الرئيسية | أقلام القراء | 22 سبتمبر 1917م ـــــــ 22 سبتمبر 2017 م مرور قرن على ميلاد الشيخ محمد الغزالي رحمه الله/ بقلم: د. إبراهيم نويري ـــ باحث أكاديمي

22 سبتمبر 1917م ـــــــ 22 سبتمبر 2017 م مرور قرن على ميلاد الشيخ محمد الغزالي رحمه الله/ بقلم: د. إبراهيم نويري ـــ باحث أكاديمي

 

تمر علينا هذه الأيام ذكرى مرور قرن كامل على ميلاد أحد أساطين الدعوة والبلاغ  والفكر الإسلامي المعاصر هو المفكّر المجدّد الداعية الأديب الشيخ محمد الغزالي رحمه الله؛ لذلك رأينا من الأهميّة بمكان الوقوف هذه الوقفة بمناسبة هذه الذكرى، خاصة أن حديثنا سوف ينصبّ حول جانب من قسمات مشروع الشيخ الغزالي الفكري وليس حول الشخص نفسه؛ لأنّ ما يهم واقع الإسلام اليوم بنظرنا هو ” عالم الأفكار “، وهذا ليس تهويناً أو انتقاصاً البتّة من مكانة ” عالم الأشخاص ” فالأشخاص رموز نستمد منهم ــــ إبّان حياتهم ـــــ القدوة والمثال كما نفيد من تجاربهم، لكنهم من المؤكد فانون زائلون، أما الأفكار فهي باقية، نراجعها في مظانها من تراثهم الفكري، ونستثمرها متى أردنا في معالجة معضلات واقعنا وأدواء مجتمعاتنا .

أولاً: محمد الغزالي في سطور:

ولد محمد الغزالي السقا يوم 22 سبتمبر 1917م ، بقرية صغيرة تُسمى ” نكلا العنب ” التابعة إدارياً لمركز إيتاي البارود محافظة البحيرة، شمال غرب جمهورية مصر العربية، وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في معهد الإسكندرية الديني، وقد نشأ الغزالي في وسط أسرة متدينة بين إخوة سبعة، هو أكبرهم، وكان والده يعلّق عليه كلّ آماله، وآمال الأسرة والقرية . وقد حفظ القرآن الكريم كاملاً في مرحلة الصبا، ثم واصل دراسته في القاهرة وتتلمذ على يد أبرز علماء الأزهر من أمثال الشيخ عبد العظيم الزرقاني والشيخ محمود شلتوت، وتخرّج سنة 1941م، بعد أن حصل على شهادة العالِمية [ العالِمية بكسر اللام تعادل الماجستير فهي درجة قبل الدكتوراه وقيل تعادل الدكتوراه ] .. وفي سنة 1943م عُيّن إماماً خطيباً في مسجد العتبة الخضراء بالقاهرة، كما عمل مفتشاً عاماً للمساجد ثم وكيلاً لقسم المساجد بوزارة الأوقاف ثم مديراً للدعوة والإرشاد (1).

وقد تأثر تأثراً صادقاً بالإمام المجدّد الشهيد حسن البنا رحمه الله، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، وطرّس في نعيه وفي ذكراه ـــــ بعد ذلك ــــــ أقوى المقالات. ومَن يقرأ المقال الذي كتبه في الذكرى الأولى لاستشهاد الأستاذ البنا، وهو ضمن كتابه “تأملات في الدين والحياة ” وعنوانه [ غصن باسق في شجرة الخلود] يدرك يقيناً عمق تأثر الغزالي بأستاذه ومرشده . ومما جاء في هذا المقال: ” لقد قُتل حسن البنا يوم قُتل والعالم كله أهون شيء في ناظريه ! ماذا خرقتْ الرصاصات الأثيمة من بدن هذا الرجل؟ خرقتْ جسداً غبرته الأسفار المتواصلة في سبيل الله، وغضّنت جبينه الرحلات المتلاحقة إلى أقاصي البلاد، رحلات طالما عرفته المنابر فيها وهو يسوق الجماهير بصوته الرهيب إلى الله، ويحشدهم إليه ألوفاً ألوفاً في ساحة الإسلام ! لقد عاد القرآن غضّاً طرياً على لسانه، وبدتْ وراثة النبوة ظاهرة في شمائله، ووقف هذا الرجل الفذ صخرة عاتية انحسرت في سفحها أمواج المادية الطاغية، وإلى جانبه طلائع الجيل الجديد الذي أُفعم قلبه حباً للإسلام واستمساكاً به. وعرفتْ أوروبا البغيّ أيّ خطر على بقائها في الشرق إذا بقي هذا الرجل الجليل، فأوحتْ إلى زبانيتها..فإذا الإخوان في المعتقلات، وإذا إمامهم شهيد مدرّج في دمه الزكي”(2).

