فالإخلاص الإخلاص والمراقبة المراقبة بهما النصر والتوفيق.
ب) بين الوحدة و الفرقة والاختلاف:
نصر المؤمنين ونجاتهم من كل أنواع الهلاك والخسران في وحدتهم واجتماعهم قال تعالى: «وَٱلۡعَصۡرِ، إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ، إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ» فإيمان العبد لا يكتمل ولا يقوى إلا في بيئة أخوية مؤمنة، وكذا عمله للخيرات والصالحات لا يثمر ولا يؤتي أكله إلاّ باجتماع المؤمنين وتعاونهم وتشاورهم وتناصحهم، ناهيك عن الأوقات العصيبة التي يمر بها المسلمون كالحروب والنوازل وغيرها التي تستوجب الوحدة ونبذ كل الخلافات وأنواع الفرقة للخروج بالنصر أو بأخف الأضرار الممكنة،.. ومع المشاهد الرائعة التي رسمها المسلمون لمواجهة وباء كورونا من تضامنهم وتآزرهم ومواساتهم المتبادلة والتي تبعث على الأمل في الانتصار والفرج، هناك مشاهد لا ترقى إلى مستوى استحقاق النصر وتزيد الألم بالوضع الراهن آلاما أخرى، ومن صور ذلك: رفض وضع اليد في اليد من جديد وقلب صفحات الماضي الملوثة بالأحقاد والأطماع المتبادلة بل وصل ذلك إلى استغلال الظرف للقصف والعدوان على الأبرياء والمدنيين (في ليبيا واليمن مثلا)، وما هذا بطريق النصر المنشود.
ج) بين التضحية والأنانية والجشع:
الشدائد والأزمات هي وقت التحديات والتضحيات الجسام وليس كمثلها لمعرفة الابن البار والأخ الحميم والصديق الصدوق وأصحاب القضايا وأهل المبادئ، لأنهم جميعا في استعداد للتضحية بالنفس والنفيس والغالي والرخيص من أجل النصر والنجاة وسعادة الغير قبل الذات، قال الله تعالى عنهم: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» (التوبة 111)، وقال سبحانه أيضا: «وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ» (آل عمران 157)، فلا قيمة للذات عند هؤلاء إذا نادى المنادي لأداء الواجب الديني أو الإنساني أو الوطني..،
د) بين العطاء والبذل والاحتكار والمضاربة
مواطن العطاء والجود كثيرة و أفضلها تلك التي يغاث فيها الملهوف ويطعم فيها الجائع ويكسى فيها العريان ويعالج فيها المريض وتقلب فيها معادلة المواجهة لصالح المسلمين خصوصا و الإنسانية عموما، وما فعله عثمان بن عفان رضي الله عنه في غزوة تبوك مع إخوانه من الصحابة الكرام في تجهيز جيش العسرة والإعداد للغزوة، أعطى الصورة المتكاملة عن موقف المسلم في كل الأزمنة وفي كل الشدائد وذلك عندما تحتاج الأمة إلى ماله و عطائه، فلا يبخل ولا يمسك بل يكرم ويغدق، ولا يرضى لنفسه إلا أن يكون عاملا من عوامل نصر الإسلام والمسلمين، وقد أظهرت محنة كورونا معدن الكثير من الخيرين الذين أنعم الله عليهم بالمال الكثير والخير الوفير عندما جادوا بمختلف العطاءات في مختلف الميادين، فسدوا ثغرات وثلمات كثيرة، في حين لم يجد البعض فرصة مثل هذه الجائحة ليبينوا عن جشع وطمع كبيرين عندما احتكروا سلعا ومواد ضرورية مع المضاربة غير المشروعة ورفع الأسعار وخلق الندرة لا لشيء إلا لاستغلال الوضع في تكوين ثروة ومال ليس لهما مصير إلاّ الزوال ولا لأصحابها إلا التراب والفناء.
هـ) بين الطاعة والتمرد
من مقتضيات النصر والظفر بالمعارك والحروب وتجاوز المحن والكروب والنجاة من النوازل والجوائح العامة الاحتكام لقيادة حكيمة رشيدة تدير رحى الوقائع و تضع الخطط وتوزع المهام وتتخذ القرارات قال الله تعالى: «يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ « (النساء 59)، فما على الرعية إلا الامتثال لحكم ولي الأمر والانتهاء عن نهيه في حدود طاعة الله ورسوله ولا تجوز مخالفته والخروج عن حكمه خاصة إذا كان يريد الصلاح والخير للبلاد والعباد، لأن في ذلك إخلال بالنظام العام وتكريس للفوضى وتعريض المصلحة العامة للخطر، وما خطأ الرماة يوم أحد الذي عرض المسلمين لأصعب وأعسر امتحان خاضوه وبقيادة الحبيب عليه الصلاة والسلام كان بسبب مخالفتهم لأمره صلى الله عليه وسلم، كاد ذلك أن يكلف الأمة استئصال أمرها لولا رحمة الله ولطفه بها، فالتمرد على القوانين عموما وقواعد الحجر الصحي خصوصا في ظل أزمة كورونا وانتشاره الرهيب قد يعرض الناس للهلاك والموت، حتى وإن بدا في ظاهر الأوامر تضييق وتشديد ففي باطنها سعة ورحمة كونها تتماشى مع سنن الله الكونية.