ولقد مدّ الله في أجل الشيخ الغزالي حتى ألف ما يربو على ستين كتاباً، إضافة إلى ديوان شعر بعنوان [ الحياة الأولى ] وسيرة ذاتية بعنوان [ قصة حياة ]  وخواطر في ستة أجزاء بعنوان [ الحق المر ] .. كما عمل أستاذا بجامعة قطر، وأستاذا بجامعة الأمير عبد القادر الإسلامية بقسنطينة بالجمهورية الجزائرية، وترأس مجلسها العلمي لمدة خمس سنوات كاملة. وشاء القدر أن تفيض روحه الطاهرة يوم التاسع من شهر مارس آذار 1996م، وهو يدافع عن الإسلام في ندوة بعنوان ” الإسلام والغرب ” على منصة المهرجان الوطني للتراث والثقافة بمدينة الرياض العاصمة السعودية. ودُفن بناءً على وصية سابقة له، في المدينة المنورة قريباً من صاحب الرسالة الخاتمة وصحابته الكرام في مقبرة البقيع، بعد أن ترك أعمالاً ومؤلفات جليلة قمينة بأن تنظر فيها الأجيال المسلمة الصاعدة وأن تستفيد من مضامينها العامرة بآراء ونظرات واجتهادات وتجارب نحسب أنها مفيدة للكثير من تفاصيل الحياة الإسلامية ولمستقبل الإسلام .

ثانياً: موقع الشيخ الغزالي الفكري الاجتهادي:

في البدء يمكننا الذهاب في تحديد موقع الشيخ الغزالي الفكري والاجتهادي إلى أنه ينتمي إلى مدرسة الإحياء والتجديد الفكري والحضاري وبعث الإسلام في العالم من جديد مجردا من الخلافات النظرية  والتفسيرات المذهبية والتاريخية، والحرص على جعل الاستفادة التامة من كل تراث الإسلام  وعطاءات العقل الإنساني مما هو مشترك إنساني عام لا خصوصية حضارية.. رؤيةً شاملة تحكم طرق تفكير واجتهاد هذا المنهج ..

إن مشروع الغزالي الفكري صارخ في الانحياز التام لهذا المنظور ولهذه المدرسة، وتتجلى معالم هذه الرؤية أو المنهج في أي موضوع يتعرض له الشيخ بالحديث والتحليل والمعالجة، ولنتأمل مثلا هذه الرؤية التي تُعضّد وتدعم ما ذهبنا إليه، والتي يقول فيها : ” إن المذاهب الفقهية في الإسلام يكمّل بعضُها بعضا ولا يغني أحدها عن الآخر، إنها كلها تمثل الفكر الإسلامي الرحب الذي يجب أن يُدرس ويُبحث، ويخضع للنقد والمقارنة والترجيح والمحو والإثبات، ونحن شديدو الاحترام لأئمتنا الأوائل، عظيمو التقدير لذكائهم الخارق وتقواهم لله ونصحهم للأمة ومقاومتهم للجور، غير أننا نشعر بأن كل واحد منهم يمثل لونا من التفوق الذهني والمناهج العلمية، وأن الإسلام مجموعة هذه الألوان وغيرها مما يجدّ على اختلاف الليل والنهار من اجتهاد الفقهاء وتطبيق الكتاب والسنة على مختلف الشؤون..إننا حين نطلب تحكيم الإسلام لا نفكر في إقامة دولة مالكية أو دولة حنبلية، فهذا حمق في التفكير، إن الإسلام الذي نستهدي به. هو أولا: الأصول المعصومة من كتاب وسنة،  وثانيا: جهد العقل الإسلامي في مواجهة الأحداث المتباينة في تاريخه الطويل ومدى ما أحرز من توفيق أو عرض له من خطأ…ونحن المسلمين في هذا العصر نواجه الفكر الإنساني القادم من شتى القارات، العارض لأنواع الحضارات، المصوِّر لشتى النزعات والفلسفات، فكيف يلقى هذا الفيض الغامر رجلٌ محصور في مذهب فقهي تعصّب له؟ أو رجل ينتسب إلى فرقة إسلامية ولد في أحضانها؟ إن على دعاة النهضة الإسلامية المعاصرة أن ينخلعوا من هذه القيود وأن تكون لديهم إحاطة علمية بما لديهم مهما كان الرأي فيه .. وحسن الإدراك لثقافتنا في أصولها وفروعها شيء، وما يميل إليه المرء من رأي أو يؤثره من وجهة نظر شيء آخر… ويؤسفني أن تكون أزمات المعرفة في بلادنا      وبين رجالنا بعض الضيق الذي نشعر به في جوانب حياتنا كلها المادية والأدبية، وما يُخدم الإسلام بهذه الفاقة ولا بهذا الانحصار.. “(3).

إن هذا التوجه في الطرح الفكري إنما يشير بقوة إلى أن الغزالي يقف من عطاءات العقل المسلم وإبداعات الفكر الإسلامي ــــــ عبر مسارات تاريخه ـــــ موقف الناقد الممحّص البصير، وأنه ينتقي من شتى الاتجاهات والمدارس  والمذاهب ما يخدم حاضر المسلمين وما يعزز مكانتهم في المستقبل، وهو ينظر إلى مختلف المدارس وشتى المناهج على أنها اجتهادات غير معصومة، وإلى الجهود المختلفة التي أنتجتها تلك المدارس والمناهج وأصبحت إرثا فكريا وثقافيا وعلميا هو جزء أساس من النسيج العقلي والنسق المعرفي للعقل المسلم..على أنها رصيد مهم للفكر الإسلامي، بيد أنها ليست ملزِمة في جزئياتها التفصيلية ومسائلها الظرفية، وذلك لوجود المتغيرات المتنوعة في حركة الواقع الاجتماعي وصيرورات التاريخ السيالة المتحركة؛ وتظل العصمة والقداسة – برأي الغزالي- محصورة في المنابع لا في السواقي، أي أنها خاصة بالنص المطلق المعصوم عن الخطأ المتمثل في الكتاب والسنة، كما يظل النص القرآني تحديدا -وفق هذا المنظور- معيارا أبديا ثابتا لوزن القيمة الحقيقية للنصوص والقواعد والمفاهيم الأخرى، أو لوزن مدى صواب أو خطأ الآراء والأفعال والسلوكيات والمنجزات والأعمال البشرية المتّسمة دوماً بالنسبية…

وفي نظر الغزالي وفهمه أن ما أبدعه العقل المسلم عبر مسيرته الحضارية والتاريخية من أنساق معرفية ومناهج وتراكمات فكرية وتنظيرية وثقافية ليست مقصودة لذاتها، فهي ليست ترفاً عقلياً أو متعةً ذهنية، وإنما كان وجودها أساسا والباعث عليها يتمثل في خدمة الإحاطة والإدراك المنهجي للنص المطلق المعصوم وفهم مقاصده وأبعاده العامة، والعمل من ثمة بهديه وبنور الحكمة المستترة داخل سياقاته وضمن تضاعيفه؛ وذاك سر صياغة القرآن لأجيال عظيمة النفع، زكية النفس عالية الهمة صلبة الإرادة، وفي ظرف زمني قصير ومحدود إبان البعثة المباركة وخلال فجر الرسالة الخاتمة.