و) بين « لَا نُرِيدُ مِنكُم جَزَآء وَلَا شُكُورًا.. و «يُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا».. أو حتى يحبون أن يحمدوا بما فعلوا.
من يريد النصر والتوفيق عليه أن يضحي ويعطي ولا ينتظر جزاء ولا شكورا في الدنيا، لأنه يعلم أن الله لا يضيع أجر المحسنين، وعلى المسلم أن يبقي قلبه معلقا بنيل رضى الرحمن والفوز بجناته، لأن مقام العطاء والبذل يقتضي عدم انتظار الجزاء الدنيوي ماديا ومعنويا، ويحذر حذرا شديدا الشهرة والسمعة وابتغاء محمدة الناس وكلامهم الحسن، لأن ذلك من معوقات النصر والتوفيق ومن أسباب الهزيمة والخذلان..، وفي مواجهة الناس لوباء كورونا تعددت أوجه وميادين المشاركة في المجابهة والتحدي، ويجب ألا تتعدد المقاصد والنوايا وألا تتعدد الغايات والأهداف، فلا نية إلا في المساعدة لوجه الله تعالى ولا غاية إلا رضاه، فليحذر المتطوعون أن تتسلل لقلوبهم محبة الدنيا وشهوة الشهرة وليحذر المتطوعون أن تكون لهم أهداف شخصية مستقبلية وغايات دنيئة، فلا نصر إلا بالتجرد ولا خلاص إلا بالإخلاص.
ز) بين الصبر على الأذى و أذية الغير
لا نصر إلا بصبر ولا نجاح إلا باجتهاد ولا توفيق إلا بجد، هكذا الدنيا وسننها، لذا كان طريق الأنبياء والدعاة و المصلحين والمجاهدين محفوفا بكل أصناف الأذى والإساءة، ولم يكن قط مفروشا بالورود وسهلا يسيرا فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وما أوذي أحد ما أوذيت» وقال في شأن موسى عليه السلام مرة: «يرحم الله موسى قد أوذي أكثر من هذا فصبر»، وفي ذلك عين الفتنة والابتلاء والامتحان، وما بعد الأذى والصبر عليه إلا الفرج والنصر..، وقد تعرض أصحاب الخطوط الأمامية (أطباء وأعوان حماية و أمن ومجتمع مدني ناشط في التعقيم و التطهير والإغاثة وو) في مواجهة وباء كورونا ويتعرضون لأذى الله به عليم، رزقهم جل في علاه صبرا واحتسابا ونصرا مؤزرا، إلا أن هناك من يؤذي في هذا الظرف غيره علم ذلك أم جهل، عندما يسابق ويدفع ويتشاجر لاقتناء الغذاء و الدواء وبكميات كبيرة لا يأبه لجوع وعوز غيره، أو عندما يحرج فئة محرومة بنشر صورها وهي تستلم إعانات ومساعدات، أو عندما يهمز ويلمز غيره بنجوى شيطانية تقدح فيه..، وكل هذا وغيره من مظاهر سلبية نعيشها تؤجل النصر وتؤخره وتفقده لذته وفرحته.
ح) بين دعاء الله تعالى والتضرع إليه والإعراض عنه والغفلة عن دعائه
ليس كالحروب والنوازل والجوائح مواطن للدعاء والتضرع إلى الله تعالى برفع الضر وجلب النصر والتأييد، وخاصة إذا علم العبد أن النصر من عند الله تعالى، وليس له إلا تقديم الأسباب بإعداد العدة والتوكل على الله ودعائه والإلحاح في ذلك، وقد سن لنا النّبي عليه الصلاة والسلام دعاء القنوت لرفع النوازل من حروب وأوبئة وطاعون وغيرها، لا لشيء إلا ليعمق الصلة بين العبد وربه ويؤكد فقر العبد وشدة حاجته ولجئه إلى الله..، لذلك كان من أهم أسباب النصر وتعجيله في رفع وباء كورونا دعاء المسلمين في كل بقاع الدنيا وتضرعهم ليل نهار واستسلامهم لأمر الله ولحكمته وتقديره، ومن المظاهر المؤسفة عند البعض تعلقهم بالأسباب المادية وحدها من تطور وتقدم في الطب وفي العلاج وغفلتهم عن رب الأسباب جل في علاه.
وفي الأخير نؤكد ونقول أن نصر الله قادم ورفعه لهذا الضر واقع لا محالة، بقي أن نري الله منا ما يرضيه عنا من توبة حقيقية وصدق وإخلاص ووحدة واتفاق ورجوع إلى نهجه وشرعه وإيقاف سريع للظلم بكل أشكاله وصوره وتحقيق للعدل الشامل وفي كل الميادين مع تقديم أسباب التأييد والتوفيق، والله من وراء القصد.
* عضو المجلس الولائي ج ع م ج سطيف. 

عن المحرر

شاهد أيضاً

عالـما الاجتماع علي الكنز و الـمنصف وناس في ذمة الله

أد. مولود عويمر/   لقد فقدت الجزائر وتونس عالمين اجتماعيين معروفين في أسبوع واحد. ففي …