لذلك فنحن نرى الغزالي ينعى بشدة فهم واجتهاد الحَرْفيين والنصوصيين للإسلام وتراثه ممن يقدسون القوالب والمناهج التاريخية لبعض جوانب من المعرفة الإسلامية فيفوتهم الانتفاع بالجوهر وبالمقاصد المرتبطة برسالة الإنسان المركزية وغاية وجوده وهي الاستخلاف عن الله وحسن الإصلاح والإعمار في الحياة والكون والتفاعل بالخير والحق مع منظومة معطيات الفطرة الصحيحة السائغة، بل ومع كل ما يوجد في هذا الوجود الكوني الفسيح..ودلالة ذلك كله – كما يرى الغزالي ويعتقد – أن جوهر النبي – صلى الله عليه وسلم – وأساس كيانه المعنوي والحياتي برمته إنما هو ” هذا الكتاب العظيم الذي صنع حضارة العقل السليم..فكيف ننسى هذا كله وننشغل بأمور شكلية هي أقرب إلى القشور..إن قشرة البرتقالة أو قشرة البيضة قد تكون ضرورة لحفظها وبقائها، ولكن ليس معنى هذا أننا نأكل قشر البرتقال أو قشر البيض، فالقشرة هي الشكل ومهمتها أن تصون الجوهر، فإذا انتفعنا كان انتفاعنا بهذا الجوهر قبل كلّ شيء، أما الذين يعيشون على قشر البرتقال أو قشر البيض ولا ينفذون إلى صميمه فهم قوم جهلة، وأنا أرفض أن يكون زمام الفكر الإنساني والإسلامي في أيدي هؤلاء”(4).

فهذه الرؤية بنظرنا تؤكد انتماء الغزالي الفكري لمدرسة التجديد والإحياء والاستفادة المطلقة والمفتوحة من تراث الإسلام كله ومن الجوانب المضيئة لعطاءات العقل الإنساني، تلك التي تمثل مشتركا إنسانيا عاما..لذلك أجدني في هذا المنعطف من التحليل منساقا لإقرار وتأكيد ما ذهب إليه المفكر الدكتور محمد عمارة في تحديد موقع الغزالي الفكري حينما قال: ” وإذا كان الرجل لا يفتأ يعلن مفاخرا ومباهيا بأنه من مدرسة حسن البنا..وإذا كان حسن البنا هو تلميذ رشيد رضا الذي تتلمذ على محمد عبده وإذا كانت (رسالة التوحيد) و (الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية) – وهما من أكثر آثار محمد عبده الفكرية تعبيرا عن خصوصية مدرسته – كان مادة درس وتدريس لأسر وشباب وتنظيمات جماعة الإخوان المسلمين على عهد مرشدها الأول حسن البنا .. إذا كان الأمر كذلك، فلن نعدو الصدق والموضوعية إذا قلنا إن الشيخ الغزالي هو واحد من أعلام هذه المدرسة الفكرية..مدرسة الجامعة الإسلامية..مدرسة الإحياء والتجديد الحديثة لفكر الإسلام لتُجدّد به حياة المسلمين (…) إن شيخنا الغزالي هو واحد من علماء هذه المدرسة وأن موقعه الفكري في الإطار الذي يجمع أعلام هذا التيار..فالرجل يكاد أن يحتضن كلّ تراث الإسلام وأن يستدعي من ثمرات إبداع المدارس الفكرية المختلفة كلّ اللبنات الصالحة للعطاء في مواجهة ما نواجه من تحديات”(5)..

بيد أن هناك ملاحظة ربما لا يجوز إهمالها في هذا المضمار أو السياق، ونقصد بها تميز تفكير الغزالي داخل نطاق الإطار الذي يجمع رموز وأقطاب هذا التيار الفكري، خاصة أن الغزالي قد تقدم به العمر بعد حسن البنا وبعد العديد من أعلام هذا التيار، واستجدّت أمور لم تكن مثارة في وقتهم، أو لم يكن بعضها بالصيغة التي أصبح عليها في المرحلة التي عايشها الغزالي في أوج نضجه العقلي وعطائه الفكري..وربما ليس أدل على ذلك من الإشارة لاجتهاده وإضافته لعشر مقررات أو قواعد للتعاليم العشرين التي وضعها أستاذه الإمام حسن البنا لهذه المدرسة الفكرية (6) .

فهذه بعض محدّدات الموقع الفكري الذي ينتمي إليه فكر الغزالي واجتهاده وتنظيره، وهذا هو المنطلق الذي تحرك من قواعده وخلفياته وأسسه، فجاء مشروعه الفكري لبنة عامرة بالحيوية نابضة بالحياة، تبشّر بحركية جديدة وبأنساق فاعلة وواعدة وأنماط أخرى محتملة لمستقبل الفكر الإسلامي، تكون قائمة على قواعد منهجية صلبة ومنفتحة على المعرفة وعلى عطاءات العقل الإنساني والخبرة الإنسانية        والفطرة الصحيحة؛ ونحن لا نجدّف في استنباط وبسط هذه المحدّدات لموقع الغزالي الفكري، إذ إننا نجد الغزالي نفسه يشير بوضوح إلى هذا الانتماء الفكري وأهم خصائصه وقسماته، وذلك بقوله: ” المدرسة التي أعتبر نفسي رائدا فيها أو ممهّدا لها تقوم على الاستفادة التامة من جميع الاتجاهات الفكرية والمذاهب الفقهية في التاريخ الإسلامي، كما ترى الاستفادة من كشوف الفلسفة الإنسانية في علوم النفس والاجتماع والسياسية والاقتصاد والتاريخ ومزج هذا كله بالفقه الصحيح للكتاب والسنة..إن الرؤية الصحيحة لأحكام الشريعة أو الحكم الصائب الذي ينبغي تقريره لا يتم إلاّ مع رحابة الأفق ووجود خلفية عظيمة من المعرفة القديمة والحديثة على السواء “(7).

وليس من شك أن هذه الكلمة لها دلالتها العميقة في حسم التحديد الدقيق لموقع الغزالي الفكري، وهي وإن كانت في توصيفها تنطبق على الخطوط العريضة والمحاور الرئيسة لمشروع الغزالي الفكري، إلاّ أنها أيضا – فيما أحسب – تنطوي على إشارة تميّز موقع الغزالي الفكري داخل هذا الاتجاه أو الإطار المرن المنسوب للمدرسة التي ذكرنا بعض مميزاتها..وهذه حقيقة لا مراء فيها يقف على معناها الصحيح كلّ دارس لمشروع الغزالي الفكري..فقد عرف الفكر الإسلامي المعاصر على يد الشيخ الغزالي دفعا قويا، انتقل به من مواقع ” النخبة ” إلى ” اهتمامات ” معظم المستويات في الأمة، وتجاوز بخلفيته النقدية الواعية المستوعبة مرحلة الأوهام والشعارات والحلول الجاهزة في الخيال، إلى أفق آخر أساسه الأول المعايشة الواقعية لمشكلات الأمة المختلفة، ومواجهة التحديات الكثيرة والمتناقضة التي ما فتئت تحول دون تحقيق الانعتاق الكامل وتجسيد طموحات وأهداف الأمة الإسلامية في الواقع القائم في دنيا الناس فعلا لا وهماً وحقيقة لا خيالاً .

ثالثا: ملاحظات حول مشروع الشيخ الغزالي الفكري:

بعد هذه الوقفة التي رامت تحديد موقع الغزالي الفكري، نأتي الآن إلى تسجيل هذه الآراء والملاحظات حول مشروع الشيخ الغزالي الفكري، عسى أن تكون حافزاً لبعض الباحثين للعودة إلى قراءة هذا المشروع وإعادة تفكيكه وقراءته قصد الإفادة من معطيات زخمه فيما يفيد واقع حياة المجتمعات الإسلامية ومشكلات الإنسان المسلم المعاصر:

 

1- يعكس مشروع الشيخ الغزالي الفكري بمراجعته الجادة لمعظم مساحات واتجاهات الفكر الإسلامي وجود أزمة فكرية حقيقية في نطاق المعرفة الإسلامية، وهو ما أثر سلبا في محاولات الانعتاق الشامل وبرامج الاستنهاض والتغيير والإقلاع الحضاري، كما يعكس في الوقت نفسه الإمكان الفعلي للعقل المسلم – في حال توافر المعطيات المناسبة والشروط الضرورية – لتجاوز المعوّقات والنقائص الموروثة وإعادة بناء وتأسيس الأنساق الفكرية وتأهيل وترقية المعرفة الإسلامية كي تصبح قادرة على إنشاء وصياغة البدائل في شتى الحقول التي يحتاج إليها المجتمع المسلم.

2- القضية الجوهرية والمركزية في مشروع الغزالي الفكري تتمثل في الكيفيات المنهجية لإعادة صياغة الشخصية المسلمة المتوازنة والمتكاملة، الشخصية القادرة على تخطي أسباب وعوامل تراجع المسلمين الحضاري وسقوطهم المريع في هاوية التخلف والهوان والانحطاط، وهذا سر معالجة الغزالي مثلا لمشكلة الانفصام التاريخي بين القيادة السياسية والقيادة الفكرية، أو تركيزه على بعث وإحياء عوامل الوحدة بين المسلمين، وتهميش الخلافات التاريخية والمذهبية وتحييد أثرها في الواقع الإسلامي، ومحاربته الشديدة لظاهرة الخلط العشوائي بين تعاليم الإسلام في مصادرها المعصومة وبين العادات والتقاليد الموروثة تلك التي تتحكم في توجيهها الأعراف البيئية والأوضاع الخاصة أو المنحرفة أو الجاهلية .

 

3- لقد حاول مشروع الغزالي الفكري الإجابة عن مجمل الإشكالات والتساؤلات المثارة في الأفق الفكري الإسلامي، والتي تثير التوتر والضجر باستمرار في فضاء ومحيط تفكير وتأمل العقل المسلم، ولم يكتف الغزالي بالإجابة النظرية المجردة، بل جعل حياته وشخصيته وكيانه كله سياجا لحماية تلك الأفكار والإجابات، ووقودا ينفث فيها الحياة والحركة ويدفع بها إلى الواقع الماثل، وهذه الميزة الرائعة في الالتزام والتماهي الصادق مع المبدأ يُحسب لمشروع الغزالي الفكري، ويضفي على خصائصه قدرا هائلا من الجدوى والقيمة النظرية والعملية.

4- إذا قيست المشروعات الفكرية بأهمية ووزن القضايا التي تعالجها وتبحث لها عن حلول مناسبة، وبالغايات والأهداف التي تروم تحقيقها، فإن مشروع الغزالي الفكري يعتبر وفق هذا المعيار من أثرى وأنضج وأينع المحاولات الاجتهادية التي أنتجها العقل المسلم المعاصر، فقد نجح هذا المشروع في استدعاء معظم أو جل اللبنات التي ما تزال صالحة لإعادة البناء المذخورة في التراث الإسلامي، وذلك بواسطة منظور نقدي له أسسه ومحدّداته المنهجية، وإقامة علاقة حيوية دائمة لمناقشة ومجادلة زخم الموروث الثقافي الإسلامي واستنطاق العناصر الحية في هذا الموروث، قصد تجديد أساليب أداء العقل المسلم واستكمال الأدوات المنهجية الضرورية لبلورة مرجعيته القائمة على مبدأ ” فكريّة الإسلام الكليّة “..سواء تعلق الأمر بالمنهج أو بالمعرفة أو الواقع.

5- إن مشروع الغزالي الفكري يشرح ويبرهن في الوقت نفسه على كون أزمة الأمة الإسلامية الأولى ليست أزمة عقيدة أو قيم ومبادئ، وإنما هي أزمة فكرية، وأنّ كل الأزمات هي في حقيقتها مظاهر وانعكاسات طبيعية لهذه الأزمة، وأن العلاج والحل يجب أن يبدأ بتصحيح فكرها وترشيد مسار ومنهج العقل المسلم، وبذلك نستطيع القول بأنّ مشروع الغزالي الفكري يهدف أساساً إلى وضع الأمة وفكرها ومؤسساتها في بداية الطريق الصحيح .

6- إن المراجعة المنهجية الدقيقة لجهود الغزالي الفكرية ولقسمات مشروعه الفكري بما في ذلك معالم شخصيته وخصائص خُلقه وسلوكه، تجعل الباحث والدارس يقتنع بأن هذه الجهود وهذا النموذج وهذه الاجتهادات والرؤى والمرئيات التي قدمها الغزالي تمثل مدرسة رائدة متميزة في الفكر الإسلامي المعاصر، لاسيما أن فكر الغزالي له تأثيرات واضحة سواء على صعيد الامتدادات الأفقية للمجتمعات الإسلامية أو على صعيد النخبة المفكرة والواعية من أبناء هذه الأمة…فهذا المشروع الفكري – فيما أعتقد – قد نجح في تحديد المنطلقات الصحيحة وبناء الرؤية السليمة لمنهج النظر والاستنباط والتفكير الإسلامي المتوازن.

وبناءً على ذلك  فإن الجهود اللاّحقة والمتفاعلة مع هذا المشروع، تقع عليها مسؤولية تبنّي معطيات وثمرات هذا المشروع الفكري، والبناء على أسسه وتطوير برنامجه ومفرداته في الإصلاح الفكري والتغيير الاجتماعي والتأسيس الحضاري على ضوء إفرازات ومستجدّات تدافع الوقائع والظروف والأحداث، وطوارئ ونوازل الصراعات والمدافعات والعلاقات، حتى يسترجع العقل المسلم المعاصر عافيته النهائية ويستردّ دوره التاريخي والإنساني في الشهود الحضاري، ويستأنف مسيرته المبدعة الخلاّقة في نفع الإنسانية والكائنات والكون بعطاءات رسالة الاستخلاف الصحيح، وفيوضات الخير الحقّ، والرحمة الصحيحة المنبثقة من المنهج الأقوم والهداية الأزلية.

فرحم الله المفكّر المجدّد المجتهد الشيخ محمد الغزالي في ذكرى مئوية مولده الأولى التي صادفت يوم 22 سبتمبر أيلول 2017م، لقاء ما قدم لدينه وأمته وأجيال الصحوة الإسلامية، والله وليّ كلّ توفيق وسداد ورشاد.

 

هوامش

ـــــــــــــ

1 ـــــ محمد شلبي ، الشيخ الغزالي و معركة المصحف في العالم الإسلامي ، دار الصحوة ، القاهرة ، ط1 ، 1987 م ، ص 24.

2 ــــــ محمد الغزالي ، تأملات في الدين و الحياة ، دار الدعوة ، الإسكندرية ، ط2 ، 1992 م ، ص 50.

3 ــــــ محمد الغزالي ، حصاد الغرور ، دار الثقافة ، الدوحة ، ط 3 ، 1985م ، ص 272-273.

4 ــــــ محمد الغزالي ، مجلة الدعوة السعودية العدد (1181) الصادر في 24 رجب 1409 هـ ، ص 28 – 29.

5 ــــــ محمد عمارة ، الشيخ محمد الغزالي : الموقع الفكري والمعارك الفكرية ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، ط 1، 1992م ،  ص 40 – 41.

6 ـــــ محمد الغزالي ، دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين ، دار الكتب ، الجزائر ، ط1 ، 1988 م ، ص 268 – 269 .

7 ـــــ  حوار مع الشيخ محمد الغزالي ،  إعداد دار المختار الإسلامي ، القاهرة ، ط1 ، 1996 م ، ص 58 .

عن المحرر

شاهد أيضاً

سلسلة تاريخ الحلقات العلميّة في ورقلة/ إبراهيم بن ساسي

في هذه الإطلالة الموجزة وفي هذا الشهر الرّمضاني الكريم نورد — إن شاء الله — …